عندما يحرق الأطفال حديثي الولادة في مستشفى فذلك وصمة عار على جبين سياسي العراق

عندما يحرق الأطفال حديثي الولادة في مستشفى فذلك وصمة عار على جبين سياسي العراق

بقلم: البروفسور سامي آل سيد عگلة الموسوي

تعتمد المستشفيات والمراكز الصحية في العالم المتطور او النامي في العصر الحديث على سياسات محكمة وبروتوكولات مدروسة وتعاد دراستها بشكل متكرر لمكافحة الحرائق واتباع الوسائل الصحيحة للوقاية من حصول خسائر كبيرة في حال حدوثها. وتعمل كافة المستشفيات في الدول الحديثة والمتطورة على تنظيم دورات تدريبية اجبارية لكافة منتسبيها في كيفية تجنب الحرائق وكيفية التعامل معها عند حدوثها وكيفية اخلاء المرضى بطرق تقلل الخسائر البشرية. يحصل كل منتسب في المستشفى على شهادة حضور واجتياز اختبار الحريق ويعاد ذلك كل عام او عامين وذلك لكي يبقى الشخص محتفضا بوضيفته. يشمل ذلك كافة العاملين من الاطباء الى عمال التنضيف وغيرهم.

واحدة من اخطر المتسببات في الحرائق هو استخدام الاوكسجين الذي يمثل نسبة 21% من الهواء. وفي الاونة الاخيرة زاد استخدام الاوكسجين بسبب وباء كورونا كما زاد الاعتماد على المستشفيات المؤقته للعزل. وعلى هذا الاساس يجب ادخال التدريب والسلامة من الحرائق وكيفية التعامل الصحيح مع قناني الاوكسجين والاجهزة الطبية الكهربائية بشكل اكبر. الاوكسجين هو العنصر المهم للحياة وهو لايشتعل ولكنه يساعد على الاشتعال خاصة لو ارتفع تركيزه الى اكثر من 24% في الهواء. وهذه النسبة ممكن الوصول لها بسهولة في الاماكن المغلقة مثل المستشفيات وغرف العناية في حالة وجود تسرب من احد الانابيب او القناني خاصة مع وجود محاليل دهنية او كريز او مواد قابلة للاشتعال. ومما يزيد خطورة نشوب حرائق كبيرة تلتهم كل شيء هو وجود تسرب الاوكسجين مع شرارة من النار من اجهزة طبية او كهربائية في مكان يستخدم فيه الكحول كمعقم مما يساعد على امتداد الحريق بسرعة. وقد يحصل انفجار في قناني الاوكسجين المضغوط تحت درجات ضغط عالي مما يزيد الطين بلة وعليه كلما زاد استخدام الاوكسجين كان من الواجب تشديد خطط الوقاية والسلامة وإعادة تقيمها بشكل مستمر ومدون. وبالخصوص هنا بعد حادثة مستشفى ابن الخطيب كان من المفروض ان يتم تجنب حوادث مشابهة. المشكلة بالنسبة للاوكسجين انه غاز عديم الرائحة ولا يسبب علامات سريرية على الأشخاص حينما يتسرب مما يؤدي الى ارتفاعه بشكل غير ملحوظ. وهناك ثلاثة أمور يجب توفرها لحدوث الحريق هي الاوكسجين ومواد قابلة للاشتعال مع وجود شرارة لبدأ الحريق. حسب الدراسات الاوربية فأن ٦٨٪ من الأسباب يتعلق بالطبخ بينما يمثل الخطأ الكهربائي نسبة ٦٪ والأسباب الأخرى تتعلق بالاجهزة بينما تبلغ نسبة الحرائق المتعمدة حوالي ٤ الى ٥٪. وليس من الضرورة ان يكون تسرب الاوكسجين هو السبب الرئيسي فقد يحصل هذا بعد نشوب الحريق بسبب تحطم انابيب الاوكسجين او انفجار اسطواناته مما يزيد الخراب الذي يحصل. وقد حصل دمار كبير جراء حريق مستشفى ابن الخطيب ومستشفى الحسين بسبب الاوكسجين ولكن ليس من الضروري ان يكون تسرب الاوكسجين قد حصل قبل اندلاع الحريق.

كان المفروض بعد حادثة مستشفى ابن الخطيب في بغداد قبل شهرين ان يتم دراسة الاسباب ووضع آلية للسلامة وتجنب تكرارها في المستشفيات الاخرى. ويتطلب ذلك التعاون مع الدفاع المدني ومختصي اطفاء الحرائق وادارات المستشفيات ووزارة الصحة. ويشمل ذلك اعتماد فريق متخصص في كل دائرة صحة وكل مستشفى يعنى بهذا الشأن ويقوم بدراسة مقومات السلامة باجتماعات دورية متكررة ترفع توصياتها الى جهاتها العليا. كما ويقوم بوضع الخطط للتوعية والتدريب وسد الثغرات في حال وجودها وعليه تقع مسؤلية هذا الامر.

في حالة اندلاع حريق هناك امرين اساسين يجب القيام بهما وهما الاخلاء المنظم ومنع امتداد الحريق. وفي الحالتين يجب ان يكون هناك خطط حسب المتبع عالميا يتم التدرب عليهما بشكل مستمر قبل وقوع الكارثة. والاخلاء يتبع أسلوب معين لاخلاء المرضى حسب نوع إصاباتهم ومقدرتهم وكذلك اخلاء المنتسبين.

هناك أمور أساسية لتجنب وقوع الحرائق في المستشفيات إضافة للتدريب وهي:

أولا: تحديد مصادر ومواقع الخطر

ثانيا: رفع مستويات التوعية بتلك المخاطر

ثالثا: تبني مناهج لتحديد وتغيير المخاطر بواسطة بروتوكولات مكتوبة ومعتمدة ومعلومة للجميع

رابعا: استخدام بوسترات وعلامات كيفية التعامل مع الاوكسجين والمخاطر في مناطق تواجده

خامسا: وضع قناني الاوكسجين بعيدا عن باقي الأجهزة او خارج البناية لو امكن وبعيدا عن أماكن الطبخ

سادسا: تقليل استخدام المعقمات الهايدروكوربونية في أماكن الاوكسجين

سابعا: تهوية أماكن تواجد الاوكسجين بشكل جيد وتجنب وضعها في أماكن مغلقة وسهلة الاشتعال

ثامنا: استخدام أجهزة الكشف والتحذير عن ارتفاع الاوكسجين في الجو

تاسعا: التأكد المستمر والفحص الدائم بان الأجهزة الكهربائية لايوجد بها تماس وتعمل بشكل صحيح

عاشرا: اتخاذ الدروس والعبر من الحوادث السابقة وحوادث البلدان الأخرى

حادي عشر: التدريب المستمر

ثاني عشر: التخاطب والتنسيق مع الجهات المعنية كافة كالحريق والدفاع المدني والشرطة المحلية

الامر الأخطر والذي يدل على ان الفساد الإداري وانعدام المهنية واستفحال المحاصصة الطائفية والاستهتار بارواح الناس هو ان حريقي ابن الخطيب والناصرية هما ليسا الحادثين الوحيدين بل سبق ذلك حريق قتل ما لايقل عن ٢٢ طفل حدثي الولادة واصابة ٤٧ أمرأة في مستشفى اليرموك في بغداد عام ٢٠١٦. وبالرغم من ان ذلك الحريق كان حسب بعض التسريبات مفتعلا حيث تم العثور على مادة البنزين في ردهات المستشفى المحترقة فلم يؤدي ذلك الا لإقالة مدير المستشفى وبينما تعهدت عديلة حمود وزيرة الصحة حينها بالاستقالة فان ذلك لم يحصل. وكانت لجنة الصحة البرلمانية قد توصلت الى ان السبب يعود الى قلة ورداءة الأجهزة الطبية وضعف وسائل السلامة بينما لم يتم الكشف عن الجناة ولا اخذ الاحتياطات لتجنب وقوع كوارث مشابهة كما حدث في الأيام الماضية. ورغم ان بعض المصادر الغربية اكدت وجود مادة البنزين اكتفت السلطات حينها بوجود تماس كهربائي وانفجار الاوكسجين. اما الحرائق الأخرى فأصبحت امرا شائعا في بغداد وغيرها من المدن العراقية وكان الكثير منها يشير الى انه مفتعل مثل حرائق صناديق الاقتراع والمحاصيل الزراعية ومقرات الوزارات والأسواق التجارية مثل الشورجة والمرتبطة بالواقع الاقتصادي للبلد وغيرها.

ان الحرائق وما ينتج عنها في العراق ما هي الا واحدة من سلبيات الواقع الذي افرزته سياسة المحاصصة والأحزاب الفاشلة وغياب الحساب الرادع وضعف وفساد الحكومات المتتابعة منذ ٢٠٠٣ واستفحال الفاسد الإداري والمهني في كافة قطاعات الدولة دون استثناء.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close