العقلانية المعاصرة !

العقلانية المعاصرة !

تكلمنا في الحلقتين السابقتين عن العقلانية بشكل عام وعن العقلانية في الفلسفة القديمة لدى كل من أفلاطون وأرسطو . وفي هذه الحلقةسنتحدث عنها لدى كل من ديكارت ، وسبينوزا ولايبنتز ، فهؤلاء يعدون الممثلين إلى العقلانية المعاصرة ، كلاً حسب طريقته ، فهم يمثلونأشكال مختلفة من العقلانية التي بدأت مع أفلاطون ومستمرة ليومنا هذا .

بدأت العقلانية المعاصرة مع ديكارت ، الذي معروف عنه أنه أبو الفلسفة الحديثة ، بعد أن رفض الاخذ بالفلسفة القديمة ، حينما بدأت لهقائمت على مسلمات غير يقينية ومؤكدة . فخترع ديكارت طريقة جديدة لبلوغ الحقيقة . فهوه ، في كتاب مشهور له ، تأملات في فيالفلسفة الأولى ، يبدأ في توضيح هذا الطريقة ، فيقول

” منذ سنوات خلت أصبت بالدهشة بأني أومن بعدد كبير من الأكاذيب والتي قبلتها كحقائق منذ الطفولة ، وبالطبيعة العاليه المشكوك بها لكل هذا الصرح والذي للاحقاً أقمته عليهم ، أدركت أن من الضروري ، مرة واحدة في مجرى حياتي ، أن أدمر كل شيء تماماً ، وأن أبدامرة أخرى من الأساس إذا أردت أقيم أي شيء على الاطلاق في العلوم بشكل راسخ ودائم .”

هذا المقطع الافتتاحي من كتابه التأملات يعد اشهر ما قيل في تاريخ الفلسفة . فالفيلسوف بحسب فهم ديكارت ، يجب ، أن يبدأ في لحظةتاريخية من البياض ، أو ، من الصفر

. فعليه أن يحرر نفسه بطريقة منهجية من كل ما تراكم في الماضي من أفتراضات ومسلمات ، ويعيد فصح المعتقدات التي ورثها عن والديهومعلميه .

(١) والأداة المثلى لجرف شامل لكل المعتقدات والأفكار الموروثه ؛ هو طريقة الشك المنهجي ، فهو يقول قررت أن أرفض بشكل قاطع كل مايعتريه الشك ، لرأى هل أخلف فكرة لا يشوبها الشك أبداً . والشك الديكارتي ، يتخذ ثلاثة اشكال ، أولاً رفض شهادة الحواس ، فالحواس فيبعض الاحيان تخدعنا ، وترينا عكس ما هو واقع ، ولذلك هي تخدعنا في هذه المواقف ، وعليه من يخدعنا مرة واحدة ، يمكن أن يخدعنا فيموقف أخر ، ولذا من الحكمة عدم الوثوق بها . أما ثاني ما يعتريه الشك ، فهو الذي يخص الأحكام التي نصدرها في أوضاع راهنة ، مثلالقول ، بأني أجلس حالياً على الكرسي وأنظر في الكمبيوتر ، ومثل هذا الحكم يبدو لا يتطرق له الشك ولا يمكن لعاقل أن يشك به لكونهشيء مباشر ، ولكن ديكارت يقول في هذا الحالة ، ربما أنا أحلم وتخيل نفسي أجلس على الكرسي وأنظر في الكمبوتر ، وبذلك أكونمخدوع بما أظنه حقيقة واقعه مباشرة . وهذا الشك في الاحكام يمتد إلى كل بقية الأحكام التي نصدرها عن الأشياء في العالم الخارجي ،وهو حتى لا يستثني ، كما يفعل عادة بعض الفلاسفة الأحكام الرياضية ، التي هي نفسها مؤكدة ويقينية ، سوى في اليقظة أو المنام فهينفسها ، فأثنين زائد ثلاثة تكون خمسة في كلا اليقظة والحلم ، وكذلك اضلاع المربع هي أربعه في اليقظة والمنام . والشك الأخير ، الذييعزوه ديكارت إلى وجود شيطان ، والذي يجعلني مثلاً ، أخطئ في جمع ثلاثة وثنان ، وأخطئ في عد اضلاع المربع . وهذا الشيطان إذاوجد حقاً يجعل المعرفة مستحيلة . فقد أفترض ديكارت الشيطان ليصل بشكه لنهايته القصوى ، لكي يقطع دابر كل شك ، لأن غرض الشكلدى ديكارت ليس من أجل الشك لذاته ، وأنما هو وسيلة للايجاد الطريق الصحيح للمعرفة .

(٢) وما أن يدفع الشك إلى نهايته القصوى ، فأن يقع على حقيقة واحدة لا يعتريها الشك ، هي التي تعد نقطة نطلاق لفلسفته ، نقطه ثابتهومؤكدة ، فمهما بلغ الشك من درجة ، ولكن عند هذا النقطة يقف ، ومهما خدع الشيطان وتلاعب في أفكارنا ، غير أنه عندها لا يقدر أنيتلاعب بنا ، وهي أني أشك ويوجد هناك من يشك ، فأنا ليس لا شيء ، وأنما كيان يشك ، ولابد أن يوجد هناك من يشك ، فهو عند هذهالنقطة لا يقدر يقنعني بعدم الوجود ، وعليه أن أضع هذا في حسباني بأني موجود . وحين يصل ديكارت لهذه اللحظة ، فأنه يجعل منهاالبداية المنهجية لفلسفته ، المعرفة الشخصية لوجوده ، والتي يلخصها في قوله المشهور، أنا أفكر أذن أنا موجود je pense, donc je suis ،أو ما يعرف الأتنية بالكوجيتو . وهكذا يثبت وجوده . وبعد هذا يتقدم لفحص طبيعة وجوده أو الجوهر واي نوع من الوجود له ؟ فأي منالأشياء أنا ؟ بالطبع ، أنا ليس موجد مادي أساساً ، لأنه حسب الطريقة المنهجية لشك الديكارتي أنا أشك بأن يكون لي جسم ،أو حتىوجود أشياء في العالم الخارجي ، فقط من بين كل الأشياء التي أستطيع أن أنسبها لنفسي هي من طبيعة عقلية أو فكرية ، لذك أستنتج أني جوهر كل طبيعته الفكر ، والذي لا يحتاج أن يوجد له مكان أو يعتمد وجود الأشياء المادية . وما أن بين ديكارت عملية المعرفة ، انطلق يستخرج كل في ثنايا الوجود من حقائق ، فهو يعرف الأن أنه بشكل كائن مفكر ، وبما أنه يعرف أن موجود غير كامل ، ، فأنه يعي أيضاًيتضمن على فكرة الكائن الكامل في داخل تفكيره ، ويؤكد ديكارت أن فكرة هذا الكائن الكامل فيه مؤكد وضعت فيه من قبل هذا الكائنالكامل ، الذي هو الله .، والله لا يخدعنا ، مثل الشيطان ما دامنا نفكر بطريقة سليمة ، وفكرة الله هي التي ستؤدي بنا لمعرفة العالم المادي ،ومعرفة أننا من روح – وجسد، والعالم

الخارجي .

(٣) لعل أول شيء يدهش القارئ في طريقة ديكارت في التفلسف ، كما يؤكد مولف ، العقلانية ، ذاتيها المفرطه ، فصاحبها يجلس بجانبموقد النار ويتأمل ، ليخلص نفس من كل افكار الماضي ويفكر في طبيعة وجوده . وهو هنا يبدو بعيد جداً عن نهج أفلاطون ، الذي يومنبوجود مملكة من الافكار المستقلة عن المفكر ، لها وجود موضوعي ، قائم بذاته . ولكن كما يقول المتعمقين في فلسفة ديكارت ، أن التعمق فيالنظر بفلسفة الكوجيتو الديكارتي سوف يكشف ، عن نفس الأتجاه العقلاني الذي لدى أفلاطون ، الذي يدعون فيه الابتعاد عن الحواس ،لتحصيل المعرفة الحقيقية ، لأن احكامنا العادية المعتمد عليهم حوال العالم الخارجي لا يعتمد عليهم ويشوبهم الخطئ .فالأدراك الحسيعرض لخطئ والوهم ، وحتى ملاحظتنا الحسية المدعومه بشواهد ، هي فعلاً توهم وحالمة . هذا عموم ، عادة ما يقال عن المعرفة الحسية ، بيدأن ديكارت يذهب أبعد من ذلك في عرف المعلقين على فلسفته ، فهو وأن بدأ يتبع الشك ومذهب الشك التقليدي ، لكنه ، تجد ، يقول ، بانالحواس حتى لو كانت على حظ كبير من الأمانة في نقل الانطباعات ، تبقى لا يثق بها ، فهي متأصلة في تشويه الحقيقة ، وهذا ما يبدوواضح كما يشير النقاد في المثال الذي يضربه على عدم كفاية المعرفة الحسية ، وثبات المعرفة العقلية ، فقطعة الشمع ، التي تنتزعناها تواًمن خلية النحل ولا تزال تحمل مذاق العسل ورائحة الورد الذي عملت منه ، ولها شكل محدد ، ولون ، وبها صلابة لو طرقت عليه في أصبعيلصدرت صوت ما ، ولكن حين أضع هذه القطعة على نار وسختها أجدها تذوب وتفقد مذاقها ويتغير لونها ويضيع شكلها وتذوب ، وتفقدكل تلك الصفات ، التي تملكها وهي صلبة ، ولم يبقى منها سوى شيء واحد هو الامتداد ، الذي أعرفه عن طريق العقل . فتلك الصفاتليس شيء أساسي من قطعة الشمع ، وأنما صفات متحوله وزائلة ، فقط الامتداد الذي عرف بالعقل هو الصفة الوحيدة للمادة ، والذي لهطول ، وعرض وعمق . والذي يمكن أن يتخذ أشكال متعدد . فالمادة لا تدرك بالحواس ولا بالخيال . لأن لها صفات متعددة ومتغيرة ، والصفةالوحيدة وثابته في المادة أو في الاجسام ، هو الامتداد الذي يعرف بالعقل وحده فقط . وما يكمن خلف هذا النوع من التفكير العقلي الخالص، هو القول ، بما يسمى النور الطبيعي الذي يحوزه العقل بحد ذاته والذي زرع الله في عقولنا لكي نعرف الأشياء بشكل واضح ومتميز ، وتلكالأشياء التي نعرفها بشكل واضح ومتميز لا علاقة لها في الادراكات الحسية وأنما هم مفاهيم عقلية خالصة نحصل عليهم عندما نتأملالقضايا الأولية والراسخين بذاتهم إلى الرياضيات ، فالصفات إلى الشمع الذي ندركهم بوضوح وتميز ، لهم صفات هندسية ، تخصخاصية الامتداد ، الذي له ثلاثة أبعاد .

(٤) أن الامتداد ذو الابعاد الثلاثة يعد له أهمية أساسية بفهم فيزياء ديكارت ، لأنه فهم كل المعرفة كوحدة محكمة . فالفلسفة في نظره ، شجرةتشكل الميتافيزيقيا جذورها ، وجذعها الفيزياء ، وبقية العلوم فروعها .وهذا يعني ، رؤية ديكارت إلى الفلسفة في التأملات هي التي سوفيفصلها عن العالم الفيزيائي . فرؤيتنا الحسية إلى العالم تعتمد لحد كبير بنسب صفات حسية إلى الأشياء ، صفات ، مثل ، الصلابة ،والثقل ، والألوان ، والبرودة ، والحرارة ، والنعومة ، وغيرها من الصفات النوعية ، التي يعتبر العلم لا علاقة بها إلى الاجسام ، والتي يعدهاغير أساسية من الأشياء ، ويوضح ذلك في المثال الذي يطبع عن الحجر ؛ فنحن إذا أبعد عن هذا الحجر أو أي جسم أخر جميع الصفاتالغير أساسية، فلو أقصينا عن الحجر الصلابة ، بذابته في النار الشديدة ، فأنه يفقد صفة الصلابة ، وبقى دونها، ثم أزلنا عنه الون ،فسيغدو بدون لون ، وبعد ذلك ازلنا ثقله وجعلنا مثل النار ، التي كيان بلا ثقل ، ومن ثم محونا منه الحرارة أو البرودة وغيرها من الصفاتالتي يعتبرها ديكارت غير جوهرية ، فأن الحجر لن يختفي عند رفع هذه الصفات عنه ، غير أنه يبقى ، كيان له أمتداد مؤلف من طول وعرضوارتفاع . فديكارت يحصر وجود الجسم بعد تجريده من كل الصفات النوعية ، بالامتداد ، الذي هو الصفة الأساسية في وجود الجسم .،لينتهي في النهاية بأستنتاج ، بأن الامتداد صفة كمية وليس صفه نوعية ، يمكن قياسها ، في حين الصفات النوعية لا يمكن قياسها رياضياًبالاستنتاج العقلي والتي تدرك بوضوع وبشكل متميز .ويقول ، بأنه لا يعد أي شيء مادي ، سوى تلك التي يعتبرها أهل الهندسة كمية ، أيتشغل حيزاً ، وتلك هي الفكرة الواضحة والمتميزة ، فالفيزياء الديكارتية ، هي رياضية ، تهتم بما هو كمي ، وتهمل كل الصفات الحسية ، منأجل البعد الرياضي ، الذي أقامه ديكارت ولم يكتب له النجاح في تأسيس مذهب فيزيائي رياضي ، لكون نظريته في الجاذبية ، والنار ،والمغناطيسية لم تكن موفقة ، ولم تعد لها الأن سوى أهمية تاريخية . حتى جاء نيوتن ليقيم مثل تلك المعادلة الرياضية ، التي أعطت للبشريةالأداة للاول مرة لقياس القوة وتنبأ في مسار مجرى الطبيعة . غير أن ما بقى من حماس ديكارت إلى الرياضيات ، هو تأكيده على التقدم فيالاتجاه العقلاني ، الذي يؤكد على الوضوح والتميز إلى العقل الاستنتاجي الرياضي . وتلك الادراكات الواضحة والمتميزة لا علاقة لها معالادراكات الحسية ، فهم نتيجة التأمل الواضح في الأشياء الواضحين بحد ذاتهم والمتميزين بالقضايا الرياضية . فالصفة الوحيدةالأساسية للشمع والتي تعتمد على الرياضيات هي الامتداد ، بعيداً عن جميع الصفات الأخرى ، من لون ، وصلابة ، وشكل ، وبردودهوحرارة . واصراره على ابعد الاعتماد على الصفات النوعية والاعتماد الكميات تعد اضافة ديكارتي لعلم المعاصر .

(٥) اما ما يستحق طرحه بصدئ بعض المشاكل الأساسية في المعرفة العقلية في رأي نقاد ديكارت ، فهو ، المشروعية إلى مشروع ديكارتفي المعرفة ، لأنه ، يعتمد أولاً ، على تأسيس أسس صحيح لمعرفة ، يبدأ من من الصفر ، ويلقي جانباً كل المعرفة المسبقة ، وعلى الفيلسوفالديكارتي ، أن يكون قادر على بناء نظام معرفة لا يعتريها الشك متكونه من الأفكار الوضحة والافكار المتميز بذاتها . ولكن يتسأل هؤلاءالنقاد كيف يتم ذلك ؟ فطريقة ديكارت ، كما بينا كيف بدأت ، ، من معرفة الذات ، أو الوجود عن طريقة الشك ، إلى معرفة وجود الأله الذيلا يخدع . والذي على وجوده تعتمد كل المعرفة ، وعليه ، إذا أثبت بطلان الأدلة على وجود الأله ، كما يتفق معظم نقاد ديكارت اليوم على ذلك ،فأن من الطبيعي أن ينهار كل مشروع ديكارت في المعرفة . فليس الامر شرعية الشك لبراهين أثبات وجود الله عند ديكارت وأنما ، هناكالكثير من القلق البنيوي للأساس الجدي لكل مشروع ديكار في المعرفة . فلكي تشرع في أثبات وجود ما يحتاج أن نبدأ من مقدماتمؤكدة أو من بديهيات . ولكن كيف نعرف ان تلك البدهيات صحيحة ؟ والاجابة التي يقدمها ديكارت ، هي أننا ندرك تلك البدهيات بوضوحوتميز على أنهم حقائق ، وهنا ، يثير النقاد بوجه ديكارت السؤال ، كيف يمكن لنا أن نثق في أدركاتنا الواضحة والمتميزة ؟ فحين حين يكونليس هناك مشكلة بثقة في بدهياتنا . ولكن نبقى حتى نعرف أن الله موجود ، فليس هناك ضمان للمعرفة حتى في أبسط الأشياء . وهذهتبدو مثل الحلقة المفرغة في نظر نقاد ديكارت في قضيةالمعرفة والتي بنظرهم تهدد المشروع منذ البداية ، لأننا لا نستطيع أن نثق فيأدراكاتنا الواضح والمتميز حتى نعرف أن الله موجود ، بيد أننا لا نستطيع أن نثبت وجود الله بدون الاعتماد على الأدركات الواضح والمتميز ،وهذا من وجهة نظر النقاد دوار واضح .

ويجيب ديكارت على هذه المشكلة والتي عرفت ” بدوران الديكارتي ” بأن هناك بعض القضايا ، والذين هم واضحين ومتميزين بذاتهم ،وحتى بدون الضمان الالهي لتوجيه العقل البشري بسداد ، فهم بسيطين ويمكن الأخذ بهم مباشرة ، مثل أثنين زائد أثنين يساوي أربعة ، أوأنا أفكر أنا موجود ، فيمكن التسليم دون الوقوع في الخطئ . بين أن الفلاسفة منقسمين حولهم ، وعدوهم مجرد أشياء بدهية ، والقضيةالأخرى ، أن لا يمكن الذهب أبعد من ذلك ، وأتخاذهم أداة لثبات وجود الله أو الكون كما فعل ديكارت ، من مجرد أن أنا موجود ، وأثباتوجود الله ومن ثم الكون ، فبعد هذا الحقائق الواضح ، كما يمكن يقول نقاد ديكارت لا يمكن الذهاب أبعد ويتلاشى اليقين . ولذا يبدو المشروعالعقلي في التسأل الفلسفي لديكارت الذي أراده أن يقيمه ، يواجه مأزق خطير سوى كان ذلك في بدايته أو في ما أنتهى أليه من افكارهزيلة كما يقول نقاد ، من أن أثنين زائد أثنين يساوي أربعه ، أو أنا افكر أنا موجد ، التي تعد أشياء بسيط واضحه ، ولكن لا يمكن جعلهاأساس لقضايا معقد مثل وجود الله أو معرفة طبيعة الكون . أما المشكلة الأخرى التي واجها النقاد لدى ديكارت ، هي نبذ للحواس كأدواتمعتمد عليها في المعرفة حول العالم ، وهؤلاء النقاد يسلمون مع ديكارت بأن الحواس تنقل لنا في كثير من الموقف معلومات خاطئ ، ولكن هذاليس مبرر لنبذها، فصحيح أن الشمع ، ليس له صفات ثابته ، فهو يذوب ويتغير لونه ، ويصبح عديم ، الصلابة ، ولكن كل هذه تحدث تحتظل ظروف وشروط محددة ، فالشمع مثلاً يبقى له صفات ثابته ، مثل الصلابة ، ما لم يسخن ويذوب في ظل ظروف محددة . فعدم أخذ تلكفي الحسبان هو الذي يجعل البعض يقول بعدم وجود صفات ثابته للأشياء ، وأن كل أعراض الأشياء المادية عرضية ، كما كان يفعل أفلاطونبنظر إلى أشياء العالم الحسي ، وبحث عن الصفات الثابته ، فيما وراء العالم المحوس ، في عالم المثل .أما فيما يخص مشكلة الرياضياتفي فلسفة ديكارت ، فهو راد أن يجعل من الطريقة الهندسية في الاستنتاج الطريق لبلوغ الحقيقة فعن طريقة سلسة من الاستنتاج المترابطةالتي يقوم بها العقلاني يمكن الالستنغناء عن الملاحظ والتجربة ، ولذلك عد البعض فلسفته بفلسفة الكرسي ، أي وأنت جالس على الكرسي في غرفتك تستطع معرفة العالم ، بالاقيام باستنتاج البدهيات المترابطة على طريقة أقليدس . وهكذا اصبحت طريقة ديكارت إلى العقلانيينالذين جاءوا بعده بمثابة برنامج عمل لهم .

(٦) واذا أنتقلنا إلى سبينوزا ، والذي هو عقلاني أخر ، فسوف نرى ، أنه يتطرف في أستخدام الطريقة الأستنتاجية ، الهندسية فيالوصول للحقيقة . ونحن قد رأينا ، كيف لعبت الطريقة الأستناج دور حاسم لدى ديكارت ، بيد أن من الملفت هنا ، في حالة ديكارت ، لم تكنهي الطريقة الأساسية ، فهي فقط لتوضيح نظامه الفلسفي، رغم أنه يعتقد أن ميتافيزيقيا تؤكد تلك الطريقة ، وأنه استخدمها فقد لكييتوصل إلى الأكتشافات . فقد تجنب في عرضه الأسلوب الشكلي في أستخدام البديهات ، والفروض ، وفضل الطريقة التقلدية في طرحوجهة نظره . ففي التأملات لم تتخذ الاستنتاجات من مجموعة من البديهيات والفروض ، وأنما وصف الطريق الذي يلجاء أليه فيلسوف هرباًمن الشكوك ويصل بطريقة تدريجية لحقيقة . ولم يعمد لطريقة الهندسية في وضع مجموعة من الفروض والبديهات لكي يستنتج منها النتائج. وأستخدمها على مضض فقط لكي ليبين للأحد الاصدقاء هذه الطريقة ولم يرجع أليه فيما بعد . ولكن حينما نصل إلى سبينوزا نجدهيستخدم طريقة الاستنتاج في أمتياز ، في كتابه الشهير الاخلاق . فقد بدأ سبينوزا نظامه الفلسفي بطريقة صارمة من مجموعه منالبديهيات والفروض ليقوم في أستنتاجات ، على الطريقة الأقليدية الهندسية بخطوة بعد خطوة لوصول إلى الحقيقة .

(٧) وعلينا قبل كل شيء أن نبين فلسفة سبينوزا ، ونرى ما المعالم العقلانية فيها . لعل أشهر ما يعرف به سبينوزا هو قوله بالجوهر الواحد ، وهذا الجوهر قد تناول للأول مره من قبل ارسطو بأن هناك جواهر ولها صفات أو محمولات ، وهذا الجواهر قائمة بذاتها ، أما محمولاتها أوصفاتها فتحتاج جواهر أو كيانات تقوم عليها أو تصفها ، فالبياض ، الصلابة ، والبريق ، والنعومة والخشونه وغيرها من الصفات لا توجدبذاتها ، في حين نرى ، الأنسان والحصان ، والشجرة ، والحجرة توجد بذاتها ، وتعد جواهر . وتبع الأخرين رأي ارسطو وخصوصاً فيالقرون الوسطى وقالوا بأن العالم مكون من جواهر مختلفة . أما ديكارت فقد قال بوجود جوهرين الفكر والمادة ، الجوهر المفكر ، الذي هوالعقل ، والمادة أو الجوهر ذو الامتداد . أما اسبينوزا فقد اختصر هذين الجوهرين لجوهر واحد ضروري ، وعبر عنه بأن جوهر قائم بذاتهويدرك من خلال نفسه فقط ، أو بعبارة أخرى ، المفهوم الذي يتكون باستقلال عن أي مفهوم أخر ، والذي يعني الجوهر الذي يكفي ذاته ،والكيان القائم بذاته ، وسبب وجوده ، لأنه لو كان وجوده بسبب شيء أخرى لما أدرك من خلال ذاته تماماً ولما عد جوهراً اصلاً ، بحسبتعريف الجوهر عند أرسطو . وجوهر سبينوزا جوهر واحد ، قائم بذاته ، غير متغير ، ولا نهائي ، هو سبب لوجوده ا الضروري ويوجد بشكلأبدي .

وعادة ما تدعو ميتافيزيقيا سبينوزا باالاحادية فهي تقدم لنا نظم مغلق موحد والذي في كل الكون بكل تنوعه وتعقيده يعبر عن ظاهرة ، عنحقيقة واحدة مفرده . وهذه الظاهرة الواحدة لها عدد لا محدود من الصفات ، وتلك الصفات كما يقول سبينوزا يمكن أن تكون كاشياء ممتدهأي أشياء فيزيائية وفي بعض الاوقات تدرك كنوع من الأفكار أو الحالات العقلية ، غير أنه يبقى رغم هذا التنوع الواضح للظواهر تعبير عنحقيقة واحدة مفردة أو جوهر واحد سمه ما شاءت الله أو الطبيعة .

(٧) وثمة نقطة اخرى تسحق الاشار لها هنا ، لكي نوضح طريقة سبينوزا في النظر إلى الحقيقة أو مفهوم الحقيقة لدى العقلانيين ، ينظرالتجريبيون لحقيقة على أنها تطابق الفكر مع الواقع ، أي حسب التعبير الفلسفي الاسلامي تطابق ما في الاذهان مع ما في الاعيان . فالعالم مولف من أشياء متعددة ، وتعمل بطريقة ما ، والقضية ، أو البيان عن الاشياء أو طريقتها في العمل أو التحرك يكون صحيح بنظر التجريبيين فقط إذا أشار لهذه الأشياء أو طريقتها في العمل ، كما هي في الواقع الفعلي ،. أما ، سبينوزا والعقلانيين عموماً ، لا يتبعون هذاالاسلوب في التفلسف ، وإنما طريقتهم ، أو بعبير أدق ، فافهمهم لحقيقة والكشف عنها يختلف عما لدى التجريبيين الذي أشرنا له تواً ، فهماي العقلانيين ، وعلى رأسهم سبينوزا ، يستخدون مفهوم التماسك لكشف عن الحقيقة ، وهذا المفهم يعني لديهم ، أن القضية أو البيان يكونصادق فقط ، ليس كما لدى التحريين الذين يستخدمون مفهم التطابق ، ما بين الفكرة والواقع ، أو الشيء الذي تشير أليه .، وأنما ،التماسك ما بين كل النظام الفكري الذي يستخدم الفيلسوف ، الترابط بين كل أجزاء وأعضاء نظامه الفكري ، لتشكيل كل متماسك الاجزاء ،بغض النظر فيما إذا هناك ما يطابقه في الواقع الفعلي ، فالترابط العقلي لنظام الفكري ، هو الذي يدل على صحة الجهاز الفكري ، فهويستخدم فقط الاقناع اللغوي والمنطقي . وعليه لا يمكن مقارنته في الواقع لتحقق من صحته . وهذه ما يدعوه سبينوزا في كفاية الفكرة فيكتابه الاخلاق . ، فالفكرة تكون كافية إذا ارتبط مع مبقية الافكار في نظامه الفكري ككل . ولهذا يدعو بأن هذه الفكرة جوهرية ، وايسخارجي ، بمعنى أن لها وجود خارجي ، وأنما هي تشكل جزء جوهري من النظام الفكري ، لكي يعني أنه لا يلغي أثبات وجود الاشياءالخارجي بافكاره ، أو تطابق مع وجود الاشياء الخارجي ، وأنما تماسك أفكار في كل موحد .ومع هذا المفهم لتماسك يأتي مفهوم أخرى وهوالكليه أو الكل الذي هو اساس شرح مفهوم التماسك ، فكل أجزاء الكون في نظر سبينوزا متماسكه مع الكل وتعمل بتأثير بعضها في بعض ، فهناك توافق وتكيف بعضهم لبعض ، وتكون في العلاقة الترابط لبنية الكون ككل .

(٨) أما النقطة الأخرى ، والتي تشكل في نظر النقاد أمتحان حقيقي إلى الكلية والترابط المحكم بين أجزاء الكون ، هي العلاقة بين الجسدوالروح ، أو المادة والجسد ، فعلى حلها تتوقف فعالية القول بالكلية ، بعد أن عجز ديكارت عن حلها وقال في ثنائية قاطع بين المادة والجسد . وهذه المشكلة تعبر قديمة جداً ، ولم يحلها لا فلاطون ولا ديكارت فكلاهما قال بتميز الروح عن المادة . افلاطون أعتبر الروح خالدة ومنفصلعن الجسد ولا تتأثر بتحلل الجسد وموته ، وقد وافقه ديكارت على هذا وحتفظ برأيه ولكن بعد أن طوره ونقاه ، وجعل الانفصال بينهمراديكاليًا وجعل الاختلاف بينهم متميز . فالروح ، هي جوهر مفكر والتي لا تقبل القسمة وغير ممتده ، ولا تشغل فراغ ، ولا تعتمد على مادة . بينما المادة ، هي على العكس ، فقد عرفت بشكل مضاد للروح ، فهي بشكل أساسي جوهر ممتد ويقبل القسمة ، ويشغل فراغ ، فهما هناليس مختلفين فقط بل جوهرين متعارضين ، وقد تصارع ديكارت مع هذه المشكلة ، لأنه راى ، رغم كل هذا التعارض بينهما هناك تفاعل ، وهذانراه ، في كل من تأثر الروح بالجسد وتأثر التجسد بالروح ، فمثلاً ، في حالة تأذي الجسد نشعر بالالم ، وفي حالة ، التعبير العقلي ،عندما ، مثلاً ، اقرر أن ارفع يدي ، تغير جسدي يحدث ، حينما تراني أرفع يدي . وما تقدم به سبينوزا من حل ، يعد من هذه الناحية شيءرائع فهو قد أزال الثنائية ، بضربة واحدة، فقد قال بأن النظام الذي يسود الافكار هو نفسه الذي بين الأشياء ، أو في بساطة أن العقلوالمادة نفس الشيء . . فأسبينوزا يؤكد بأننا نستطع أن ندرك الجوهر الواحد ، الله أو الطبيعة بطريقتين مختلفين ، فنحن نرى هذا الجوهرتحت صفة الفكر (كعقل) أو ندركه تحت صفة الامتداد ( كمادة ) ، فهما في الحالتين نفس الشيء ، ويعبران عن الجوهر الواحد ويتبعاننفس السلسة من الاسباب .فسبينوزا يؤكد بأن صفات الله لا نهائية هي مثل صفات الامتداد لا نهائية كلاهما يغطين العالم الفيزيائي ،وكذلك عالم الفكر .

(٩) أما النقطة التي من ضروري ذكرها ، فهي الحتمية في تفكير سبينوزا ، لأن غالباً ما يتهم سبينوزا بأنه من أصحاب الحتمية ، والتيترتبط مع بقية النقاط الاخرى التي أشرنا اليها في هذا السياق .واضحة في كتابه الاخلاق . والحتمية ، بحسب هذا التفكير ، تعني ، بأن إذاما كان هناك سبب ، فأن نتيجته تكون حتمية ، أي أنها ملازمة لسبب بشكل ضروري . وهذا الفكرة المنتشرة في التفكير العقلاني هي ماأثار عليهم هيوم في نقد إلى الحتميه ، ورفض التلازم بين السبب ونتيجة ، وأنه هذا الترابيتية ، هو مجرد عادة ربينا عليها . المهم ، أن الحتميةفي تفكير سبينوزا شيء حقيقي وايس مجرد تعود وتربيه . فهو يرفض وجود أي شيء عارضة في الكون ، وأنه كل الأشياء مترابط وتؤثرالأحداث بعضها في البعض ولا وجود للحادث العرضي والعشوائي . فكل الأشياء مشروطه وتعمل وفقاً لطريقة محددة . وهذه ، يمكن أنتسمى نظام الطبيعة ، أو الله ، فسبينوزا ، لديه الطبيعة والله شيء واحد ، أو أن هناك جوهر يمكن أن يسمى الطبيعة أو الله . وهذه الجوهر ،هو سبب وجود الظواهر ويحتمها ، وصفاته تنبع من هذا الجوهر ، وهي ليس موجوده بسبب ما وانما تعمل وفقاً له ، وليس هناك ما هوعارض فيه . فكون الأشياء محكوم بضرورة قاهرة ، فأن هذا بنظر من ينتقدون سبينوزا ، يعني أنعدام الحرية ، فالحرية ، هي ، في نهايةالتحليل تعني ، فعل الأشياء بطريقة إخرى غير تلك المقررة والمحتومة ، أي افعل حسب ماراه مناسب ، وليس ، كما يرى سبينوزا وفقاً لضرورة، فهو يعد الحرية مجرد وهم ، وجهل بقوانين الطبيعة والجسد كذلك . ولذلك طالب في اخضاع العواطف لما يراه العقل . وفي الاحرى ، فكلالاحداث ، سوى وصفت عقليه أو طبيعيته هي تعبير عن عن حتمية شاملة لجوهر واحد .

والأن سوف نظر في فلسفة عقلاني أخر لا يقل شهر عن ديكارت ، وسلينوزا ، هو لايبنتز ، عبقريه فلسفية وعلميه ، نازع نيوتن على الكثيرمن أكتشافنه ، بسبقيته فيهم . وهو صاحب قول مشهور ، يردده ، على سبيل السخريه من قبل البعض ، كما فعل فولتير ، مثلاً، أو ، كماتعجب شوبنهاور ، بأن عالمنا هو أفضل العوالم الممكن تخيلها ، والتي لا يقدر الله ، وفقاً لحسابات رياضية ، كما يقول لايبنتز أن يبدعأفضل منه . فالله حينما خلق العالم ، لم يقل له كن فكان ، وإنما ، وفق تأمل عميق وبرنامج مدروس لتعمل كل أجزاء بانسجام وبشكلهرموني .

(١) ولابنتز ، أيضاً ، مثل ديكارت ، وسبينوزا أراد بناء فلسفة شاملة تحيط بكل شيء وتفسر الكون . ومثلهما ، كانت فكرة الجوهر تحتلالقلب من فلسفته .ولكن فيما ديكارت قال بوجود جوهرين ، وسبينوزا بجوهر واحد ، فأن لايبنتز ، فال بعدة جواهر ، مثلما كان أرسطو يؤمن . وفلسفة لايبنتز من هذا الناحية تبدو وكأنها تتحدث عن الأشياء الاعتيادية ، عن هذا الموضوع وصفاته ، وتحاول أن تحلل طبيعته ، فهي تقدمبيانات عن أشياء العالم وما لهم من خاصيات وصفات ، لكون الافعال والعواطف هم من خاصيات الجوهر المفرد الواحد ، ولذا من الضروريشرح ما هذا الجوهر . فبحث لايبنتز يتعلق ، كما يؤكد البعض ، مثلما يرى برتنراد رسل مع البنية المنطقية لبيانات ولقضايا العادية .

(٢) ومن الممكن لنا تعداد النقاط المهمة في فلسفة لايبنتز ، وأولهم هي تقسيمة إلى القضايا أو الأراء ، إلى حقائق عقلية ، وحقائق واقعية ،وهو يعرف كلا من هذين ، كما يلي ، فالحائق العقلية هم تلك الحقائق الضرورية ، ومعارضتهم مستحيلة وحقائق الواقع هم عارضين ومنالممكن معارضتهم .”

وهذا التميز الحاسم ما بين حقائق العقل الحقيقية وبين ما صادف أن يكون حقيقي لعب دور حاسم في الفلسفة ، وخصوصاً لدى كانطالذي أقام هو تميز مماثل ، بين ما هو تحليلي وتركيبي ، وبين ما قبلي وبعدي .

والحقائق العقلية ، لدى لايبنتز مستمدة ، من مبدأ عدم التناقض ، فأي قضية أو رأي يكون صحيح ، إذا كان معارضه أو مناقضه غيرصحيحة ، وتبعث على التناقض ، ويضرب على ذلك مثال ، هو المثلث أو المثلثات ، فأذا قلت مثلث ورفضت أن يكون ذو ثلاثة اضلاع فأنكتناقض نفسك ، وعليه ، فكل المثلثات هي لها ثلاثة جوانب ، وهذه حقائق عقلية . وتلك نتوصل لها بتحليل القضية ، أي أنها متضمنه فيمفاهيمها ، مثل المثل الذي كان يقول به كانت ، بأن الاعزب يتضمن في مفهومه أنه غير متزوج ، والتي عادة ما كانت تسمى مثل تلك المفاهيمالتي لا تضيف شيء جديد بالمفاهيم الفارغ والخاوية بعكس المفاهيم التركيبية التي تضيف شيء جديد لمعرفة ، مثل المعادن تمدد في الحرارة، والتي لا نجد التمدد متضمن في المعدن ، وأنما نعرف ذلك بالتجربة، أن المعادن تتمدد في الحرارة . وأيضاً ، بخلاف ، سبينوزا ، يفسحلايبنتز ، المجال للقضية العارضة ، ولطارئه ، في نظامه الفكري ، على العكس من حتمية سبينوزا الصارمة ، بيد أن الشيء الغريب والمعقدفي هذه الحقيقة العرضية ، من وجهة نظر نقاد لايبنتز ، هو قوله ، بأن محمول هذا العارض متضمن في موضوعه ، فكل رأي مثبت ، سوىكان ضروري أم عارض ، شامل أم خاص يحتوى على حامله فيه ، ونقاد ، يقرون له هذا الرأي في الاشياء الضرورية ، مثل المثلث يجب أن لهثلاثة اضلاع ، ولكن في القضايا الخاصة ، والحقائق العارضة يرفضون هذا الرأي ، مثل ، ترامب يحتوي على محموله فيه ، اي أنه يفوز فيالرئاسة الامريكية . لكون أسمه ترامب . ولأنه مقدر له منذ أن وجد أن يكون رئيس .

(٣) يواصل لايبنتز التوسع في مفهوم العارض ، بأن كل جوهر يحتوي على محوله فيه ، التي رأينا أنها أثارت بعض الصعوبات ، بحسبنقاده ، فبعد ذلك ، نراه ، بأن كل جوهر أو ذات تحوي محولاتها في داخلها منذ البداية ، ويضرب على ذلك مثال جديد ، بالاسكندر المقدوني، فنحن لو عاين الأسكندر لوجدنا كان يحمل في ذاته كل أنتصاراته أو محمولاتها فيه ، ومنها أنتصاره على الفرس ، في جوهر ، منذ ولادته . وعليه ، فان كل جوهر ، يحمل في داخله كل محمولات بداخله . أي أنه كما يقال في الاسلام مقدر عليه أن يفعل ما فعله. وعندما نصل إلىمفهومه المشهور الموناد ، نراه يقول نفس الشيء ، عن أن كل جوهر يحمل محموله فيه . فالموناد ، يقول عنها ، ” بأنها محملت بماضيها وحبلىفي مستقبلها ” .فهي تحمل مرة وإلى الابد كل شيء حدث لها وما سيحدث لها .ولهذا فأن نظرية الموناد المحملة بكل حواملها أو مكانيتها قدتبدو من وجهة نظر معاصرة غريبة بعض الشيء عن العلم المعاصر . بيد أنها في الحقيقة لها صلة كبيرة ، كما يقول مؤلف العقلانية ،فمعروف عن التجريبية أن العلم يقوم على العقلاقة الملاحظة بين الظواهر ، وقد أكد هيوم على العقلاقة المتنوعة بين الظواهر . بيد أن العقلانيين، ومن بينهم لايبنتز ، من وجهة نظرهم ،على العكس ، شددوا بأن العقلاقات بين الظواهر الملاحظة قلما تقدم تفسير مقنع على ما يقع بينالظواهر ، فمن وجهة نظرهم قد يقدم وصف لما يلاحظ ، بيد أنهم لا يقدموا أبداً تفسير لماذا الأشياء من حولنا تصرف بهذه الطريقة ، ولذلك، لبلوغ تفسير أكثر أقناع ، فأن العقلانيين يؤكدون أن يجب النظر خلف علاقة الظواهر الملاحظة ، لفحص البنية الداخلية بحوامل أو صفاتالمادة ، الخاصيات التي تخبرنا ليس فقط أن المادة تصرف بهذه أو تلك الطريقة وإنما لماذا يجب أن تتصرف بتلك الطريقة . وهذه النظرية ،تؤكد على التفسير العلمي معرفة الخاصيات الداخلية أو البنية الداخلية الاساسية تتدين بوجودها إلى لايبنتز . واصرار لايبنتز بأن المونادكاملة وتحتوي على كل محمولاتها أو مكاتباتها في داخلها ، فأن لايبنتز يذهب إلى القول بأن الموناد يجب أن يكون لها اكتفاء ذاتي ، أيأنها لا تتغير ، بمعنى لا تحتاج أن تعمل على العالم الخارجي لكي تتغير ، فالموناد بنظر ، كما يقول حسب تشبيه ، عالم بلا نوافذ ،فالمونادات مستقلين تماماً احداهما عن الاخر ولا يحتاجون لبعضهم .

وهذه النظرية في الموناد المكتفية بذاتها والجوهر الكامل اثارت في نظر نقاده صعوبتين في بعض الافكار التي طرحها سابقاً، مثل وجودالأشياء العارضة ، والتي خالف فيها حتمية سبينوزا ، وكذلك ، تتعارض بشكل صريح مع ما نراه من تفاعل وتأثير السببي بين الاشياء ،فالأشياء تؤثر بشكل واضح ببعضها وتأثر بهم . والحل لهذين الصعوبتين يأخذنا مباشر ، كما يقول جون ، مؤلف العقلانية ، إلى لاهوتلايبنتز ، والتي يعتمد عليها في حلهما ، حينما يعتمد لايبنتز ، على وجود الموناد العليا ، السوبر موناد أي الله في حلهما !

(٤) ولايبنتز يأتي لحل التفاعل السببي بين المونادات عن طريق الأنسجام أو التناغم الهرموني المسبق الذي أقامه الله بين المونادات . فحينماخلق الله العالم جعل كل موناد تعمل بشكل مستقل مع البقية لتشكل العالم الكامل ككل . فبرغم من المونادات بلا نوافذ ، وغير متصلين فيبعضهم ، لكنهم ، مع ذلك ، كل واحد منهم هي مرآة للعالم . وهذا الترابط المسبق بين كل موناد مفرده يجعل كل واحد تكيف ألى الأخرى وتؤثرفيها ، ويجعل كل جوهر أو موناد مرآة إلى الكون . وكذلك يحل لايبنتز مشكلة ثنائية الجسد والروح بطريقة مرضية ، فهو رفض التميز المطلقبينها الذي أقام ديكارت ، فكل موناد تملك كما يقول جرثومة من الوعي مما يجعلها ترى نفسها مرآة لكون ، فهي تعمل مثل ماكنة مستقلة ،والذي الله صاحب المعرفة الكلية برمجها مسبقاً لتعمل بانسجام كروح مستقلة مع النظام الانسجام الهرموني الذي اعده اله لهم . وهذا الحللمشكلة الروح بدأ مقنع ألى اصحاب مشكلة الروح والجسد في الفلسفة الحديثة , بحل متقدم كثيراً على حل تلميذ الفيلسوف ديكارتمالبرانش ، الذي ، قال بما سماه المناسبة ، الذي يعني أن الله يتدخل في كل حركات الإنسان في الوقت المناسب .

(٥) وحقيقة أن المشكلة العويصة إلى لايبنتز هي مشكلة الحقيقة العارضة ، والتي تمثل حرية الارادة ، فالحقيقة الضرورية كان قد بينها عنطريق عدم التناقض ، وهو الأن يريد أن يوضح الحقيقة العارضة عن طريق السبب الكافي، والذي ، يعني ، أن لا حقيقة يمكن أن تكون حقيقةأو موجوده بدون سبب كافي ، توجد هكذا أو على ما هي عليه وليس بطريقة أو مختلفه ، رغم ان هذا الأسباب قد تبقى في حالات كثيرةمجهولة

لدينا . وهذا قاد بعض المفسرين لكي يفترضوا بأن السبب الكافي لدى لايبنتز هو مجرد فرض منهجي ، فنحن يجب أن نعترف بأن هناك فيمكان ما تفسير لكل شيء ولكل ما يحدث . وهذا التفسير يراه البعض يتلأم تماماً مع تأكيد لايبنتز على مبدأ الاستمرارية بالكون ، في الكونلا يوجد نقطاع أو توقف ، فحسب لايبنتز أن الطبيعة لا تعرف الطفرات . بيد أن مبدأ السبب الكافي يذهب أبعد من ذلك ، فكل شيء يحدثفي الكون أو الطبيعة ينتج حسب لايبنتز عن فعل الله الخلاق أو الموناد العليا . وعليه ، فأن الحقيقة العارضة يجب النظر أليها على ضوء فعلالله الاصلي في عملية الاختيار لخلق كوننا . بما أن في أفكار الله هناك ما لا نهايته له من الاكوان المكنة خلقها ، ولكن ، واحد فقط ممكنخلقه . وهذا الاختيار يجب أن يكون له سبب كافي ، عند الله ، والذي جعله يختار دون سواه ، وهذه السبب فقط يكمن في معقوليته وملائمته ،أي درجة الكمال الذي فيه .

فالله قد أختار عالمنا من بين جميع العوالم الممكنة لأنه الاكمل . وعليه ، فأن السبب لحدوث أي حادث في العالم ، يكمن، أصلاً بشكل مبدأي ، في اختيار الله لعالمنا هذا ، فهو جعل كل شخص أو حادث مسبقاً يتصرف بتلك الطريقة وليس بطريقة أخرى . لكون ، هذا الشخص أوالحادث ، يتصرف هكذا ، يرجع ، لمكانه كعضو في كل يشارك في وجود كون كامل ، أو كما يعبر عنها لايبنتز ، ” الله يشرع ألى الكل الذيياخذ في حسبانه وضع كل جزء أو موناد .”

وبالطبع ، لا يستطيع الإنسان وحتى العالم يقدر أن يعرف أو يكتشف السبب الكافي إلى الحقيقة العرضية ، فهذه ، تقع ، خلفه سلسلةمعقدة من الحوادث يصعب معرفتها ، والله وحده القادر على معرفة السبب الكافي خلف الاحداث . فما يريد لايبنتز تؤكيده هو أن خلف أيحادث يحدث هناك سبب عقلاني واضح لما يحدث بهذه الطريقة لا غيرها ، سوى عرفنا السبب لذلك الذي يحدث أم لا . فكل ما يقع هو جزءمن الخطة الاصلية لكون التي وضعها الله . فكوننا هو أفضل الاكوان الممكنة التي يمكن إلى الله أن يخلقة . وهذه الكون الكامل بنظر لايبنتز ،قد سخر منه فولتير ، كما اشرنا ، لانه، فولتير ، وجد كوننا ملئي بالشرور ، والكوارث الطبيعية ، فكيف ، إلى الله ، الكلي العلم والرحمة أنيخلق مثله ويدعي أنه كون كامل !

(٦) والنقطة الاخيرة التي علينا ذكرها ، بتفصيل أكثر ، لأنه سبق لنا أن اشرنا اليها وهي الحرية أو حرية الارادة لدى الأنسان ، فكما هومعروف أن لايبنتز مسيحي مؤمن ، ولهذا عليه أن يضع حرية الانسان ، والمسؤولية الشخصية في مذهبه ، بيد أن كما أشاروا النقاد ، بأنمذهب لايبنتز يبدو مذهب حتمي مثل سبينوزا ، ولكن لايبنتز ينظر لمذهب من زاوية تخلف عن سبينوزا ، فهو ، حين يفسر ، من وجهة نظرمحايده ، يبدو حتمي بطريقة لا تترك المجال للحرية الإنسان ، ولكن لايبنتز ، يقدم تأويل ، لهذه الحتمية . والمثال الذي عادةً ما يضرب ليبينبأن الإنسان محكوم عليه مسبقاً بأن يفعل ما فعل ، هو مثال يوليس قيصر ، فقد كان مقرر عليه أن يعبر نهر الربيكون لكي ينتزع السلطة فيروما ، ، لانه هذا الصفة كانت من ضمن كل المحمولات التي تكون قيصر كشخصية تاريخية ، فهو بنظر النقاد ما عبر النهر بحريته ، وإنمالكون عبور الربيكون كان جزء مما يكون شخصيته التي هي جزء من النظام الكون الذي أقام الله مسبقاً ، لكي تساهم في كمالا الكونوافضل العوالم الممكنة التي أقامها الله . فكيف من بعد ، يتسأل النقاد يمكن أن يقال بأن قيصر عبر النهر بحريته ؟ وجواب لايبنتز ، أن لاتناقض منطقي ، بل في أمكان يوليس قيصر أن لا يعبر نهر الربيكون ، لأنه حسب لايبنتز ليس هناك ضرورة منطقية لقراره، فلا شيء يمكنأن يمنع العكس ، فعبور قصير النهر كان حقيقة واقعية ولم يكن حقيقة منطقية التي تحتم هذا العبور ، وعليه في نظر لايبنتز لا تعارض ولاتناقض في القول بأن من الممكن أنه لم يعبر الربيكون . غير أن النقاد يرون في جواب لايبنتز مجرد تبرير واه لهروب من الحتمية في مذهب ،لكون حسب لايبنتز كل موناد تحمل في داخلها كل امكانياتها المقرر سلفاً ، حتى تحافظ على دوام العالم الكامل ، وأنه ممكن فقط لقيصر أنلا يعبر النهر في عالم أخر ، غير هذا الذي اختار الله وقرر لكل موناد امكانياتها . فهو الذي يقول بأن كل شيء مقرر مسبقاً في الإنسانكما في الأشياء ” مثل سبينوزا في هذا المجال . بيد أن البعض ، يرى أن قول لايبنتز في الحريه ، يجب أن يفهم ، أنه يقول بالعفوية فيافعال الموناد ، أي أنها لا تعتمد على العالم الخارجي ولا تتأثر به ، لأنه كل موناد تتصرف وفقاً الأمكانياتها التي فيها ، ولا تفرض عليها منالخارج .، فهي مستقل عن العالم الخارجي ، رغم أنها تعمل بانسجام مع العالم المتناغم مسبقاً . فقرارات الموناد تنبع من داخلها ، ولهذاهي حرة ، من تأثير العالم الخارجي .وبنهايه ، يبدو الكثير من نقاد لايبنتز غير مقنعين في محاولة التوفيق بين الضرورة وماهو عارض ،فالحرية المنطقية ، لا تكفي ، لجعل الحرية الشخصية واقعية . فهؤلاء المفكرين الثلاثة الذين تناولهم ، يصرون على كشف ما هو ضروري ، ،وما يعمل في الخفاء وبعيداً عما يرى في ظواهر المشاهدات . لكون هناك ضرورات عقلية هي التي تسير الكون . وتلك الضرورات هي التيننقدها هيوم ، وقال أن ليس ثمة وجود لمثل تلك الضرورات العقليه في العالم .والتي ستكون الحلقة الاخير في هذه الوقفات مع كبار العقلانيينحتى وقتنا هذا ونهايتها على يد نقد هيوم .

هاني الحطاب

(١) Rationalism , movements, ideas , Johan cottigham

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close