كيف نتخلص من عاداتنا السيئة ؟

كيف نتخلص من عاداتنا السيئة ؟ * بقلم د. رضا العطار

العادة كالنار، تستعمل اما كوسيلة حسنة واما وسيلة مؤذية، وكثيرا ما تتسلط علينا عادات تتملكنا وتستبد بنا فنؤديها خاضعين ونحن على مضض من الحاحها وعلى معرفة بما تبدده من قوانا وحيويتنا.

وكثير من عاداتنا السيئة يعود الى اهمال ابوينا في تربيتنا حين عودونا التدلل وكراهة الاستقلال او لالخوف والاحجام او حتى كراهة بعض الاطعمة. فاني اعرف رجلا بلغ الستين ولم يذق طعم الجبن في حياته. وكراهته لهذا البرتين الضروري ترجع الى ايام طفولته حين اهمل ابواه تعويده على تناول هذا الغذاء. وقد خسر كثيرا من صحته بهذا الحرمان. كما ان هناك اناس بلغوا سن الخمسين ولا يزالون يتبعون اسلوبا في عادة الأكل يثير الأشمئزاز.

واتجاهاتنا وميولنا هي عادات كامنة توجهنا نحو الجد او الهزل ونحو التفائل والتشائم ونحو الاقدام او الاحجام وهي عادات نفسية لا تختلف عن عاداتنا الجسمية في غسل الوجه او السير في الشارع او التحية لصديق. وهي اي هذه الصفات تعين سلوكنا وتصرفنا … وبالطبع هناك عادات خطرة كالتدخين او التعود على المسكرات او اسوء من ذلك كالمخدرات والشهوات الشاذة. ونحن لا نعالج هنا هذه العادات اذ هي تحتاج الى تحليل نفسي لمعرفة الازمات والتوترات التي احدثت الالتجاء الى هذه العادات فرارا من الواقع الاليم … وقد تكون عادة التدخين اخفها فلا تحتاج الى تحليل لان الاغلب ان الشاب يعق في هذه العادة لرغبة شاذة في تكوين شخصيته وتأكيد رجولته ولكن ادمان التدخين يدل على توتر نفسي يحتاج الى التحليل.

وفي ابطال العادة كما في تكوينها نحتاج قبل كل شيء الى الاقتناع، وهذا الاقتناع يحتاج الى توضيح العناصر كما لو كنا ندافع عن متهم وتوضيح عناصر البراءة وذلك كي ينبني الاقناع على اشباب وجيهة فاذا تم لنا ذلك فلنشرع في التنفيذ ونقنع منه بيوم واحد

فالمدخن الذي ينوي ابطال التدخين يحتاج الى ايضاح الاسباب كتابة ثم عليه ان يقرر العزم على الامتناع يوما واحدا لا اكثر فاذا تم له هذا اليوم فعليه ان يقرر هذا اليوم وعليه ان يسجل هذا الانتصار كتابة ايضا ثم يجدد العزم على يوم آخر وكلما مضى يوم ضعفت العادة وتراخت قبضتها على خناقه. ويجب على المدخن ايضا ان يستعين بالوسط اي يغير الشارع الذي تعود ان يشترى منه او لا ياخذ مؤونته اذا كان على قصد الابتعاد عنه او نحو ذلك ثم يجب المثابرة فلا يخرم يوما يعود فيه الى عادته لان هذا اليوم وحده قد يفسد جميع ايام الحرمان السابقة او يلغيها. واذا وجد الشاب انه عاجز عن ابطال العادة فعليه بالتحليل النفسي حتى يصل الى الاصول الثابتة في عقله الباطن فيكشفها وينفضها في الهواء وعندئذ يسهل الابطال.

وكاتب السطور حينما كان مقيما في المانيا،كُلف عام 1958 تشريح جثة فتاة في الثلاثين في معهد الباثولوجي في برلين لمعرفة سبب الوفاة، وعندما فتح صدرها وجد جدران الرئة الداخلية مكسوة بمادة رمادية اللون تفوح منها رائحة النيكوتين الكريهة، وعندما فحص دمها المتخثر وجد ان نسبة سم النيكوتين فيه كان كافيا لموتها وهي واقفة في موقف الباص وفي يدها السيكارة. هذه الحادثة جعلته يترك عادة التدخين في اليوم ذاته.

اما بالنسبة الى المدمنين على الخمرة فان العادة تحدث في النفس شهوة وابطالها كبت لا يطاق. وكثيرا ما رأينا آثار هذا الكبت عندهم حين يتأخر ميعاد الشراب ساعة. فانهم يقلقون في مكانهم وقد يرتعشون او يعرقون او يغضبون. فكيف الابطال التام ؟

يجب على مدمن الخمرة ان ياخذ بعادة اخرى قريبة او مناسبة للعادة السابقة التي ابطلها حتى تجد شهوته المكبوتة المتنفس والمخرج كالقهوة بدل التدخين او الالعاب الرياضية بدل م القمار او الطعام قبل ميعاد الشراب بربع ساعة حتى تمتلئ المعدة فلا يساغ الشراب كثيرا. واذا لم تنجح هذه الوسائل للاقلاع، فيجب الالتجاء الى التحليل النفسي واذا لم يكن هذا متيسرا فلا باس من الاعتماد على ما يسمى – الانعكاس المعدول – اي ايجاد مركب نفسي سييء الاثر كأن نحقن الفرد بمادة مقيئة قبل موعد الشراب بدقائق ثم نأذن له بأحتساء الشراب كما وكيفا حتى اذا جرع كأسين وجد نفسه في غثيان وقيء. فاذا صحا صار لا يشتهي الخمرة الا وفي نفسه هذا الجزع من الغثيان فيكره الخمر

وهذا هو ما تفعله الام مع طفلها الرضيع حين تحتاج الى فطامع فانها تطلي الحلمة بسائل مر فيكوه الطفل الرضاع لانه يقرن المرارة الى الحلمة.

ان حياتنا هي سلسلة من العادات الجسمية والذهنية والنفسية فاذا قصدنا الى ان نجعل حياتنا فنا جميلا فاننا نحتاج الى عادات التأنق، نتأنق في لباسنا وطعامنا وتصرفنا فلا نخاطب احدا بصوت عال ولا نتكلم وفمنا مليء بالطعام نتحدث بلغة اللسان لا الاذرع، نجعل الكيف يأخذ مكان الكم فنطلب الكمال فوق الضرورة ونقصد الى الجمال في كل ما نتوخى من وسائل او غايات. ويجب ان نتذكر ان العادة الحسنة تقينا من العادة السيئة.

* مقتبس من كتاب فن الحب والحياة لسلامه موسى.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close