الاستراتيجية الأمنية وأسس تطبيقها

الاستراتيجية الأمنية وأسس تطبيقها
د. ماجد احمد الزاملي
يجب أن نوضح بأن هناك مراكز لإدارة الأزمات وغرف عمليات في الكثير من الوزارات المختصة وفي المحافظات المختلفة لمعالجة وإدارة الأزمات ولا ننسى هنا بأن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والدفاع المدني لديهم غرف عمليات لإدارة الأزمات ومعالجتها حسب استراتيجيات موضوعة ومدروسة. فالاستراتيجية هي طريقة لوصف كيف سنتعامل مع الأمور. إنّها أقلّ تحديداً من خطّة العمل (التي تتضمّن إجابات عن أسئلة: مَن وماذا ومتى)، فهي تحاول الإجابة بطريقة شمولية على السؤال التالي: “كيف نصل إلى هناك من هنا وماذا يجب ان نستقل ؟” والاستراتيجية الجيّدة تأخذ في الحسبان الحواجز والموارد القائمة (الناس، والمال، والسلطة، والمواد،…). كذلك، يجب أن تكون متناسقة مع الرؤية، والرسالة، والأهداف العامة للمبادرة. وغالباً ما تستعمل المبادرةُ استراتيجيات متعدّدة ومختلفة لبلوغ غاياتها – توفير المعلومات، وتعزيز الدعم، وإزالة الحواجز، وتوفير الموارد…الخ. تحاول بعض الاستراتيجيات تغيير الأوضاع القائمة (كزيادة الوصول إلى المعرفة والإرشادات وبدائل اخرى…),وتشرك الاستراتيجيات أجزاءً متعدّدة ومختلفة من المجتمع المحلّي، بما في ذلك الجمعيات وروابط الأحياء والعائلات دور العبادة والمجموعات الأخرى التي قد يُتوقّع معارضتها لبعض الاستراتيجيات. لاتوجد هنالك كلمة مثل الإستراتيجية إثارت الجدل والنقاش وأكثر منها استعمالاً وترديداً فلقد انتشرت بين أصحاب الفكر والقادة وبين العامة وأضفى كل منهم ما شاء له أن يضفي بعلم أو بدون علم . لقد تفاعل مصطلح الإستراتيجية مع المجتمع والقيادة وتطور مفهومه عبر سنين طويلة حتى أصبح إلى حد بعيد القاسم المشترك الأعظم لكل نشاطات الدولة . ومما لا شك فيه أن التطور الكبير الذي شهدته الإستراتيجية الحديثه بعد أن تحررت من مفهومها العسكري الضيق عبر القرون قد أظهر مصطلحات جديدة ومفاهيم متعددة أثرت الفكر الإستراتيجي وأغنته فاتسعت دراساته لتشمل الإستراتيجية العليا والإستراتيجية القومية وإستراتيجية الأمن القومي والإستراتيجية الإدارية . ولقد اتسع مفهوم الإستراتيجية ليشمل الجوانب السياسية والإقتصادية والإجتماعية والحربية والأمنية ومجابهة الأخطار الخارجية والداخلية وأصبح نجاح الدول يُقاس بالإستراتيجية العليا التي تقررها الدول في التخطيط والتنظيم والتنفيذ . وهناك الإستراتيجية الطويلة الأمد والإستراتيجية المتوسطة الامد والإستراتيجية قصيرة الأمد من حيث وضع الخطط اللازمة من أجل تنفيذها في نطاق زمني محدد للحفاظ على أمن وسلامة الدول وذلك من أجل تحقيق الأهداف الإستراتيجية أن نقوم بتحديد مراحل إعداد الإستراتيجيات المختلفة من حيث تحديد الأهداف العليا ودراسة الإمكانات وتحليلها ودراسة كافة الظروف والعوامل المحيطة بها ومن ثم التوصل إلى صياغة الإستراتيجية على مستوى القيادات العليا والعمل على تقييمها وإمكانية تنفيذها.
رغم تمكن الولايات المتحدة الأمريكية من فرض سيطرتها، إلا أن هذا الاستقرار سيؤدي بها للاسترخاء، وبالتالي بروز مخاطر داخلية، مما يجعلها تعتمد على إستراتيجية التفوق العلمي والتكنولوجي، ومحاولة استقطاب المفكرين والنخب من جميع مناطق العالم، مثل المنح الدراسية وتنظيم الدورات والندوات باسم السفارات والنوادي التابعة لها، مع الحرص الشديد على تكوين الفرد داخل المؤسسات العسكرية من خلال فتح تخصصات تربط بين الأطر الأكاديمية والتقنية، وتسهيل كل الأساليب لزيادة الوعي والثقافة لدى الجنود الموجودين ما وراء البحار، مثل منح فرص التكوين الجامعي في مريلاند بألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية، وهي خطة لزيادة درجة استيعاب الأفراد للثقافة الحربية والتعرف على خصوصيات المجتمع الموجودين على أرضه، بل العمل على تكوين نخب عن طريق الدراسة عن بعد بتوفير الأجهزة الإلكترونية في السفن الحربية المتنقلة بالتنسيق مع أرقى المدارس العليا، مثل مونتري كاليفورنيا، ومعهد تكنولوجيا لسلاح الطيران في دايتون بأوهايو. ويمكننا إدراك مدى هشاشة الاستقرار الدولي من خلال مراجعة عامة لكل الأحداث والتطورات التي شهدها المسرح العالمي منذ إنشاء الأمم المتحدة والنظام الدولي الحالي وتحديداً بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث لم تبق أية أزمة مهما كانت محدودة سواءً داخلية أو إقليمية ضمن الحدود الجغرافية التي نشأت فيها، بل أثرت بأشكال متفاوتة على النظام والتوازن الدوليين وهكذا يمكن الاستنتاج بأنه لا يمكن تصور عالم متوازن محصّن في استقراره، بل عالم متنقل من حالة استقرار هش إلى أخرى بحيث أنه لا يمكن تصور إمكانية الوصول إلى نظام دولي مانع أو ضابط للفوضى، وهنا تكمن الإشكالية التي تواجهها الدعوات باعتماد نظرية “الفوضى الخلاقة” من أجل تحقيق عملية التغيير في النظام الدولي والإقليمي الشرق أوسطي. ومفهوم الأمن القومي فيتمثل في الدول المتقدمة بأنه حماية وتنمية القيم الوطنية والحفاظ على المصالح الحيوية وبالذات القيم الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والأمنية والعسكرية والحفاظ على سيادتها واستقلالها والمحافظة على مواطنيها وسلامتهم وإحتواء الأخطار الخارجية والداخلية ومعالجتها ووضع الخطط اللازمة لمجابهة أي طاريء أو أي تهديد لسياسة الدولة الرئيسة وهذه السياسة تهدف في مضمونها إلى تحقيق المباديء والأهداف والمصالح القومية والتي تشكل في مجموعها ما يعرف بالأغراض القومية . وإن السياسة العامة للدولة تتفرع في طبيعتها إلى أربعة فروع رئيسة هي السياسة الداخلية والسياسة الخارجية والسياسة العسكرية والسياسة الإقتصادية. ولقد ظهرت في العقود الماضية مساعي حثيثة ودراسات متخصصة من أجل إنشاء ما يعرف بإسم مجلس الأمن القومي وذلك من أجل تنسيق ودمج السياسات الداخلية والخارجية والعسكرية والإقتصادية والأمنية في استراتيجية قومية واحدة شاملة . يبدو أن أهم الأفكار التي ظهرت في خلق فكرة “المجتمع الفوضوي”، هي ناجمة عن إدراك المدى الذي وصل إليه النظام العالمي من فشل بالسيطرة من منظور واحد. لذا كان برأي مؤيدي الفكرة أن العوامل الفاعلة كالأثر الواضح لعملية العولمة الاقتصادية، ونشر الديمقراطية السياسية، والأهمية المتزايدة للمجتمع المدني المتخطي “للحدود القومية” وتعاظم كثافة المؤسسات الدولية ونطاقها ومداها، والمشكلات المتعددة والمتراكمة الناجمة عن تفكك الدول وتعاظم المطالبة بالكيانات الأثنية وحقوقها، قد تطورت إلى حد جعل التركيز على “مجتمع الدول” قاصراً وبالياً تماماً(1). قد ظهرت نظرية الفوضى أوائل القرن الماضي- وحتى قبل ذلك – واتخذت اسم نظرية الفوضى في أواخر السبعينيات عند ذلك أدرك الناس معناها بالفعل.وتعود جذور هذه النظرية في أحضان الاعتقاد الرياضي الذي كان يقول أن الحتمية موجودة وأنه يمكننا التنبؤ بكل شيء من خلال الرياضيات، فمن خلال معادلات عالمي الرياضيات والفيزياء الشهيرين نيوتن ولابلاس 1885 توصلا إلى نتيجة مفادها: “أنه إذا انطلق جسمان في مدارين شبه متطابقين فسيستمران في مدارين شبه متطابقين، والفرق بينهما لا يتزايدا أبداً؛ لذلك إذا عرفت مدار الجسم الأول يمكنك معرفة مدار الجسم الأخر“؛ لكن عند اضافة جسم ثالث تصبح الأمور فجأة مستحيلة التوقع لمعرفة أين موقع الجسم الثالث رياضياً، وأصبح حل هذه المعضلة هاجس العلماء بعدها. وجاء العالم الرياضي بواناكاريه عام 1889 ليكتشف أن توقع حركة المدارات أمر مستحيل رياضياً، ففرق طفيف ما سيؤدي إلى فرق شاسع في النتائج، ولذلك اكتشف ما نسميه اليوم “نظرية الفوضى” التي تفترض أن هذا السلوك غير المتوقع قد يكون منتشراً في كل أوجه الطبيعة “فإن رفرفة أجنحة فراشة قد تحدث عاصفة في مكان غير متوقع(2).ومن هنا بدأت محاولات تعميم هذا الاكتشاف على باقي مجالات المعرفة.
إن الأزمات سمة من سمات الحياة وهي واقعة في كل زمان ومكان بدءا من بداية الحياة حيث كان الصراع من أجل البقاء مقابل الطبيعة وفي طريق البحث عن لقمة العيش والإستمرار في الحياة بدءا من المجتمع القبلي والمجتمع الزراعي والمجتمع الصناعي . فالأزمات تحكم علاقة الإنسان بالطبيعة وعلاقة الإنسان بالإنسان وعلاقة الإنسان بالحكومة وعلاقة الحكومات بعضها ببعض . وتتولد الأزمات عند وقوع أي إختلال بميزان العلاقات على المستوى الفردي والقبلي والحكومي والمستوى الوطني والإقليمي والدولي. ولا شك بأن الصراع بين مصالح القوى العظمى ومحاولتها السيطرة على الدول الصغيرة والإستئثار بمقدراتها وثرواتها أدى إلى وقوع صراعات عسكرية تمثلت بحروب عالمية وإقليمية ووقوع ثورات داخلية من أجل تغيير القيادات العليا والسيطرة على أنظمة الحكم . وهذه الصراعات ليست بالسهولة التي نعتقد فهي تخلق أزمات متعددة الوجوه ذات طبيعة زمانية ومكانية معقدة فهي تتخذ طابع القومية والطابع الديني والطابع السياسي والإجتماعي والإقتصادي والأمني والعسكري . وهنالك المفاهيم العامة والأسس النظرية لإدارة الأزمات وإتباع أٍلأسلوب العلمي لسبر أغوارها وميادينها ووضع الأسس والخطط الإستراتيجية للتعامل مع هذه الأزمات بالإضافة إلى تكوين عدة فرق متخصصة في إدارة الأزمات الدولية والإقليمية والوطنية وإيجاد الحلول للتغلب على الأزمات التي تعترض الحكومات المختلفة وشعوبها . ولا بد لمجلس الأمن القومي التخطيط المسبق واستشراف المستقبل بحيث يتم تحديد مراحل إعداد الإستراتيجية العليا من حيث تحديد الأهداف ودراسة الإمكانات وتحليلها ودراسة الظروف المحيطة وتحليلها ووضع الحلول المسبقة لكل الإحتمالات لمجابهة الأزمات من أجل تقليل أخطارها في حال وقوعها. ومن ثم صياغة الإستراتيجية بعد عملية التقييم الداخلي والخارجي المصاحبة لكل أشكال الأزمات ومن ثم العمل على تنفيذها في أسرع وقت ممكن وبكل كفاءة وبأقل الخسائر.
———————————————————————
. 1- الكناني، إياد هلال الحسين، مقال: “نظرية الفوضى الخلاقة الامريكية”، الموسوعة السياسية، 23/1/2014
” 2-سميث، ليوناردو، “نظرية الفوضى: مقدمة قصيرة جدا”، تر: محمد سعيد طنطاوي، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2016، ص-ص 16 – 18

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close