هكذا كانت اوضاع الدولة، زمن الامبراطورية العثمانية !

هكذا كانت اوضاع الدولة، زمن الامبراطورية العثمانية !

د. رضا العطار

يعود الفضل في تهيئة هذا البحث الى امين كازات استاذ العلوم السياسية في جامعة كولورادو في الولايات المتحدة والى عزت سوبرو مدير المكتبة الالكترونية في بيروت، اللذان لعبا دورا محوريا في توفير المصادر النادرة لهذا الموضوع، علما ان معظم تاريخ فترة حكم الدولة العثمانية مازال مخطوطا في خزائن الدول الاوربية والتركية وهي غير محقق وغير منشور.

اما عن تاريخ بدأ ظهور الاتراك يقول المؤرخ بطرس البستاني : اندفعت قبائل متوحشة، وهم عنصر مغولي من اواسط آسيا غربا واستقرت في آسيا العليا، التي هي الان تركستان، فسماها الفرس توران، ومن هنا نشأ لفظ ترك، كما سماها اليونانيون تيران، ومعناها الطغاة.

كان القرن السادس عشر في تاريخ الدولة العثمانية عصر البناء والشموخ واتساع الامبراطورية وظهور السلاطين الاقوياء – ثم جاء القرن السابع عشر فكان عصر السلاطين الضعفاء المتخلفين عقليا – فسادت الفوضى وتفشى الفساد وتمرد الانكشارية بعد ان اصبحت المناصب في الجيش تباع وتشترى وتورث – فنزلت الهزائم الكبيرة بالجيوش العثمانية.

ففي بداية هذا القرن مُني العثمانيون باول هزيمة عسكرية ماحقة في معركة سنتا واضطروا الى توقيع معاهدة كارلوفيتز مع كل من النمسا وروسيا وبولنده والبندقية الايطالية. تنازلت بموجبها الدولة العثمانية عن اجزاء كبيرة من ممتلكاتها في اوربا لهذه الدول – – ومنذ ذلك الحين وبفقدان العثمانيين هنغاريا، اصبحت الدولة العثمانية في موقف دفاعي دائم في البلقان. تلك التي كانت الدولة العثمانية قد اخترقت طريقا الى اوربا من خلالها. فهُزمت برا على ابواب فيينا وهزمت بحرا في معركة لوسارنو.

وبمقارنة الدولة العثمانية ذات الحكم (الالهي) المطلق، مع الدول الاوربية في اواخر القرن السابع عشر، كانت الدولة العثمانية من خلال هذا المنظر متخلفة تكنولوجيا وثقافيا وتجاريا – فابتداءا من عصر النهضة كان الاقطاع الاوربي يخلق راسمالية تجارية لا يستطيع اي استبداد آسيوي ان ينتج ما يماثلها لا سيما الباب العالي لخلوه التام من الابتكارات. واحتقاره للصناعات وكانت نتيجة ذلك ان توقف التوسع العسكري العثماني في اوربا، لتفوق اوربا الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

اضافة لذلك فقد اعتبر القرن السابع عشر بمثابة العسرة الاقتصادية والمالية نتيجة لانخفاض عائدات الضرائب الذي سببته الهزائم العسكرية المتلاحقة. كذلك كان من اسباب هذه العسرة ازدياد نشاط النقل البحري بعد الاكتشافات الجديدة، فضعفت اكثر فاكثر الخطوط البرية العثمانية التي كانت تصل آسيا باوربا. الى التخلي عن كثير من اراضيها المحتلة في اوربا.

ومما زاد على هذه الاسباب هو تحول صادرات الفضة والذهب الامريكي من اسواق الدولة العثمانية الى اسواق البحر الابيض المتوسط. نتيجة هبوط قيمة العملة العثمانية والتلاعب في اوزانها من حين لاخر – – كذلك فان النسبة بين قيمة الذهب وقيمة الفضة في اسواق الدولة العثمانية كانت اقل من هذه النسبة في اسواق الدول الاوربية مما شجع التجار الاوربيين على استبدال الفضة بالذهب وارتفاع اسعار الفضة – وزاد بالتالي من اسعار الحاجيات والمشتريات العامة نتيجة لهبوط سعر العملة العثمانية بالمقابل مع اسعار العملات الاجنبية الاخرى. – فغرقت الامبراطورية نتيجة لذلك في تضخم مالي كبير تبعا لذلك ودفع الدولة العثمانية الى تخفيض عملتها الفضية – فهبطت واردات الخزينة العثمانية بمقدار النصف.

وكانت الدولة العثمانية في هذين العصرين (القرن السادس والسابع عشر) معزولة عن العالم ومنقطعة عن الحضارة الغربية انقطاعا كليا، فلم يصل الدولة العثمانية شيئا من العناصر المكونة للحضارة الغربية.

اما حال الثقافة فلم يكن افضل من حال الاقتصاد. وتجلى هذا في قلة عدد المكتبات وفي قلة عدد الكتب. فكان المستوى الثقافي والابداعي متدنيا – فلم يكن في الاستانة العاصمة كلها في القرن السادس عشر، غير ثلاث مكتبات ولم يتجاوز عدد الكتب فيها عن ثلاثة آلاف كتاب. وفي القرن السابع عشر زاد عدد المكتبات الى عشرين مكتبة- – ورغم ذلك فان هذا العدد من المكتبات كان قليلا وضعيفا جدا بالنسبة لعدد المكتبات والكتب التي كانت موجودة في المكتبات الاوربية – فيما لو علمنا ان معظم هذه الكتب في طول الامبراطورية وعرضها كانت مقتصرة على الكتب الدينية والتراثية والتاريخية واللغوية ولا يوجد بينها كتاب واحد يبحث في العلوم التطبيقية.

وكان السبيل الى تحصيل المعارف والعلوم هي اضعف حلقة في الحضارة العثمانية – فالتعليم الشعبي كان مهملا. وكانت الامية متفشية بدرجة 99% حتى ان بعض القضاة كان لا يحسن القراءة والكتابة.

ونتيجة لهذا الواقع الثقافي ذي المستوى الخفيض لم يظهر خلال هذين القرنين من الزمن اي فيلسوف او عالم تركي في مجال العلوم الطبيعية او لغوي او جغرافي او فلكي او اخلاقي. ولم تنتج تركيا خلال هذين القرنين غير 24 شاعر و4 مؤرخين فقط، في حين لم يظهر لنا في هذه الفترة كاتب مسرحي او قصصي واحد.

* مقتبس من كتاب عصر التكايا والرعايا لشاكر النابلسي.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close