دور البرلمان يختلف باختلاف مراحل الدولة

دور البرلمان يختلف باختلاف مراحل الدولة
د. احمد ال حميد – بغداد

لاشك بأن هناك علاقة مباشرة بين ادوار البرلمان والمرحلة التي عليها البلد فأدوار البرلمان وأدائه تتباين بتباين المرحلة التي عليها البلد، فقد يركز على دور دون الادوار الاخرى. استناداً لما تقتضي الحالة والمصلحة العامة. بمعنى أخر أن ادوار البرلمان تختلف باختلاف المراحل والازمات والتحديات التي تواجه الدولة بالتالي ينعكس على اداء البرلمان. ففي كل حالة أو مرحلة يستلزم تركيز البرلمان على دور يؤديه وفاقاً لتلك المرحلة .
فإذا ما أخذنا حالة العراق فإنه يلحظ بأن الدولة بعد 2003 قد تغير نظامها السياسي. فضلاً عن انهيار وتفكك مؤسساتها، الامر الذي يقتضي اعادة بناء الدولة وتأسيسها وفاقاً للنظام السياسي الجديد، وما يقتضي من سن قوانين ووضع سياقات وتبني تقاليد وفاقاً لما يفرضه النظام السياسي الجديد. إذ إن هذه المرحلة من اخطر مراحل اقامة الدولة وبناءها، فإذا صحت الاسس صح البناء وسلم. إن إقامة دولة سليمة يستلزم اقامتها على اساس سليم ولعل من أهم ما يؤشر على هذه المرحلة :
تغير النظام السياسي يقضي تغيير في التقاليد والسياقات، والأسس التي تعتمدها الدولة في سلوكها وتصرفاتها، وفي سن القوانين والتعليمات إذ أن ذلك يتوائم وطبيعة النظام السياسي .
خلل في البناء المؤسسي والتنظيمي لجهاز الدولة، بمعنى غياب الأسس السليمة والمبادئ المعتمدة في تنظيم الجهاز .
غياب الملاك (هيكل الوظائف) الموضوعي على مستوى الدولة، إذ يضم الملاك وظائف لا تعكس أو تعطي انطباعاً عن طبيعة الوظائف الحقيقية المطلوبة لإداء المهمات المطلوبة من الجهاز. إذ يضم جهاز الدولة موظفين يمارسون اعمالاً لا تتفق والدرجة التي يشغلونها في سلم الوظائف، والمسمى الوظيفي الذي يحملونه، فأضحى الملاك يحتوي على مسميات وظائف لا تعكس طبيعة الاعمال التي يقوم بها العاملون. بذلك فالملاك يتكون من مسميات وظيفية لا تنسجم والواقع. فضلاً عن ذلك تضخم الملاك إلى حدٍ كبير جداً، قد يصل إلى اضعاف مضاعفة لما يحتاجه الواقع بما يحمل الموازنة اعباء مالية ثقيلة لا توازي الجهد المبذول في الإداء .
عدم الاهتمام بالسياقات والإجراءات السليمة والدورة الوظيفية (التدرج السليم للموظف خلال مدة خدمته وتنقله الموضوعي بين الوظائف). أي إهمال دور الخبرة والقدرة والجدارة والاستحقاق عند التعيين في الوظائف، واعتماد الرغبات والميول والمواقف الشخصية للمسؤول في الاختيار للوظائف. وهذا بالتالي سوف ينعكس تدنياً في الإداء وتخبطاً في تفسير القوانين والتعليمات، بالاعتماد على التقدير الشخصي والذي يخضع لخبرة المسؤول وقدرته .
لقد أدى ذلك إلى تباين في التطبيقات تختلف باختلاف المسؤولين، فكلٌ راح يفسر القوانين والتعليمات بحسب هواه ورأيه، لعدم توافر عناصر الخبرة والجدارة والقدرة، أي ضعف قدرة ومستوى المسؤولين .
وذلك لعدم وجود سياقات وأسس موضوعية لاختيار الوظائف بعامة والمناصب والدرجات الوظيفية المتقدمة بخاصة، وإنما تخضع إلى رغبات المسؤول بعيداً عن السياقات الموضوعية التي تعتمد الخبرة (الخدمة الوظيفية) والقدرة، التي هي أساسي التقدم والتدرج والاستحقاق الوظيفي. فالاستحقاق والقدرة والخبرة والجدارة والنزاهة هي الأساس في التعيين في الوظائف، وليس ترشيح المسؤول الذي يخضع لمعايير ذاتية لا موضوعية. فمسيرة الفرد وتقارير خدمته هي التي تحدد استحقاق وتدرجه في الوظائف مما أدى لاعتماد أسس غير موضوعية وصول اشخاص إلى مناصب لا يقدرون على النهوض بها .
هنا لابد من القول، بأن كل مرحلة تستلزم سياقات وإجراءات معينة فضلاً عن نوع الاشخاص الذين يجب أن تسند اليهم المسؤولية، فكما قيل لكل زمان دولة ورجال، ان استخدام هذا القول هنا يقصد به ان لكل مرحلة نوع من الرجال. ففي مرحلة البناء يجب ان يسند الامر إلى اشخاص مهنيين (تكنوقراط)، لا ان تسند السلطة التنفيذية إلى سياسيين، فدور السياسي يأتي بعد بناء جهاز حكومي سليم معافاً، لضمان وسلامة سير الجهاز وعمله وحسن اداءه .
أما في مرحلة اكتمال البناء والاستقرار فيأتي دور السياسي ومن هنا لابد من التأكيد أنه لابد من الفصل بين دور السياسي ودور الجهاز الحكومي، إذ أن الجهاز الحكومي يمثل الجهة الفنية المسؤولة عن اداء الحكومة من الناحية الفنية وحسب، أما دور السياسي في الحكومة فهو لا يتعدى مراقبة ما تضمنه المنهاج الحكومي في ما يتصل بوزارته، وليس له حق التدخل في الجهاز تكويناً وعملاً. فالجهاز هنا اشبه بالآلة، وان تدخله في تقنيات عمل الالة قد يعطلها او يخربها، بما ينعكس على تدني اداءها وفساده فالسياسي زائل ينتهي دوره بانتهاء الدورة البرلمانية، والجهاز باقٍ ما بقيت الدولة، وجهاز الدولة هو القاعدة الصلبة التي يستند اليها النظام السياسي .
ان في ذلك لإشارة متواضعة إلى ان دور البرلمان يختلف باختلاف مراحل الدولة واستقرارها.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close