نحو عالم جديد تحكمه المصالح

نحو عالم جديد تحكمه المصالح

الدكتور خليل الزبيدي

كان للقاء الشيخ عبد الله بن زايد وزير خارجية دولة الامارات والسيد يائير لابيد وزير خارجية دولة اسرائيل

قبل بضعة ايام وفي اول زيارة رسمية لمسؤول اسرائيلي رفيع لدولة الامارات إنعطافة مهمة في التأريخ السياسي لكلا البلدين ، فقد أثبت الطرفان بلقائهم وما سطروه من كلمات في مقال مشترك تناولته العديد من الصحف و وسائل الإعلام العربية والدولية ، على انه فصل جديد من الدبلوماسية الحكيمة التي سوف يستكملوا بها مسار ترسيخ بذور السلام والازدهار في الشرق الاوسط . فبعد قراءتي للمقال المشترك (We Decided Otherwise ) (أخترنا وبشكل مختلف ) ، خلُص ذهني الى مسألتين رئيسيتين تضمنهما المقال المشترك ، الاولى كانت تساؤل يتناغم الى حد كبير مع ما يفرضه العقل والمنطق ، هل أن الماضي يحدد المستقبل ، أم ان مصيرنا بأيدينا ؟

و بينما أفكاري مستغرقة في هذا التساؤل اول ما تناهى الى خاطري هو أننا كمجتمع عربي لا زلنا للأسف نفكر في المستقبل بطريقة فردية ، وكأن المستقبل هو للفرد وليس للأمة .

وهذه اولى اسباب تراجع العقل العربي والتي قادت فيما بعد الى انهيار النهضة العربية ، فالعرب بطبيعتهم طالما جعلوا من الماضي منجزاً يتبجحون به بمناسبة وبغيرها ، متباهين بأمجاد وحضارات عفى عليها الزمن ولم يبقى منها سوى غبارها و اسماءها ، بخلاف امم كثيرة لا تمتلك اي موروث حضاري او ثقافي لكنها استطاعت ان تسطر اروع واعظم الانجازات التي خدمت الانسانية بفضل ارتقاء مستوى تفكيرها الفردي بالمستقبل الى المستوى الجماعي الذي يعبر عن مستقبل الدولة والمجتمع .

فالتخطيط المبني على استحضار العقل والحكمة للمستقبل مرتبط بطبيعة اللحظة التي نعيشها في الحاضر، فماذا تنتظر من إنسان يتغنى بماضيه المندثر و يرفض حاضره باستمرار؟ بكل تأكيد سوف لن ينجح في التخطيط لمستقبله ولن يصل إلى تحقيق أهدافه وطموحاته . لكن القادة في دولة الامارات كسروا قيود نمطية التفكير العربي الممُلة بوعيهم الدقيق لحسابات الحاضر الذي يعيشونه واستشرافهم لمستقبل واعد تنشده كل شعوب المنطقة في العيش بسلام و أمان وازدهار .

لقد ادركت القيادة الاماراتية ان وجود اسرائيل كدولة بات بحكم الأمر الواقع في العقل السياسي العربي وانها لاعب مؤثر في المنطقة كأي دولة اخرى ، كما أدركت جيداً بان مفهوم الصراع العربي الاسرائيلي قد نفذ مفعوله واصبح يحمل عنوانا اخر أكثر إختصارا من خلال عزل العنوان العربي عن هذا الصراع وتوصيفه بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي ، كما ادركوا ان عملية السلام لم تعد تعني الدول العربية إلاً بالقدر الذي تعتقده هذه الدول في انه ضروري لتحقيق السلام في المنطقة وتجنب الحروب ، فمتى يدرك الاخرون هذا الواقع ، ويكفوا عن الشعارات القومجية الفارغة والاسلاموية الكاذبة وان يعوا بأن لأوطانهم وشعوبهم مصالح أسمى وأثمن من شعاراتهم الخرقاء وان يفهموا بأننا نعيش عصراً جديداً من السياسة يفرض على رجالاتها اللجوء الى لغة الواقع وتحديد اتجاه بوصلة المصالح بشكل سليم .

اما المسألة الثانية التي وردت في المقال المشترك فهي تلك المتعلقة بالعقبات والتحديات التي تواجه استمرار عملية التطبيع العربي الاسرائيلي ، وان نجاحها يحتاج للتغلب على القوى التي تحاول تقويض تلك العملية ، وهنا جاء المقال بإشارة واضحة لتلك الدول التي تخفي انظمتها السياسية رغبتها في إقامة أطيب العلاقات وأوسعها مع إسرائيل ، و هنا اود التنويه الى الظروف المحيطة وحجم التحديات التي تواجه العديد من دول المنطقة ، فالنفوذ الايراني المتغلغل في العديد من تلك الدول ودوره المزعزع لاستقرار المنطقة وتدخله المفضوح في شوؤن دول الجوار ليصل الى حد الهيمنة الكاملة ، هو رأس الرمح في مجموعة العقبات التي تقوض عملية السلام وخلق شرق اوسط آمن ومستقر . وبما ان العراق جزء مهم من منظومة الشرق الاوسط ، علينا

ان ندرك بأن نظامه السياسي الحالي وما يتخلله من فوضى ، غير مؤهل لإقامة اي شكل من أشكال العلاقة مع اسرائيل بفضل وجود هكذا نظام متهرئ وعاجز ، خصوصاً وان صناعة القرار العراقي ومنذ عام ٢٠٠٣ باتت رهينة ومقيدة ، مما يسهم ذلك الى حد كبير في ايقاف عجلة التطبيع وتقويض فرص السلام في المنطقة .

وعلى ضوء ما أسلفت … اطمح وغيري من المؤمنين بضرورة إحلال السلام في المنطقة الى تشكيل تحالف اقليمي يضم اسرائيل ودول التطبيع العربي يستهدف مواجهة هذه التحديات ويُحجم من النفوذ الايراني في المنطقة ، فهو الخيار الأمثل لكل دول المنطقة وشعوبها كي تعيش بسلام وأمان و إزدهار .

ويبقى الهدف من كل هذه الأفكار هو تعبئة الرأي العام العربي بأن نتائج ايجابية كبيرة ومثمرة يمكن ان تجنيها شعوب المنطقة فيما لو مضت بعجلة السلام ، وعلى اسرائيل ودول التطبيع العربية ان تعي جيداً انها أصبحت ملزمة في إبراز كل الجوانب الايجابية لعملية التطبيع وأننا نعيش عالماً جديداً يختلف عما كنا نعيشه بالأمس ، عالماً يعكس فكراً واقعياً جديداً تحكمه المصالح فقط ، مصالح الشعوب والأوطان .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close