جانب من المسخرة بمؤسسات ودوائر الشخير والثرثرة؟!

جانب من المسخرة بمؤسسات ودوائر الشخير والثرثرة؟!

احمد الحاج

لاشك ان البطالة المقنعة لم ولن تصنع دولا قوية ومزدهرة قط فمن يحلم ببناء بلد واعادة اعماره كالعراق مثلا وعطله الرسمية وشبه الرسمية وغير الرسمية ، علاوة على حظر التجوال الجزئي والكلي والبين بين بسبب كورونا وغيرها من الجائحات والمناسبات ، اضافة الى عطل الفيضانات الشتوية ، وعطل ارتفاع درجات الحرارة الصيفية، اكثر من دوامه على مدار العام ، فهو واهم جدا ، البلدان لاتبنى ولاتعمر بكثرة العطل والتي يتم اختراع بعضها اختراعا ، والاعجب انه وبرغم كل هذه العطل التي تكاد لاتنتهي وهناك من الموظفين الكسالى جدا من يتثاقل عن الدوام ويطالب بإجازة او بواجب او بزمنية فور دوامه بالشهر كم مرة ، حرام تنسوني بالمرة …ومنهم من يتثاءب خلال دوامه النادر ، او – ياخذ غفة – فوق مكتبه الذي يعلوه التراب ونصف اجهزته ومعداته عاطلة عن العمل من غير المطالبة او تقديم طلب رسمي لإصلاحها لأن اصلاحها من عدمه من الناحية الانتاجية وانجاز العمل الفعلي صفر على الشمال ، بمعدل 20 مرة في الدوام الواحد ،علما ان امثال هذا الموظف – الصاحي ..النائم – اثناء الصحوة هم الاكثر انتقادا للفساد المالي والاداري والسياسي والاجتماعي الذي يعم عراقه اسوة بالبلدان العربية ، وهم الاكثر مدحا للنظم الرأسمالية والعلمانية والاشد ثناءا على صناعاتها ومثابرتها واكتشافاتها وعدم تضييع اوقاتها وحرصها على وعودها ومواثيقها وعهودها وعملها واتقانها له وعلى مدار الساعة ، موظف كسول ما ان يصحو حتى يلغو بأي موضوع يخطر على باله ساعتها لقضاء الوقت المتبقي بما لا فائدة منه ليكركر ويثرثر ، وما ان يغفو حتى ينسى كل مهامه المناطة به غيرأبه بشيء على الاطلاق ويشخر ، وبعد كل هذا التسيب يريدون حكاما لبلدانهم مخلصين، في عملهم مجدين ، بوزاراتهم ناهضين ، بمؤسساتهم فاعلين ، باوطانهم الى افق ارحب محلقين ، ترى من اين يأتي هؤلاء وبهذه المواصفات الرائعة من رحم مؤسسات عاطلة عن العمل قد ادمنت تعطيل دوامها ،هدر اوقاتها ، تأجيل اعمالها ، تضييع اوراقها ، فقد معاملاتها ، اهمال ملفاتها ، مؤسسات ادمنت النوم على مكاتبها ، فوق ارائكها وعلى كراسيها والكل يرثي حاله وحالها ، مؤسسات لاتصلح اجهزتها ولا تصون معداتها ، مؤسسات لاتتابع اعمالها ولاتمشي المكدس اكواما فوق اكوام من كتبها الرسمية ومعاملاتها “والسؤال الملح ها هنا “راتبك الشهري الذي لايوازي ولا يجاري ولا يناظر اداءك الوظيفي – الصفري – البتة وفي هذه الحالة “حلال أم حرام ؟!” .
بعض المؤسسات والدوائر ولكثرة الاجازات والعطل والمناسبات ولطول فترات الحظر ينسج على سقوفها وجدرانها وأثاثها وعلى بعض اجهزتها العاطلة لالكثرة الاستخدام ، وانما لعدم الاستخدام اساسا وتركها هملا من غير شحن ولا صيانة ولا تنظيف ولا متابعة ولاتشغيل ولا ادامة والتي يعلوها الغبار هاهنا وهاهناك – وانا مسؤول عن كلامي – العنكبوووووت !
في دوائر ومؤسسات الشخير والثرثرة تلك لن تجد ساعة جدارية واحدة تعمل ، اما لأنها عاطلة منذ فترة طويلة من دون صيانة ولا اصلاح وهي موضوعة للديكور فحسب، او انها لاتحتاج سوى الى بطاريات قلم من الحجم الصغير او المتوسط بإمكان اي موظف ان يتبرع بثمنها بما لايتعدى 500 دينار الا ان ايا منهم لايفعل ذلك والكل يردد ” شنو ..قابل اصرف من جيبي على الدولة ؟” ، وفي حال عمل هذه الساعات – عثرة بدفرة – فإنها تؤشر الى توقيتات متباينة عن بعضها بفارق كبير وجلها خاطئة .
في دوائر الشخير والثرثرة يترك موظفو الـ 50% الاول ” الدوام في الدوائر الرسمية وبسبب جائحة كورونا صار 50 % وتم تقسيمه بين الموظفين بالتناوب على وفق جداول تنشر اسبوعيا لهذا الغرض ” اقول يتركون فتات طعامهم وبقايا قناني مياههم المعدنية الفارغة وعصائرهم وعلب مشروباتهم الغازية واعقاب سجائرهم من دون تنظيفها ، فتأتي الوجبة الثانية وتقضي اليوم الاول من دوامها كله بهجاء وشتم الوجبة الاولى على ما تركوه لهم من نفايات ومخلفات ، مع انهم سيفعلون الشيء ذاته في الاسبوع المقبل!
في دوائر الشخير والثرثرة كل الصنابير اسوة بدورات المياه والبالوعات ومنظومات اطفاء الحرائق تعاني من مشكلة حقيقية غير قابلة ككهرباء العراق للاصلاح ” ، سلال المهملات كذلك حاويات الازبال ممتلئة عن بكرة ابيها على الدوام من دون رفعها او تفريغها لفترة طويلة والكل يقول ” واني شعليه ..خلي يجبون منظفين ومنظفات ..شنو فلوسهم قليلة ؟!” والنتيجة هي غرق المؤسسات بالمخلفات والنفايات بما لو التقطت لها صورا ونشرتها على الفيس او انستغرام لضجت به المواقع و” ماتت من الضحك ” ولصارت مادة للتهكم والسخرية والتسقيط الانتخابي …علما ان من ينشر الصور للحط من قدر مؤسسة يديرها حزب ما ، هو نفسه تابع الى مؤسسة غارقة بالنفايات يديرها حزب اخر وربما بصورة اشد وانكى من سابقتها الا ان ” عين الرضا عن كل عيب كليلة …ولكن عين السخط تبدي المساويا ” .
في دوائر الشخير والثرثرة هناك اربعة اسئلة حائرة تكاد تسمعها يوميا الا ان احدا لايجيب عليها ابدا ، اولها وبالعامية ” منو ذاب بثل الشاي بالسنك ؟ ” وثانيها ” منو طاب للحمام وما ذاب مي وراه ؟” وثالثها ” القلم مالتي ماحد شافهه ..ياجماعة راح اتخبل هسه جان اهنا ؟” ورابعها ” هاي منو حاركني البارحة يم المدير ؟” .
في دوائر الشخير والثرثرة قلما تجد قلما يكتب ،كابسة او ثاقبة ورق بحالة جيدة، جهاز استنساخ يعمل ، يو بي اس صالح للعمل بما يؤمن عمل الحاسبة ساعة انقطاع الكهرباء ،طابعة تؤدي مهامها على اكمل وجه من دون ان تحشر الاوراق داخلها وتكون بحاجة الى عملية جراحية لاخراجها ، وجلها اجهزة عاطلة ومعدات متهالكة موضوعة للزينة ، وفي حال تم توزيع القرطاسية بين الموظفين من اقلام واوراق ونحوها بناء على طلب سابق مقدم لحاجة القسم بهذا الشان ، يظن بعضهم ان الاقلام والاوراق صارت ملكه فيقوم بالتصرف بها بناء على مزاجه وبعضهم يذهب بها الى منزله .
في دوائر الشخير والثرثرة لن تجد موظفا الا فيما ندر وهو جالس في مكان عمله وعلى مكتبه لأداء مهامه ، بل ترى معظمهم في غير مكانه وهو يثرثر ، ينتقد ، يمزح ، يتبرم ، يغتاب ، ينم ، ينافق ،على بقية زملائه ليختم – لغوته – بـ” اللهم لاتجعلها غيية !” .
هذه المؤسسات العنكبوتية البائسة والدوائر المتهرئة والتي لن تجد فيها اية معاملة رسمية ساعة طلبها للمطالعة او للمراجعة الا بعد ساعات طويلة من البحث والتنقيب في الدواليب الضعضعة والمخلعة التي تضم اضافة الى البوكس قايلات والمستمسكات بقايا الشاي والسكر والقهوة والزعتر والملح والاقداح وربما بقايا الخبز اليابس لفطور الاسبوع الماضي وامثالها حتى صارت تلكم المؤسسات الافة واحدة من اسباب ضياع العراق وتذيله لمعظم القوائم والاحصاءات الدولية السنوية عن ضمان الجودة و النزاهة والشفافية والمصداقية وحسن الاداء والانتاج والتنمية البشرية …حتى صارت ايقونات وركائز الفساد المالي والاداري البيروقراطي المتحيز ..واقول المتحيز بمعنى انك اذا بحثت فيها عن الاوليات لتكريم وترفيع احدهم فلن تعثر عليها الا بشق الانفس ..الا انك اذا اردت اصدار كتاب عقوبة بحق الشخص نفسه فسيتم ترويجها خلال ثوان معدودة حتى انك لتذهل من حجم النشاط الذي سيدب في اكثر الموظفين كسلا وتكاسلا ساعة يتعلق الامر بمعاقبة احد زملائه وكأنه كان يتحين الفرصة تلك ومنذ امد بعيد وقد جاءته تمشي اليه برجليها ولابد له من اقتناصها ..! ولولا الحياء والخوف من الله تعالى لطالبت بان يكون صرف الرواتب في هذه المؤسسات مقيدا ومشروطا بساعات الانجاز الفعلي لا على اساس ساعات الدوام الرسمي لأن منهم من يأتي مبكرا جدا الا انه لايعمل شيئا لحين انتهاء الدوام بمعنى ان انجازه = صفر على الشمال طوال العام ، فيما قد تجد موظفا قد يأتي متأخرا بعض الشيء لبعد المسافات وازدحام الطرقات الا انه ينجز اعماله بكفاءة عالية وبمهنية متقنة الا ان حسابه لايكون على انجاز العمل وانما على الدقائق التي يتأخرها كل يوم ….في هذه المؤسسات تجد ان اصحاب الاجور اليومية والعقود الشهرية هم الاكثر همة وعملا ونشاطا الا انهم الاقل مرتبا وتقديرا وتكريما …واذا لم نغير ما بدوائرنا ومجتمعاتنا ودواخلنا فلن تتغير احوالنا وسنظل على حالنا . اودعناكم اغاتي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close