مفهوم السعادة ماذا يعني ؟

مفهوم السعادة ماذا يعني ؟ (*) د. رضا العطار

السعداء الذاهلون كثيرون جدا. وهم يستغرقون في المسرات وينشدون الثراء ويبلغونه ويحققونه وقد يعيشون في القصور الفخمة ويأكلون اطيب الطعام ويتنقلون في الفصول من المصيف الى المشتى ويجدون حاشية من الخدم كما ان شهواتهم تجد الاشباع الدائم وراحتهم موفورة ورفاهيتهم ترف وبذخ.

ولكن قليلا من الحديث مع احدهم يوضح لنا ان سعادتهم انما هي ذهول وخمود وتبلد وانهم لو كانت الاقدار قد رأفت بحالهم وصدمتهم بنكبة، لتيقظوا من سباتهم وفتحوا اعينهم على واقعهم — وحالهم تذكرنا بالحكمة القائلة بان اعظم ما ينكب به انسان هو ان لا ينكب. ذلك ان هؤلاء السعداء يجدون في الكائنات الدنيا ما هو اسعد منهم، فان الديدان والحشرات مثلا اسعد لانها اكثر ذهولا منهم وهي ايضا ابعد عن الكوارث اذ اقل ما يقال فيها انها لا تعرف الكوارث الا وقت وقوعها فلا تكاد تحسها لان الموت يدركها.

ومثل هذه السعادة يجب الاّ ننشدها، لأن السعادة العليا التي هي صفة الانسان العالي هي العقل وكلما زاد العقل زادت السعادة و كذلك الهموم والاهتمامات ايضا. والناس في اغلب احوالهم يعيشون بالتصور الحسي لانه هو التصور البدائي بل الحيواني الذي لا يحتاج الى مجهود. ولكن الرجل الراقي يدرب نفسه على التصور العقلي.

اننا نتاثر عندما نرى طفلا دهسته سيارة فكسرت احدى ساقيه، ولكننا حين نقرأ ان مليون بنغالي ماتوا جوعا بعد ان اجتازتهم موجة من القحط، لا نكاد نقف عند سطور هذا الخبر كي نتصور هول هذه الكارثة. فالحادث الاول سريع الى حواسنا لاننا كنا قربين منه رايناه باعيننا وتاثرنا لذلك فورا ولكن الحادث الثاني احتاج الى مجهود عقلي حتى نتأثر به اي يجب ان نتصوره في مخيلتنا.

وعلى هذا القياس نقول ان السعادة نوعان الاول: سعادة الحواس اي المسرات الحسية المادية اما الثاني فهو السعادة الفكرية لا تبالي بالكوارث بل ان الكوارث تخصبها وتزيدها نضجا وايناعا بحيث اننا عندما نستعرض السنوات التي مرت بنا ونرى من خلالها التقلبات والنكبات التي نزلت بنا كما لو كنا قد عشنا حيوات عديدة بدلا من حياة واحدة. وكثيرا ما اعود بالذكرى الى بعض الصدمات والاحزان فاجد ان كلا منها كان بمثابة الدرجة التي ارتقينا عليها صاعدا في سلم الحياة لانها زادتنا تعمقنا للحياة وتوسعنا في الاختبارات واكسبتنا هموما قد استحالت الى اهتمامات لا نرضى بالنزول عنها الان

ولذلك استطيع ان اقول ان الحياة السعيدة هي الحياة الحيوية التي تزيد فيها درجة الحياة حدة ويقظة وتنبها اي تعقلا. والهموم والازمات والكوارث تجعل حياتنا لذلك حيوية وهي تزيدنا سعادة. اما الامن من الكوارث والمعيشة الحسية والمسرات المادية فتجعلنا نعيش فيما يقارب الذهول فلا نتنبه ولا نتيقظ ولا نتعقل فنكون في مثل هذه الحالة اقرب الى غريزة البهائم، اي ان نكون سعداء بالنوم منها باليقظة. وبالموت منها بالنوم.

ولذة الدنيا هي في النهاية: اختباراتها ومشاكلها ومآزقها وازماتها. ثم تحدي كل هذه الاشياء بالتعقل وذلك الذي يبغي السعادة في معناها الانساني العالي يجب ان يزيد حياته حيوية اى ان ينفض هذه الحياة بالاقتصار على المعيشة الحسية، السعادة التي ننشدها، هي سعادة الفهم والتعقل.

وما السعادة في الدنيا سوى شبح * * * يرجى، فإن صار جسما، ملّه البشرُ

مقتبس من كتاب )فن الحب والحياة( للعلامة سلامه موسى.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close