لماذا كسرنا الاقلام وكممنا الافواه ؟

لماذا كسرنا الاقلام وكممنا الافواه ؟ (*) بقلم د. رضا العطار

رغم ما شاب ماضينا وتاريخنا من عسف وظلم وطغيان، الا اننا كنا في الماضي امة الحوار والجدل، وكانت كلماتنا في معظم الاحيان تطغي على سيوفنا، وحلمنا يطغي على عقابنا – – وفي العصور الذهبية للحضارة العربية اصبح الجدل والحوار والنقاش والرأي والرأي الاخر علما قائما بذاته. فعلم (الكلام) الذي اشتهر به المعتزلة هو علم الجدل والحوار والنقاش والراي والراي الاخر الذي نضيق به ونرفضه هذه الايام ونستبدله بالسيف وكاتم الصوت وقضبان السجون – – والحضارة العربية لم تزدهر ولم تنل احترام التاريخ وتقديره وتحتل اوسع صفحاته الا من خلال (علم الكلام) الذي اصبح علما وليس ثرثرة او صراع ديكة على شاشات الفضائيات لتفريغ الكثير من شحنات الاحتقان السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

لقد بلغ علم الكلام اهمية كبرى في العصر الذهبي للحضارة العربية في بغداد، خاصة في عصر الخليفة العباسي المأمون في القرن الثامن الميلادي. الى درجة ان الخلفاء وامراء المناطق كانوا يحضرون ويشرفون على المناظرات والجدل القائم بين الراي والراي الاخر وهو متا فقدناه منذ مدة طويلة وتمسك به الغربيون وخاصة في امريكا.

فنشهد في الانتخابية الرئاسية الجدل السياسي والاجتماعي والاقتصادي الراقي بين المتنافسين على كرسي الرئاسة الامريكية – وخارج هذه الحملات الانتخابية نشهد كل يوم الراي والراي الاخر من خلال المعاهد الفكرية والسياسية التي يعج بها الغرب وتعج بها امريكا على وجه الخصوص. – – بينما العالم العربي يعج ببرنامج الفضائيات التي يتصايحون ويتصارعون فيها كالديكة لكي يكون هناك غالب ومغلوب دون ان يكون راي وراي اخر.

فما اكثر الكلام الذي ينداح وما اقل الفكر الذي يرتاح. وذلك هو اول مظاهر الانحطاط الحضاري وعلاماته. – – فعلى مر التاريخ كانت الحضارة الانسانية في ادنى درجاتها واحط مستوياتها، عندما لا ينتج الفكر الانساني جديدا ويكتفي بالثرثرة والتلقين واجترار فقرات النصوص.

وفي الماضي القريب استعاد العرب قسطا من حضارة الجدل وسجلوا نقاطا لصالح حرية الفكر و(علم الكلام) – – – ففي القرن التاسع عشر جادل جمال الدين الافغاني الفيلسوف الفرنسي ارنست رينان، في محاضرته (الاسلام والعلم) التي القاها في جامعة السوربون في العام 1883 . حين جحد رينان ان يكون للعرب والمسلمين تراث علمي من ابداعهم الخاص. وحين انكر رينان قدرة العرب والمسلمين على النهضة من جديد.

وفي مطلع القرن العشرين عندما اعلن المفكر العلماني فرح انطون ضرورة فصل الدين عن الدولة، لم يكفّره الشيخ محمد عبده، كما يكفر الشيخ القرضاوي العلمانيين في هذا الزمان. وعلى راسهم المفكر المعروف زكريا ابراهيم في كتابه (الاسلام والعلمانية وجه لوجه) – – وعندما اصدر اسماعيل ادهم، الاستاذ في جامعة بطرس برغ كتابه العاصفة (لماذا انا ملحد ؟) عام 1937 لم يتهم بالردة ولم تنصب الحكومة المصرية له المشانق، انما در عليه احد شيوخ الازهر بكتاب (لماذا انا مسلم).

وبداية القرن العشرين كان انتعاشا جديدا لعلم الكلام وكان الراي والراي الاخر على اشده وشهد الفكر العربي جدلا فكريا راقيا بين الشيخ على عبد الرزاق مع مجموعة من الشيوخ في نقاش علمي وتاريخي وديني بديع حول الاسلام واصول الحكمة، وهو عنوان الكتاب الذي وضعه الشيخ علي عبد الرزاق عام 1925 واثار به ضجة كبيرة جالت بين الملك فؤاد والخلافة الاسلامية، بعد ان اسقطها كمال اتاتورك.

وكان طه حسين وجماعته يتجادلون حول كتابه المثير الشعر الجاهلي – – – لكن ما كاد الجدال الفكر ان يستمر هكذا وبهذا الشكل الجميل طيلة النصف الثاني من القرن العشرين لولا اشتداد لغة القوة والعنف واستبدال الجدل بالقتل والنقاش بالرشاش والحوار بالنار وكان ذلك لاسباب مختلفة اهمها:

1– سيطرة الانظمة الديكتاتورية وخاصة العسكرية.

2 – انتشار الانظمة العربية المؤدلجة سياسيا ودينيا.

3 – ظهور الاتجاهات الاصولية المتعصبة من جراء سيطرة الديكتاتوريات العسكرية والحزبية والعشائرية. وهذه الاتجاهات لجأت الى العنف واستعمال السلاح لعدم تمكنها من ايصال رايها وخطابها السياسي والديني بحرية.

* مقتبس من كتاب (بالعربي الفصيح) لمؤلفه د. شاكر النابلسي.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close