“اهدنا الصراط المستقيم”

“اهدنا الصراط المستقيم”

علمتنا الحياة بان الذي لا مبدأ له يضيع في اي مجتمع يعيش فيه ويندم في نهاية عمره يوم لا ينفع الندم شيئا. كما ان اي مبدا فلسفي ارضي ايديولوجي قد يجيش الانصار والمريدين في فترة ما للوصول الى غاية ما. لكنه في نهاية المطاف لا يمكن ان يكون بديلا لدين يعالج نفس وروح الانسان ويمنحه السلام الداخلي والامان والاطمئنان. ان عوارض الدنيا كالاسقام والامراض والكوارث والفقر لا يمكن تلافيها. كم نحن في حاجة ماسة للتسلح بالصبر لتحمل نوائب الدهر.
كم هناك ممن اراد ان يغيير جلده وهويته وحضارته وعمل بكل الوسائل المادية ليندمج في المجتمع الذي يعيش فيه. لكنه وجد بان المجتمع الذي اراد الاندماج به لا يسمح بذلك ويذكره باصله وفصله. لذا يرى نفسه بين خيارين فاما ان يبقى يكابر ويتناسى اهانات المجتمع كبلاع الموس لا يتمكن من اخرجه من فمه ولا ان يبلعه. او ان يعود الى رشده في اخر المطاف مجبرا ليضيع كل شيء.
ليس هناك اعظم وارقى من الهوية الاسلامية العالمية التي لا تفرق بين عربي واعجمي ولا بين اسود وابيض ولا بين رجل وامراة. فالناس سواسية كاسنان المشط كما قال رسول الله او مقولة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عندما قال متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا. ان هويتك الاسلامية ترفعك الى الاعلى وتجعل خالق السماوات والارض في معيتك عندما يتخلى عنك الناس وعندما تمرض او تفتقر او تموت.
الاسلام ينبهك ان تكون لحياتك قيمة ويكون لديك مبدأ اعلى لا يمكن ان تحصل عليه في الدنيا. هدف تناله بايمانك بالله وبمكارم اخلاقك وهو الفوز بالاخرة عبر مرضاة الله. هذه الهوية ترشدك كي تجد وتجتهد لعون غيرك وعمارة الارض. عندها سيعينك الله الى تحقيق ما تريد من اهداف ثانوية لانه معك اينما تكون. ينبغي ان نعلم بان الانسان مركب من مادة معروفة في تركيبها وعناصرها. لكن الروح التي لا يرها ولا يعرف تكوينها احد غير الله هي المحرك الاساسي والوحيد لذلك الجسد. فالروح هي التي تعطي الحياة لعمل حواس البصر والسمع والشم والذوق والمحركة لعمل العقل والادراك والبحث عن العلم والعمل وكل حركة في الحياة. اي ان الروح هي الفيصل بين الحياة والموت ولا يعرف امرها سوى الله “ويسالونك عن الروح قل الروح من امر ربي وما اوتيتم من العلم الا قليلا”.
عندما نقول “اهدنا الصراط المستقيم” نعلم بان ناصيتنا بيد الله. ولا يستطيع هدايتنا الى الصراط المستقيم غيره. فالله الذي سيعيننا للوصول الى مرضاته والجنة ونتحمل الصعاب ونصبر على قضاءه ايا كان. عندما نطلب الهداية من الله نثق بفحواها ولا ننتظر من الله الا الخير. الله الذي يحب عبده اكثر مما تحب الام وليدها. وهو يقدر بعلمه السابق ما كان وما يكون وما سيكون. فانه تعالى يستجيب حسب مصلحة المؤمن التي يعلمها الله وحده “وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى ان تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وانتم لا تعلمون”.
اما الاية الكريمة عنوان المقال جاءت الدعوة الى الله بالجمع اهدنا وليس اهدني. هذا يعني اذا ما قبل النداء من احد المجتمعين في المسجد او المكان العام للصلاة يقبلها الله كذلك من مجموع الحاضرين. اما الصراط المستقيم فهو السبيل الذي يوصلنا الى الفوز في حياتنا الدنيا فنستمر على الاخلاص والامانة والوفاء والبحث عن العلم النافع والعمل الصالح والتزام التسامح والعدالة وقول الصدق حتى لو كان ضد مصلحتنا. صراط يجعلنا لا نخاف احد غير الله ونصبر ونصابر في اوقات الشدة ونعلم بان هذه الدنيا هي امتحان من الولادة الى الموت.
ستبقى حياتنا مهما فعلنا مليئة بالمفاجات غير السارة ولا تبقى على حال واحدة. لذا فنحن في حاجة دائمة الى سلوك الصراط المستقيم. الذي يوصلنا لمرضاة الله وبالتالي الفوز بالجنة والخلود فيها. بعد عمر سنراه في اخر حياتنا الدنيوية كالحلم الذي مر سريعا. رغم عشرات السنين التي عشناها في الحسابات الارضية.
د. نصيف الجبوري

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close