الصراع بين التخلف والعلم

الصراع بين التخلف والعلم : بقلم ( كامل سلمان )
ليس هناك صراع بمعنى الصراع بين التخلف والعلم فالعلم دائما سيد الموقف ، فالكل يرغب بالعلم والكل يسعى من اجله ويحترم سيادته ، فهو مدخل لنجاة البشرية من كل سوء صاحب الإنسان منذ بداية الوجود ولكن هنالك فئة من الناس تصارع العلم والمعرفة ليس من باب الكراهية للعلم بل من باب ارتباط مصالحها ووجودها مع التخلف يعني بدون التخلف وجودهم معرض للزوال واندثار جميع المكاسب المتوارثة والتي اعطتهم الفوقية على باقي افراد المجتمع ، وهؤلاء الرابضين خلف سواتر التخلف لهم قدرات فائقة في تجييش الجيوش وتعبئة النفوس ضد العلم فهي مهنة عرفوا اسرارها و اجادوا ممارستها بأحترافية عالية . لذلك يعمدون على إحياء الأشياء الميتة و زقها في عقول المتخلفين بكل سلاسة ويسر ، وأفضل الطرق واكثرها نعومة هو الدين والتراث ( ويشمل العادات والتقاليد الموروثة ) . فالدين وأي دين تتكون في رحمه مؤسسات لرجال الدين ، حجة تأسيسها الحفاظ على الدين وتقنين الدين التي تتحول بسرعة مذهلة الى مؤسسات استهلاكية نفعية مدرة للأموال والوجاهة والتسلط ، فتضطر هذه المؤسسات الى بناء جدار دفاعي يحافظ على هذه المكتسبات الخيالية ويضمن ديمومتها فتعلن الحرب على كل من يعاديها او يقلل من شأنها ، وبمرور الزمن تتوسع هذه المؤسسات وتتجذر في المجتمع على حساب الطبقات المستضعفة والطبقات المسحوقة مع دعم من بعض الطبقات المستفيدة . اما التراث فهناك تجمعات قبلية هي الأخرى لها قوانينها ويقودها اناس يتوارثون هذه القيادة ، وفي كلتا الجهتين الدينية والقبلية نجد حصاد للمكاسب التي لا تعد ولا تحصى ، ذلك يستدعي الى ظهور المغازلة بين هاتين الجبهتين ومساندة احداهما للأخرى . المؤسسات الدينية النفعية لا تتردد ان تختلق كل شيء لخدمة مصالحها وكل شيء يطرحونه يصبح تشريع نابع من اصل الشريعة واما ما يخالفهم يصبح بدعة تستهدف الشريعة .
ان السبب الذي يدعو رجال الدين ورجال القبيلة الى التمسك بأستماتة بكل موروثاتهم حتى وان كانت ضد العلم والتقدم وضد كل شيء صحيح هو الحاجة الى استمرار هذا الضخ المتواصل للأموال واستمرار السلطة والقوة والسيادة على المجتمع مهما كلف الأمر حتى وان استدعى الامر اضافة نصوص الى الكتاب المقدس وهذا ماجعل الترابط بين القبلية والدين ترابط جوهري عميق وعندما نقول الدين لا نعني مبادىء الدين وعندما نقول القبيلة لا نعني الانتماء والنسب .
العلم والتفكير العلمي والعقل العلمي والمعرفة كلها تعطي أهمية للإنسان بقدر عطاءه وإنتاجه سوا أكان على المستوى العملي او الفكري او الاجتماعي وتعطي اهمية للإنسان بقدر وجوده الإنساني ، وبما ان تلك الفئتين هي فئات ورثة الأعتياش على الأخرين وانها فئات غير منتجة فمن المؤكد ستصارع العلم بكل شراسة ولا تتقبله وتعتبره العدو اللدود الذي يريد الانقضاض على حاضرها وماضيها العريق ، فهي تضطر الى مواجهة اصحاب العقل العلمي بالعنف والاكراه لفرض ارادتها وعندما تصطدم ارادتها بوجود دولة دكتاتورية فإنها سوف تعمل على التقرب من رموز هذه الدولة ومغازلة السلطة للحفاظ على نفسها وتعمل على الحفاظ ودعم السلطة لكي يستمر الحال على ماهو عليه ويبقى الهدف واحد . اما إذا اصطدمت ارادتها بدولة مدنية دستورية فإنها تفقد صوابها وتعمل بكل ما أوتيت من قوة لتدمير أسس هذه الدولة الدستورية او إنها تستسلم وتعلن موتها . وهذه الصورة تجدها واضحة في جميع الدول المختلفة التي تسمي نفسها دول العالم الثالث حيث يكون في هذه الدول رجال الدين والقبيلة لهم اليد الطولى في حركة الحياة وبنسب تختلف حسب تطور هذه الدول . ولم ولن تقفز هذه الدول الى مصاف الدول المتقدمة الا باضمحلال المؤسسات الدينية والقبلية المتوارثة .
لا يمكن القضاء على التخلف فقط من خلال العلم والمعرفة فتلك الفئات وضعت لنفسها وللمجتمعات التي تغلغلت فيها حواجز ضخمة لمنع تسرب المفاهيم التي تقتل ما بنوه لمئات والاف السنين في عقول الناس. ان السياسة والعلم والدهاء والقوة والاصرار يجب ان تعمل جميعها بلا كلل او ملل لتفتيت هذه الحواجز المقيتة وان المثقف هو المسؤول عن خلق عناصر القوة في المجتمع لصهر هذه الحواجز واصعب ما في المواجهة مع التخلف هو عندما يكون للتخلف قواعد ثقافية وتنظيرية من قبل بعض الرموز الاكاديمية المعبئة من تلك الفئات والمستفيدة من وجودها فهنا تصبح المهمة صعبة جدا وتصبح المواجهة ضرب من الخيال وقد تكون النتائج محسومة للتخلف مسبقا إذا لم يكن نوعية المثقف من الطراز المبدع ، تأريخ المجتمعات المتقدمة فيها شواهد على بروز مثقفين ومفكرين مبدعين من الطراز الذي اصبحت افكارهم مشاعل للأجيال ، نعم هذا النوع من المثقفين هو الوحيد القادر ان يميل الكفة لصالح العلم والمعرفة ، اما ان يكون المثقف من النوع المتواضع فهذا كسب مجاني للتخلف على حساب العلم . وللتذكير ان عملية نقل ابداعات مفكري الشعوب الاخرى هو اعتراف ضمني بالعجز وعدم القدرة على الابداع ، إذا الأفكار الابداعية الخلاقة التي يطرحها المثقف والقادرة على تغيير الأعماق وتناسبها مع الواقع كفيلة بخلق الكوادر المجتمعية التي تستطيع ان تعانق المستقبل بجدارة .
ان عملية خلق الأفكار الابداعية الصحيحة والمناسبة مع الواقع تمر بثلاثة مراحل ، المرحلة الاولى تشخيص مواطن الخلل في المجتمع وتحديدها بشكل دقيق وعلمي والمرحلة الثانية دراسة مستفيضة لمواطن الخلل ونقاط القوة ومغذياتها ونقاط الضعف ثم المرحلة الثالثة وهي مرحلة وضع العلاجات المناسبة لكل حالة على حده دون الخلط ، فالتخلف ليست مفردة عابرة او دخيلة تكونت على السطح بل لها جذور عميقة بعمق التأريخ فعملية قلعها من الجذور و استئصالها لا تتم بين ليلة وضحاها او بمجرد بعض التغييرات السطحية الشكلية ، فهي لقادرة على اعادة نفسها وبسرعة ، فليس هناك مجال لإعادة التجربة حين الفشل وليس هناك مجال للوهم او الخيال او الاندفاع العاطفي وليس هناك مجال لترك فراغات زمنية فهذه كلها رهانات خاسرة .
ان محاربة ذات الدين خطأ كبير وهذا ما يجعل الكفة تميل لأدعياء التخلف وان محاربة ذات القبيلة فهو خطأ آخر لا ينبغي للمثقف او المفكر ان ينجر وراءه لأن ذلك سيكون وبلا شك واحدة من اسلحة أدعياء التخلف .
ان الهدف الرئيس هو سيادة العلم والتفكير العلمي والعقل العلمي والمعرفة على سير الحياة وليس الهدف الانتقام من رموز معدودة وليس الانتقام من الموروثات الطبيعية للأنسان ، وان التخلف هو من يختبأ وراء الدين ووراء القبيلة وعملية فصلهما لها الاولوية وهي عملية تحتاج الى قدرات استثنائية وامكانات ابداعية عالية المستوى . وقد تكون البداية صعبة وعسيرة الى حد كبير ولكن بعد خطوات مع وجود الارادة والوعي سترون كيف تتساقط قطع الدومينو واحدة تلو الأخرى .
المثقف الذي لا يعاني ليس بمثقف فهو كتلة من المعاناة المتسلسلة ، أختار لنفسه الطريق الأصعب في الحياة فهو الأمل للمجتمع ، وأكثر الأحيان هو الجندي المجهول الذي يعطي ولا يأخذ وقد يفارق الحياة ولم يرى حصاد جهده ، هذه الحقيقة يجب ان يدركها ويعيها كل مثقف نذر نفسه لخدمة الإنسان والإنسانية فمهما تعب يجب ان يعيد نفسه فهو بمثابة الشمس للمجتمع فيها الدفء وفيها الضوء وفيها الحياة ، فالحمل ثقيل والمجتمع يأن من وجع التخلف الذي ضرب جميع مفاصل الحياة وشلها تماما ، فلا خير في ثقافة لم تفضي الى قلب الواقع وهزيمة التخلف .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close