مؤمنون أم محافظون؟

حميد الكفائي

الإيمان بطبيعته شأن فردي يتعلق بالقناعات الشخصية للإنسان، التي تتولد عبر التفكير والقراءة والتجارب الشخصية والاستماع للآراء الأخرى، أما المحافظة فهي رغبة في الاستمرار في ممارسة السائد من العادات والتقاليد والأزياء وطرق التعامل والتواصل بين الناس.

كثيرون يخلطون بين الاثنين، ويتوهمون بأن المألوف والموروث مرتبطان بالإيمان والعقيدة، أي يعتبرون القديم والمألوف مقدسا، لذلك أصبح الكثير من الموروثات، حتى الضار منها، مقدسا ولا يمكن التخلي عنه بسبب هذا الخلط.

كثيرون أيضا يعتقدون بأنهم مؤمنون وأتقياء لمجرد أنهم متمسكون بالموروث الذي تركه لهم الآباء والأجداد، حتى وإن تعارض مع الثابت من مبادئ العقيدة، أو المبرهَن على صحته من العلوم والتطبيقات العلمية، لكن هؤلاء محافظون في الحقيقة، وليسوا بالضرورة مؤمنين كما يتوهمون، والدليل أنهم يخالفون الصريح والواضح من معتقداتهم من أجل التمسك بالعادات الموروثة التي لا يستطيعون مغادرتها لسبب أو لآخر.

هناك أيضا من اختلق أحاديث نبوية أو فسّر نصوصا دينية كي توافق العادات والعصبيات الموروثة من أجل أن يُبقي على ما وجد عليه آباءه وأجداده، وبهذه الطريقة اختلطت العقائد بالعادات والقيم الدينية بالتقاليد الموروثة وتأبدت الأخيرة رغم مساوئها وأضرارها لأنها أصبحت مقدسة عند ممارسيها، ولا يمكن المساس بها.

ليس هناك في العقائد الدينية، ويجب ألا يكون، خصوصا وأن هدفها الأساس هو إسعاد الناس وتسهيل أمور حياتهم، ما يخالف الثابت علميا والنافع عمليا، فالعلم والنفع هما الأساس لكل شيء، ومن يخالف الثابت علميا والنافع عمليا هو إما جاهل أو مكابر ومتحامل، أو ساعٍ إلى إلحاق الضرر بأهله ومجتمعه.

المجتمعات المتأخرة هي تلك التي تتمسك بالموروث الخرافي المناقض للعلوم والتطور والحياة العصرية، وكل ما تفعله هذه المجتمعات هو أنها تؤخر نفسها عن المجتمعات الاخرى عقودا أو قرونا بحجة التميُّز الثقافي وصيانة الهوية وحماية المعتقدات، لكن طبيعة الأشياء تضطرها في النهاية إلى الالتحاق بركب التطور العلمي، عندما يدرك قادتها بأنهم تأخروا عن باقي المجتمعات، أو يبدأ المتنورون والمتعلمون والتقدميون بين أفرادها بالتخلي عن العادات الموروثة المناقضة للعلم والتطور، من أجل الالتحاق بركب الشعوب المتطورة والاستمتاع بالحياة العصرية.

يروي وزير الخارجية البريطاني الأسبق، ديفيد أوين، الذي تنتمي عائلته إلى فئة دينية (كويكرز) ترفض وسائل الحياة العصرية وتصر على العيش كما كان الأجداد يعيشون قبل مئات السنين، أنه عندما أصبح وزيرا للخارجية عام 1977، لم يعد بإمكانه أن يزور والديه والمكوث معهما طويلا، لأنهما يعيشان في قرية نائية ويرفضان استخدام متطلبات العصر الحديث في المنزل، كالهاتف والكهرباء ومياه الإسالة والثلاجة والتلفزيون، بينما يتطلب عمله، كوزير للخارجية، أن يتواصل مع الحكومة والاطلاع على ما يجري في العالم. ويضيف أوين أنه بعد مقاطعة اضطرارية لعائلته لفترة من الزمن، اقتنع والده بضرورة (التساهل) قليلا والسماح بربط المنزل بالهاتف على الأقل، من أجل أن يُمكِّن ابنه من زيارته دون الإضرار بمهام وظيفته كوزير خارجية!

في بعض المجتمعات الغربية، هناك من يرفض تلقي الدم من الآخرين عندما يحتاج إليه أثناء الحوادث أو العمليات الجراحية، والأسباب دينية طبعا، بينما المعروف في كل الأديان العقلانية أن الحياة مقدسة ويجب الحفاظ عليها بأي وسيلة بما في ذلك نقل الدم أو الأعضاء البشرية من شخص لآخر.

يرى علماء الاجتماع أن المحافظة حالة طبيعية موجودة بين الناس في كل المجتمعات والثقافات، وسببها أن الإنسان يميل إلى التمسك بالمألوف والمعتاد ويتردد في قبول الجديد، وهذه ليست بالضرورة صفة سلبية أو ضارة كليا، إن لم يشُبْها تعصبٌ ولم تختلط بعقيدة دينية تضفي عليها القداسة.

من حق الإنسان أن يكون محافظا وأن يتبع ما يرثه من سلوك وعادات، إن كانت ستجعله سعيدا، ولكن ليس من حقه أن يقسر الآخرين على هذا السلوك، حتى وإن كانوا أبناءه أو مرؤوسيه، وليس صحيحا أن يقدس العادات لأنها تتغير بمرور الزمن مع تغير ظروف الحياة وظهور أنماط جديدة من السلوك.

المحافظة العقلانية تتقبل الحقائق العلمية ولا تعارض التطور، وهي تتغير أو تضمحل أو تتلاشى بمرور الزمن بعد أن تتضح منافع التطور وأثرها على تحسين حياة الناس وظروف عملهم ومعيشتهم. فالمحافظون في أوروبا كانوا سابقا يحملون أفكارا عنصرية أو طبقية، وكان بعضهم متعصبا لها، لكنهم الآن لبراليون وتقدميون نسبيا، وأحيانا لا يمكن تفريقهم عن اليساريين والتقدميين.

في بريطانيا مثلا، جون ميجور وديفيد كاميرون، وهما رئيسان سابقان للحكومة عن حزب المحافظين اليميني، لا يختلفان كثيرا في سياساتهما وأفكارهما عن توني بلير وغوردن براون، رئيسي الحكومة عن حزب العمال (اليساري)، إذ تقلصت شقة الخلاف بمرور الزمن بين المحافظين والتقدميين.

وفي ألمانيا أيضا، اقتربت سياسات المحافظين، الذين يمثلهم الاتحاد الديمقراطي المسيحي، مع سياسات الحزب الديمقراطي الاجتماعي، حتى أصبحت أنجيلا ميركل، زعيمة المحافظين، رمزا للبرالية في العالم، إذ فاقت في لِبراليتها غيرهارد شرودر وهلمت شميت، مستشاريْ ألمانيا عن الحزب الديمقراطي الاجتماعي (اليساري).

وفي فرنسا، لم يختلف الحزبان الرئيسيان، الاشتراكي (اليساري) والديغولي (اليميني)، إلا في بعض السياسات الاقتصادية، الأمر الذي مكّن الرئيس الحالي مانويل ماكرون، الوزير والعضو السابق في الحزب الاشتراكي، أن يؤسس تيارا جديدا مستقلا عنهما، الجمهورية المتقدِّمة (أو التقدمية)، ويحقق فوزا ساحقا في انتخابات عام 2017، رغم صغر سنه وقصر تجربته السياسية، مستقطبا أنصارا من الطرفين. أما اليمينيون المتطرفون فقد أصبحوا أقلية هامشية يمثلهم حزب “الجبهة الوطنية” بقيادة مارين لوبان، التي ورثت الزعامة عن أبيها، جون ماري لوبان. وقد اضطر الحزب في السنوات الأخيرة إلى تغيير اسمه إلى (التيار الوطني) بسبب السمعة السيئة التي التصقت بالاسم السابق.

أما في الولايات المتحدة، فقدت ظلت السياسة متأخرة عموما عما هي عليه في أوروبا، إذ بقي اليمينيون والمتدينون متحالفين ومندمجين ببعضهم البعض في الحزب الجمهوري، الذي أصبح أكثر يمينية وتطرفا وتدينا في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي لم يعرف عنه أي التزام ديني على المستوى الشخصي، لكنه (متدين) سياسيا ومستفيدا من دعم المتدينين له! أما الديمقراطيون، ورغم تمثيلهم للفقراء والعمال، إلا إنهم يترددون في وصف أنفسهم بـ”اللبرالية”، لأن هذه الكلمة ظلت تحمل دلالة سلبية في أمريكا حتى يومنا هذا، وطالما اتهم الجمهوريون خصومهم الديمقراطيين باللبرالية، باعتبارها صفة سيئة وضارة!

المحافظون في ألمانيا وفرنسا تخلوا عن عملتيهما العريقتين، المارك والفرانك، ليتبنوا عملة اليورو الجديدة لأنهم أدركوا أن التعلق بالماضي سيعيق التقدم نحو المستقبل، وكذلك فعل الإسبان واليونانيون وباقي الأوروبيين، لكن الأمر كان صعبا على البريطانيين المعروفين بمحافظتهم وتمسكهم بالموروث الثقافي، فظلوا محتفظين بالجنيه الإسترليني، وانتهى الأمر بهم إلى الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، على الرغم من إدراك معظم قادتهم السياسيين والاقتصاديين بأن الانسحاب ليس في مصلحة بريطانيا.

يمكن المحافظ العقلاني أن يحتفظ ببعض القيم والعادات الموروثة التي لا تتعارض مع قيم العصر، كالزي والمأكولات وطرق العيش وبعض العادات الاجتماعية النافعة. هناك عادات وطقوس بقيت تتحدى الزمن على مر العصور، ربما لأنها نافعة، أو على الأقل ليست ضارة، فأصبحت جزءا من الهوية الثقافية للشعوب.

لكن المشكلة تبرز عندما يحاول المحافظون المتعصبون ربط المحافظة بالعقيدة الدينية أو الهوية الثقافية أو الوطنية، من أجل الإبقاء على العادات الموروثة، في تحدٍ صارخ وغير معقول للتطور النافع، بل في تحدٍ إلى الصريح والثابت من العقائد الدينية التي تدعو إلى السعي إلى الخير وكل ما ينفع الناس، (أما الزَبَد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).

في بداية القرن الماضي، أفتى بعض رجال الدين في العراق بحرمة ركوب القطار (الشمندفر) أو (chemin de fer) بالفرنسية، وورد في فتواهم (يتركون حمير الله ويركبون الشمندفر. لعن الله من ركب الشمندفر أو شجع على ركوبه)! لكن لم ينتبه أحد لفتواهم هذه لأنها تتعارض بقوة مع مصالح الناس، خصوصا وأن نفع القطار كان واضحا للناس جميعا.

هناك محافظون يعتقدون “بأننا يمكن أن نأخذ ما يناسبنا من القيم ومظاهر الحياة العصرية، وفي الوقت نفسه نبقي على العادات التي اعتدنا على ممارستها”. وعلى الرغم من أن هناك وجاهة في هذا الرأي، إذ يمكننا أحيانا أن ننتقي ما يناسبنا ونترك غير المناسب، فإن قيم ومتطلبات العصر تخلق عاداتها وثقافاتها الخاصة بها، والتي قد تتعارض مع العادات السابقة أو مع بعضها، وهذا هو السبب الأساس لتغير عادات وتقاليد المجتمعات.

في السابق كانت العادات راسخة على مر العصور، لأن وتيرة التقدم العلمي والاقتصادي كانت بطيئة، على العكس من عصرنا الحالي الذي تتسارع فيه التطورات العلمية في كل اتجاه، والتي تنعكس بالضرورة على قيم المجتمع وعاداته. ومن هنا أصبح تغير العادات والتقاليد حتميا، فإما التمسك بالماضي ونبذ قيم العصر، أو الإقبال على مقتنيات العصر ومتطلباته، وهجر العادات القديمة.

خذ مثلا الاتصالات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي التي شاعت خلال العقدين المنصرمين. لقد قلصت هذه الوسائل وانشغالاتها من عادات التزاور والتواصل المباشر الذي كان سائدا بين الناس، فاضمحلت هذه العادات كثيرا في السنوات الأخيرة، ليس لأنها سيئة أو ضارة، وإنما لانتفاء الحاجة إليها، خصوصا بالكثافة التي كانت تحصل سابقا، لأن الوقت المتوفر لمثل هذا التواصل لم يعد متاحا بسبب كثرة الانشغالات الحديثة.

إن التطور الاجتماعي والمهني المبني على العلوم والتجارب الناجحة والمعارف المكتسبة عبر الخبرة العملية، قد سهّل الحياة البشرية كثيرا، وجعل الناس أكثر سعادة، والحياة أكثر سهولة ومتعة. والتطور أمرٌ حتمي يحدث نتيجة لتراكم المعرفة والخبرة لدى الناس، وعليه يعتمد تقدم البشرية ورقيها وسعادتها، ولولاه لبقي بنو البشر يعيشون في الكهوف ويعتاشون على الصيد.

أما التمسك بالموروث لمجرد أنه مألوف ومريح، ومقاومة الجديد خشية منه، أو تهيبا من عدم اتقانه، أو جهلا بفوائده، فهو ضار في أكثر الأحيان، لأنه يؤخر ممارسيه ويبقيهم في الماضي، بينما يمضي الآخرون قدما إلى الأمام.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close