فلسفة : بين تجربة الشيخوخة ودلالة الموت

فلسفة : بين تجربة الشيخوخة ودلالة الموت * د. رضا العطار

يعود صرعى (الخوف من الشيخوخة) الى الاعتراض، فيقولون : ان كل الشواهد قائمة على ان الصلة وثيقة بين (تجربة الشيخوخة) و (تجربة الموت). اليس الموت هو ذلك الحد الاقصى الذي نصل اليه حينما نسير حتى النهاية في تلك العملية البيولوجية المستمرة التي يسمونها (مرحلة الشيخوخة) ؟ ويشرح لنا الفيلسوف الالماني ماكس شيلر هذه الحقيقة فيقول: ( ان طبيعة حياتنا لا بد من ان تتغير تغيرا محسوسا في كل لحظة، فان ضغط الماضي ليتزايد علينا بينما تتضاءل امكانيات المستقبل التي ترتسم امامنا. وهذا يشعر الانسان بان حريته آخذة في التناقض يوما بعد يوم، كما يتضاءل شعوره بالقدرة على تغيير مجرى حياته عن طريق توجيه مستقبله او التأثير عليه. وحين يسير الانسان بخطى سريعة نحو الشيخوخة فانه عندئذ لا يفقد شعوره بالحرية فحسب بل انما يفقد ايضا والى حد ما حريته نفسها. فاذا ما استمر انحلال الانسان، جاء الموت فوضع حدا لتلك العملية الطبيعية التي تقضي به الى خاتمة الرحلة )

بيد ان شيلر في الحقيقة كما لاحظنا في كتابه – تأملات وجودية – انما يخلط بين تجربة الموت وتجربة الشيخوخة. ولكننا لو انعمنا النظر الى دلالة الموت في صميم التجربة البشرية لوجدنا انها مختلفة كل الاختلاف عن فكرة ( الحد الاقصى للتطور الفردي ) وليس من الضروري ان يجيء الموت بمثابة النهاية الطبيعية لدور الشيخوخة. بل قد يجيء الموت مبكرا فلا يكون قدومه (طبيعيا).

والحق ان المرء مهدد بالموت في كل لحظة، فليس في استطاعته ان يعد الموت مجرد خاتمة طبيعية لتطوره البيولوجي. وحين يقول المرء ان الموت قريب منه في كل لحظة فانه يعني بذلك انه يجهل مصيره وانه ماثل امام تلك (الامكانية الواقعية)، امكانية الفناء. ولعل هذا ما عبر عنه احد الفلاسفة حينما قال: ان الموت بمعنى من المعاني انما هو

(الحضرة المستمرة للغياب).

واذن ففيم كل هذا الجزع من الشيخوخة ؟ ولماذا يأبى الانسان الا ان يرى في مرحلة الشيخوخة ناقوس الخطر يدق بابه منذرا بقرب حلول (ساعة الموت) —

حقا ان موت الشيخوخة قد يبدو لنا بمثابة موت مترقب نستعد له ونتهيأ لأستقباله، ولكن من المؤكد انه اذا كان ثمة (تجربة) في مثل هذه الحالة فانها (تجربة الشيخوخة) لا تجربة الموت.

يقول الفيلسوف الفرسي المعاصر سارتر : ان الشيخوخة قلما تنتظر الموت بل هي تحيا في (الحاضر). والحاضر كما نعلم، سلسلة من (الانتظارات) و المشروعات والأمال. وحينما يجيء الاجل المحتوم ويطوي صفحة الرجل المسن، فان هذا الحدث لا يسوّغ لنا القول بان (موته) كان حدثا باطنا في اعماق وجوده ! ! وهكذا قد يكون في وسعنا ان نقول انه ليس ثمة ما يبرر خوفنا من الشيخوخة، اللهم الا ان يكون هذا الخوف مجرد تعبير لا شعوري عن احساسنا الدفين باننا لم نستطيع ان نحيا حياة خصبة مثمرة.

* مقتبس من كتاب مشكلات الحياة لمؤلفه الدكتور زكريا ابراهيم استاذ علم الفلسفة في جامعة القاهرة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close