الرؤى الإفترائية والوااقع المنكود!!

الأجيال العربية عاشت وتعيش واقعا ترسمه الإفتراءات المدونة المكررة , التي ترسخت في الوعي الجمعي وتحقق تداولها المتوارث , وخلاصتها أنها أخرجت الواقع العربي من طبيعته البشرية , وأضفت عليه خصائص ومميزات لا بشرية , وحولته إلى حالات مقدسة سماوية الطباع والمناهج , وكأن أناسه لم يكونوا بشرا مثلنا , وما أنجزوه معجزات لا تتكرر , لأنها فوق طاقتنا وقدرتنا.

وهذه أكاذيب ملفقة وتدوينات فنتازية ذات نزعات إلهية لا رصيد لها من الواقع في تأريخنا , وإنما كتبها المتخيلون المتوافقون مع إرادة الكراسي , التي عليها أن تبدو فوق البشرية بطبقات عديدة , لكي يتأمن منهج السمع الطاعة , ويتأكد التقديس ويكون الحُكم بأمر الله , والذي في الكرسي يمثل سلطة الله في الأرض.

وما أكثر الروايات الملفقة التي لا يقبلها العقل , والتي تزدحم بها كتب التراث وتكررها الأجيال , دون تدقيق وتمحيص , ودراسة ذات أساليب علمية بحثية رصينة تبحث عن الحقيقة , وتقدم التأريخ على أنه من إنجاز البشر , وليس من صنع ملائكة الرحمان.

والعجيب في أمر واقعنا التراثي , أن الأكاذيب صارت حقائق دامغة ومرجعيات موثوق بها , لأنها قد دونت وأعتمدت في المدونات اللاحقة , وإنتشرت بين الناس , وتحدث بها رموزها وخطبائها على المنابر وفي كل جمعة.

وما عاد من السهل مواجهتها والكشف عن زيفها , لأنها تمتلك رصيدا تكراريا وفيرا , مما يعطل محاولات تفنيدها وردها إلى صدور مفتريها من الذين تاجروا بالكلمة , وتعاطفوا مع الحالات الكرسوية والعقائدية , وبما يحقق مصالحهم ونزعاتهم الدونية.

فلا غرابة أن نجد رموز التأريخ قد صاروا في خانتين , أما مقدسة أو محتقرة , أما آلهة وأكثر أو شياطين وأحقر , وتلك مصيبة تنخر وجودنا , وتشل عقولنا , وتمنعنا من التبصر الواعي المحايد العلمي التوجهات والتطلعات.

وبهذه الأساليب الإفترائية تحقق إستعباد الأجيال , وترويعهم وتخنيعهم , وضمهم إلى مواكب القطيع الراكعة عند أذيال متاجر بما يريد ويرى , ويضيف إلى الأكاذيب المدونة ما يعززها ويزيدها رسوخا في الأذهان.

خصوصا عندما يكون الشحن العاطفي من ضرورات الإستعباد والتهجين , فالإفتراءات مطبوخة بإنفعالية حامية , ومتمترسة في الرؤوس والقلوب والنفوس , ومدرعة بالعواطف التي تؤكدها وتذود عنها بشراسة الوحوش في الغاب.

فهل من صدق فيما نرى ونقول؟!!

د-صادق السامرائي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close