عصر العبودية

عصر العبودية : بقلم ( كامل سلمان )

كنت أعتقد يقينا إن إستعباد الناس الأحرار محال ولكن إعتقادي هذا لم يكن موفقا فقد اصطدم بواقع ذا شكل آخر وتقديري للأمور كان ينقصه التنقيح لإنني كنت انظر للناس من زاوية واحدة ولم أنظر الى الجانب الآخر وهم هواة الاستعباد ، فهؤلاء امتلكوا من التجارب والإمكانيات والأدوات الكفيلة بإستعباد الاخرين دون عناء وقد توارثوا كل شيء يمكنهم من إستعباد الناس واحتفظوا لأنفسهم بمكونات الاستعباد واسرارها فخسرت مع نفسي الرهان . ولكن عندما أطلعت على مكونات التركيبة الإعجازية للاستعباد وجدتها متكاملة ومتناسقة ولا مجال للشك في فعاليتها ، كل مايحتاجه المستعبد للناس لكي يستعبدهم ويحولهم الى قطيع من العبيد هو قليل من التجويع ثم بناء جدار فاصل أمام المعارف العلمية والإنسانية ثم ضخ كميات هائلة من الخرافة والخزعبلات مع بعض الامتيازات لمن يصدقها وبوجود السوط والسيف على الرقاب طوال مراحل اكتمال الطبخة وبعدها يكون كل شيء جاهز ، قطيع متكامل المواصفات يتلذذ بالعبودية والأجرام ، للأسف هذا هو الإنسان عندنا ، لم يكن سوى عبد مطيع ذليل طوال تأريخه عبد يهان ويقتل ويباع ويشرى وإمكانية التلاعب بعقله سهل جدا ومتى ماشاءوا بمجرد أدخال تيار عالي الفولتية من العواطف الجياشة المصحوبة بالخرافة والكلام المزيف المعروض على شكل روايات واساطير محبوكة بإتقان وبخبرة كبيرة وتتناسب مع ذوق المتلقي وواقع حاله ، وإذا ظهر من يعترض سبيل الحق الذي يعتقدونه وكان عنده شيء من بقايا الحرية والسيادة على نفسه فإن عملية استئصاله لن تستغرق وقتا طويلا . الناس عندنا كانوا أحرارا والحقيقة لم يكونوا ابدا سوى عبيد لمفاهيم العبودية ويحسبونه تراث ودين الآباء والاجداد وماكان عندهم من الحرية والتحرر لم يشمل سوى مأكلهم وملبسهم ولم يشمل عقولهم التي تأكسدت من جراء مكر الليل والنهار ، نعم الناس تبقى تواقت لجمال الحياة والحرية ولكن بسبب الحمل الثقيل الذي انقض ظهورهم لمئات من السنين فإنهم غير قادرين على ان يمدوا أيديهم اليها ليتذوقوا حلاوتها فأصبحوا ينظرون اليها من بعيد وإذا ما حلت بأرضهم في غفلة من الزمن لا يصدقونها ولا يستسيغونها لإنها ستسبب لهم الألم وتهيج لهم الجراح التي كانت ساكنة لفترات زمنية طويلة فلا لوم ولا تثريب عليهم .
عندما تموت البقرة الحامل فإن المحاولات تجري لإنقاذ العجل الصغير ، هكذا نحن أصبحنا لا نفكر بالميت ولكن نفكر بمن فيه الأمل بالبقاء وإن المنقذ سيكون رسول تتحدث به الألسن وسيكون المبشر الأول للإنسانية والحرية. هناك حقيقة واحدة يجب ان يعرفها الجميع وهي ان هواة استعباد البشر لا يستطيعون العيش كباقي البشر دون ان يستعبدونهم يعني اذا لم يكون الناس عبيد لهم فهذه هي نهايتهم لذلك المسألة بالنسبة لهم مصيرية فهم لا يتوانون عن ارتكاب ابشع الجرائم وممارسة أقذر الأفعال لكي لا تخرج الأمور من تحت السيطرة ويتحرر الناس ، فمن حاول ان يفهم المستعبدين بشكل آخر فهو ضحية لأفكارهم وألاعيبهم ، فهم يعرفون الموسيقى كما يعرفون الرقص ومتى وكيف يرقصون وعلى اية آلة موسيقية يعزفون ويعرفون ان المثقف بكلماته الأخلاقية والإنسانية والمعرفية هو تقطيع لإوصالهم ، فهم لا يرجون رحمة من الإنسان الواعي ولا الإنسان الواعي سيكون عند حسن ظنهم في يوم من الأيام وهم يعرفون ايضا ان الدين قد كسب قلوب الناس فهم يسعون لإن تغطى وجوههم بهذا الدين وعباءته ولكن الدين هو الآخر يعري وجوههم ، فهم أقوياء عندما يزداد اعداد العبيد عندهم ولكن هذا لا يدوم لإن قواعد اللعبة تحولت بيد أصحاب الثقافة والوعي وأصحاب الكلمة الطيبة الذين لا يرضون لأنفسهم ولا للناس الا الحرية والتحرر من هذا الكابوس الجاثم على صدور الأبرياء لا لذنب ارتكبوه الا لطيبتهم وسذاجتهم وان انهاء واستئصال العبودية عمل انساني واخلاقي كبير .
ان الحرية تعني ان الجميع امام القانون سواسية وتعني ان لا يترك السارق والباغي والقاتل حرا بلا حساب وتعني ان الاموال المفقودة من اموال الشعب يجب ان تعاد وتعني ان الشعب هو من يقرر مصير الدولة وليست الدولة من تقرر مصير الشعب وتعني ان المسؤول في الدولة يجب ان يسهر لإجل راحة المواطن لا ان يتعذب المواطن لكي يرتاح المسؤول وتعني ان المواطن يعرف ماهية حقوقه وواجباته بما سنه الدستور وتعني وتعني وتعني اما بالنسبة لمن لا يريدها فهي بالنسبة له لا تعني اي شيء .
العبودية قد أختفت وتلاشت ولم يعد هناك عبيد سوى في اذهان المرضى عقليا ، فبعض المجتمعات اصبح فيها من كانوا عبيدا بالأمس هم سادة يشار اليهم بالبنان وأصبحت كلمتهم مسموعة ولها صداها عند الآخرين في مختلف مجالات الحياة ، فالعبودية لم يعد لها وجود وأصبحت ماض بعيد كأي ماض كريه ابتلعته فوهة التأريخ بلا تأسف
اما ان نرى اليوم من يحاول احياءها وتجديدها في مجتمعنا فهذه وقاحة لم يشهد لها التأريخ مثيل وإصرار على شيء يستحيل قبوله فمازالت عقول هؤلاء المتعفنة تعتقد بإن هذا الشيء ممكن مستغلين سذاجة المجتمع وميوله العاطفية ، متصورين بكل بلاهة انهم قادرين على اقناع الناس بل واجبارهم على تقبل فكرة ان هذا العصر هو عصر العبودية فبذلك بذلوا الجهود واستعرضوا وعربدوا وشردوا وقتلوا متوهمين بإن مثل هذا السيناريوهات الهزيلة ستحقق مبتغاهم في وقت وزمان أصبحت حتى الكلاب لها حرية وحقوق فأين أنتم من باقي البشر ، هل عودتكم أفكاركم ان تصنعوا من الوهم حقيقة ام ان الحقيقة ماتظنونها في اهوائكم ، اعلموا ايها الناس ان ما تحقق من تأسيس كيان للعبودية لن يدوم لإنها بضاعة كاسدة لم تعد صالحة للتداول والاستهلاك وان الاصرار عليها مجرد تأخير لزمن انهيارها والعناد هو مجرد تشبث بأمل البقاء وأعلموا ايضا ان هواة استعباد البشر سيخسرون ليس مكانتهم كسادة على الاخرين بل سيخسرون ما بناه اجدادهم لمئات السنين وخروجهم منها هذه المرة ستكون بلا عودة ، اقولها ان استعباد الناس والتسلط عليهم جاءت متأخرة لكنهم لا يعرفون ذلك وان من جاء بهم يعرف ذلك وأوهمهم بأن مجيئهم صحيح وفي الوقت المناسب والسر في ذلك يكمن بإن من جاء بهم يستطيع ازالتهم متى ما شاء دون عناء. فالقوى العالمية اليوم تتعامل مع الشعوب ومع من يمثلها بشكل حقيقي اما غيرهم فلا مكانة لهم بين المجتمعات البشرية تلك المجتمعات التي تستعد اليوم للاحتفال بانتصارها التأريخي على اعتى وباء اكتسح كوكب الارض بالأكمل وخلف الملايين من الضحايا وهو وباء كورونا وتستعد لبناء اوطان جديدة على سطح كوكب المريخ وكواكب اخرى وتستعد لتقديم أجيال جديدة من الأجهزة العالية الذكاء لخدمة الانسان اينما كان . فلا للوهم ولا للخرافة ولا للشعوذة اقامة بين اوساط الناس طالما ان البديل اصبح موجودا ومتوفر في كل مكان وهو العلم والمعرفة والحرية فهذا الثلاثي المبيد للعبودية موجود ومتوفر مجانا لكل الناس ويستطيع الجميع ان يغرفوا من هذا النهر العذب الذي صنعته يد الانسان ذلك الانسان الباحث دوما عن المستقبل المشرق .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here