حقيقة مشهودة أثناء الموتة الصغرى: 

بالأمس عدت إلى البيت متعباً منهكاً بعد إتمام المراجعة العادية للطبيب و فحص الدم و الذي أجريه مرتين في الأسبوع .. فقالت زوجتي: هلَّا بدّلت ثيابك و ارتحت قليلا ريثما نُعدّ الطعام؟ وبالفعل ذهبت إلى غرفتي و بدلت ثيابي و تمدّدت على سريري و اغمضت عيني! ولم أفتحها إلا على صوت المؤذن لصلاة العصر، فخرجت من الغرفة متوجهاً إلى المطبخ فوجدت زوجتي منهمكة في إعداد المائدة! 

جلست قربها و سألتها : ماذا طبختي لنا اليوم يا حبيبة القلب؟ 

إلا أنها لم ترد! فعاودت السؤال ثانية و ثالثة و رابعة فتفاجئت كيف إنها لم ترد …. فكانت دهشتي أسبق من غضبي! 

إذ أنها للمرة الأولى وعلى مدى أكثر من أربعين عاماً من حياتي الزوجية أخاطبها و لا تعيرني أيّ اهتمام! 

التفت حولي .. فإذا بابني محمد يدخل المطبخ, فطلبت منه إحضار زجاجة ماء من الثلاجة؟ فكان جوابه مماثلا لجواب أمه! فازداد تعجبي من ذلك الشاب الدمث الذي يُضرب به المثل في الأدب وحسن الخلق و حتى الفكر و الفلسفة في زمن المسخ و القحط الفكري و إنعدام القلوب النظيفة!
فهممت بالخروج من المطبخ بعد ما أحسست بأن أختنق, فإذ بزوجتي تقول لأبني: اذهب و أيقظ أباك لتناول الغداء!؟ 

هنا بلغ مني الذهول و العجب مبلغا! 

وبالفعل إتجه إبني إلى غرفتي ليوقظني, فصرخت فيه بعلوّ صوتي أنا هنا, فَلِمَ لا تراني و تذهب لغرفتي, لكنه لم يلتفت لي و مضى مسرعاً و تركني غارقاً في ذهولي! 

وبعد دقيقة أو يزيد عاد و قد ارتسم الرعب على وجهه فقالت له أمهُ: ما بك .. هل أيقظت أباك؟ 

فتلعثم محمد قليلا ثمّ قال : حاولت إيقاظه مراراً و تكراراً لكنه لم يجب ! فازدادت دهشتي, ماذا يقول هذا الولد! 

فدخلت زوجتي مسرعةً إلى الغرفة وخلفها الأولاد مذعورين فتبعتهم لأجدها تحاول إيقاظ شخص آخر في سريري يشبهني تماماً, ويلبس نفس ثيابي! 

وما إن يأستْ من إيقاظه حتى بدأت عيناها تُغرورَق بالدموع و بدأ أولادي في البكاء و النحيب و مناداة ذلك الرجل الملقى على فراشي والتعلق بثيابه أملا في الرد أو النهوض. 

وأنا لا أصدق ما جرى و يجري حولي! 

يا إلهي ما الذي يحدث ؟! مَنْ هذا الرجل الذي هو نسخة مني ؟! لماذا لا يسمعني أحد ؟! لماذا لا يراني أحد ؟! 

خرج ابني مسرعاً و إنضمت إبنتي آلاء لهم مع ميثم ليعود الجميع للبكاء والجميع يبكون بكاءا حارا، فذهبت إليهم محاولا لمسهم والحديث معهم وإفهامهم .. أني أمامهم و مازلت بجوارهم ولن أتركهم في غربتهم كما وعدتهم .. إلا أنه حِيل بيني و بين ما أردت! 

فالتفت بعضهم لبعض محاولين إسماع صوتي ولكن دون جدوى! 

قالت إبنتي: لنتصل بسيارة الإسعاف لنجدته ربما بسبب السكر أو حالة الدم التي عنده أو القلب! 

ذهبوا لإعداد للجنازة وخرَّ إبني و زوجتي .. وأنا في ذهول تام وإحباط شديد من هول ذلك الكابوس المزعج الذي أحاول الاستيقاظ منه. 

جاء المغسل و بدأ بتغسيل ذاك الجسد الملقى على فراشي بمساعدة أبنائي ولفه بالكفن و وضعه في التابوت. 

وتوافد الأصدقاء الاجانب للبيت وهم يدعون لي بالرحمة ولهم بالصبر والسلوان. 

ثم حملوا الجسد المسجى إلى المسجد ليصلُّوا عليه و الكل ورائي, فخرجت مسرعاً خلف الجنازة المتجهة إلى المسجد حيث اجتمع بعض الأصدقاء واصطفوا خلف الإمام ليصلوا علي. 

ووسط ذلك الزحام الشديد وجدتني أخترق الصفوف بيسر وسهولة دون أن ألمس أحدا. 

كبَّر الإمام التكبيرة الأولى وأنا أصرخ فيهم يا أهلي يا جيراني على مَنْ تصلون؟! 

أنا معكم ولكن لا تشعرون!!! 

أناديكم ولكن لا تسمعون!!! 

بين أيديكم ولكن لا تبصرون!!! 

فلما استيئست منهم تركتهم يصلون وتوجهت إلى ذلك الصندوق وكشفت الغطاء أنظر إلى ذلك النائم فيه .. وما إن كشفت عن وجهه حتى فتح عينيه ونظر إليَّ و قال: الآن انتهى دوري ،،، أنا إلى الفناء .. و أنت إلى البقاء! 

ثم قال لازمتك ما يزيد عن 67 عاما واليوم مآلي إلى التراب و مآلك إلى الحساب! 

ولم أشعر بنفسي إلا وأنا ملقى في التابوت فاقدا السيطرة على كل شئ, أطرافي لم تعد تستيجب لي. لم أعد أرى شيئاً, لم أعد أقوى على الحراك, أحاول الكلام فلا أستطيع. 

فقط أسمع تكبيرات الإمام … 

ثم غمغمات المشيعين …. 

ثم صوت التراب ينهال عليّ ….َ 

ثم قرع النعال مبتعدة عنيّ …. 

أدركت حينها أنها النهاية …. 

ولربما البداية …. 

بداية النهاية …. 

هكذا بكل بساطة ودون مقدمات و فلسفات و كونيات تُطوى أعمارنا ؟ 

مازال لدي الكثير من المواعيد .. و الأفكار التي لا بد و أن أنير بها طريق التائهين في عالم لم يعد سوى بشرا يتقاتلون و يتحايلون على لقمة خبز و دولار .. 

مازال لدي الكثير من الأشغال … 

مازال لدي الكثير من الديون التي لم أسددها ولم أوص بسدادها … 

أين نقالي ؟؟؟ 

أريد أن أوصي بفعل خير لطالما أجلته … 

أريد أن أنهى عن منكر لطالما رأيته … 

وشيئا فشيئا بدأت أختنق … 

ثم سمعتُ أصوات أقدام متجهة نحوي … 

يا ويلتى سيبدأ الحساب! 

هذا ما كان يقال لي في الدنيا منذ الصغر … 

لا بد أنهما منكر ونكير في طريقهما إليَّ … 

لكني كنت متأملاً قدوم العليّ الأعلى الذي طالما عشقته و كتبت عنه وأنرت بها طريق العباد الضاليين… 

وبقيت أصرخ في قبري … 

رب ارجعونِ … 

رب ارجعونِ … 

رب ارجعونِ … 

لعلي أعمل صالحا فيما تركت !!! 

لكن لا أسمع صدى لدعائي سوى… 

كلا … كلا … كلا … 

ولا زلت على هذه الحال حتي تدفق لمسامعي صوت رقيق يهمس في أذني : بابا, بابا, الغدا يا بابا … 

ففتحت عينيَّ لأجد إبنتي آلاء ألعالمة وفلذة كبدي مبتسمة كعادتها في وجهي وهي تقول : ” يلا يا بابا قبل الأكل ما يبرد” 

إحتضنتها بلهفة وقبّلت جبينها ثم تركتها تذهب … 

وجلست في فراشي برهة و أنا أشعر بدوار و بإرهاق شديد و أطرافي ترتعد وجسدي يتصبب عرقا …. 

لأخاطب نفسي قائلا: 

ها يا نفسُ قد عدتي … فأريني أي صالحٍ ستعملين قبل أن يأتي يوم تسألين فيه الرجعى فلا يستجاب لكِ… 

سارع بالخيرات بأعمال الصالحات [… فمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ] 

(سورة لقمان 34]), 

ختاماً أيها الناس : طهروا لقمتكم و حللوا رواتبكم الحرام و لا تعتدوا و لا تستغيبوا ولا تظلموا خصوصا عوائلكم و مقرّبيكم.
إنتبهوا لحقوق الناس فأنها خط أحمر .. فحتى الله تعالى لا يستطيع غفرانها لأنه عادل و لا يمكن تجاهل حقوق الآخرين فحتى الراتب الذي تأخذه من بيت المال فيه حقوق ملايين الناس فإنتبهوا. 

ولا تنسوا كل يوم : (الأستغفار) مئات المرات مع الصلاة على آل الله آل محمد الطيبين الطاهرين. 

ألعارف الحكيم عزيز حميد مجيد 

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close