ماذا عن السيستاني؟ هل يبيح الاستيلاء على أموال الدولة باعتبارها مجهولة المالك؟ -٢

ماذا عن السيستاني؟ هل يبيح الاستيلاء على أموال الدولة باعتبارها مجهولة المالك؟ -٢

أزمة الفقه الشيعي الاثني عشري في الموقف من الدولة وأموالها

يرفض السيد علي السيستاني التصرف بأموال الدولة، ويقول جوابا عن سؤال حول الموضوع:” لا نأذن بالتصرف في اموال الحكومة في الدول الاسلامية بغير الطرق القانونية بأي نحو من الانحاء”. و”بالنسبة للمعاملات التي تجريها الدولة رعاية للمصلحة العامة مثل شراء الأدوية الأدوية فسماحة السيد حفظه الله يمضيها والدولة بالنسبة اليها مالكة وأما المعاملات التي لا شأن لها بالمصلحة العامة مثل شراء الأسلحة فسماحة السيد حفظه الله لا يمضيها ولا تكون الدولة بالنسبة اليها مالكة ولكن وبصورة عامة سماحة السيد لا يجيز التصرف في أموال الدولة إلا إذا حصل عليها بالطرق القانونية المرعية وبغير ذلك فلا يجيز التصرف فيها نهائياً فالسرقة والإختلاس والخدعة وأمثالها اساليب لا يجيزها بالنسبة لأموال الدولة بتاتاً” .

https://www.sistani.org/arabic/qa/0714/

المرجع الالكتروني للمعلوماتية، أجوبة الإستفتاءات الشرعية طبقاً لفتاوى المرجع الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني

ولكن ربما كانت هذه الفتاوى استثناء من فتاوى قديمة له، أو استثناء من موقف عام يعتبر فيه أموال الدولة مجهولة المالك، ويجوز الاستيلاء عليها، باذن “الحاكم الشرعي” وبما أن السيستاني يعتبر نفسه “حاكما شرعيا، ووليا لأمر المسلمين، ونائبا عاما عن الامام المهدي الغائب” فان من حقه أن يأذن بالتصرف بأموال الدولة أو لا يأذن، ولذلك فانه اصدر تلك الفتاوى الآنفة بعدم جواز التصرف بأموال الدولة العراقية أو الدول الإسلامية، بصورة عامة.

ويمكننا الاطلاع على رأيه المبدئي أو القديم، حول مجهولية أموال الدولة، في عدد من الفتاوى المنشورة في موقعه وفي رسالته العملية:

منهاج الصالحين – السيد السيستاني – ج ١ – الصفحة ٤٢٩
https://www.sistani.org/arabic/book/13/696/

وهي كالآتي:

مسألة ٢٧: السحب على المكشوف مرده الى الاقتراض من البنك بشرط دفع الفائدة، فهو قرض ربوي محرم، … نعم اذا كان البنك حكوميا أو مشتركا فلا بأس بالسحب منه، ولا يقصد الاقتراض، بل بقصد الحصول على المال المجهول مالكه.

مسألة ٢: لا يجوز الاقتراض من البنوك الحكومية بشرط دفع الزيادة، لأنه ربا، بلا فرق بين كون الاقتراض مع الرهن أو بدونه، ولو اقترض كذلك بطل القرض والشرط معا، لأن البنك لا يملك ما تحت يده من المال ليملكه للمقترض.

وللتخلص من ذلك يجوز للشخص أن يقبض المال من البنك بعنوان (مجهول المالك) لا بقصد الاقتراض، والأحوط أن يكون ذلك بإذن الحاكم الشرعي، ثم يتصرف فيه بعد المراجعة اليه لإصلاحه، ولا يضره العلم بأن البنك سوف يستوفي منه أصل المال والزيادة قهرا، فلو طالبه البنك جاز له الدفع حيث لا يسعه التخلف عن ذلك.

(مسألة 5): لا يجوز الإيداع في البنوك الحكوميّة – بمعنى إقراضها – مع اشتراط الحصول على الزيادة فإنّه رباً، بل إيداع المال فيها ولو من دون شرط الزيادة بمنزلة الإتلاف له شرعاً؛ لأنّ ما يمكن استرجاعه من البنك ليس هو مال البنك، بل بحكم المال المجهول مالكه.
وعلى ذلك يشكل إيداع الأرباح والفوائد التي يَجنيها الشخص أثناء سنته في البنوك الحكوميّة قبل إخراج الخمس منها؛ لأنّه مأذون في صرفه في مؤونته وليس مأذوناً في إتلافه، فلو أتلفه ضمنه لأصحابه.
هذا إذا لم ‏يقع الإيداع بإذن الحاكم الشرعي مع ترخيصه للبنك في أداء عوض المال المودع ممّا لديه من الأموال، وأمّا الإيداع مع الإذن والترخيص المذكورين – كما صدر ذلك منّا للمؤمنين كافّة – فيقع صحيحاً ويجري عليه حكم الإيداع في البنك الأهلي.
وأمّا الزيادة الممنوحة من قِبَل البنك وفق قوانينه فقد أذِنّا للمُودعين بالتصرّف في النصف منها مع التصدّق بالنصف الآخر على الفقراء المتديّنين.

(مسألة 7): تشترك البنوك المشتركة مع البنوك الحكوميّة فيما تقدّم من الأحكام؛ لأنّ الأموال الموجودة لديها يُتعامل معها معاملة مجهول المالك، فلا يجوز التصرّف فيها من دون إذن الحاكم الشرعي.

(مسألة 8): ما تقدّم كان حكم الإيداع والاقتراض من البنوك الأهليّة والحكوميّة في الدول الإسلاميّة، وأمّا البنوك التي يقوم غير المسلمين بتمويلها – أهليّة كانت أم غيرها – فيجوز الإيداع فيها بشرط الحصول على الفائدة؛ لجواز أخذ الربا منهم.
وأمّا الاقتراض منها بشرط دفع الزيادة فهو حرام. ويمكن التخلّص منه بقبض المال من البنك وتملّكه لا بقصد الاقتراض، فيجوز له التصرّف فيه بلا حاجة إلى إذن الحاكم الشرعي.

مسألة ٢٤: جوائز البنك، قد يقوم البنك بعملية القرعة بين عملائه ، ويعطي لمن تصيبه القرعة مبلغا من المال بعنوان الجائزة ترغيبا للايداع فيه. هل يجوز للبنك القيام بهذه العملية ،

الجواب: فيه تفصيل: فانه ان كان قيامه بها لا باشتراط عملائه عند ايداعهم لأموالهم في البنك، بل بقصد تشويقهم وترغيبهم على تكثير رصيدهم لديه، وترغيب الآخرين على فتح الحساب عنده جاز ذلك، كما يجوز عندئذ لمن اصابته القرعة أن يقبض الجائزة – مع الاستئذان من الحاكم الشرعي على الاحوط – بعنوان مجهول المالك، اذا كان البنك حكوميا أو مشتركا، ثم يتصرف فيها بعد مراجعة الحاكم الشرعي لاصلاحها، واذا كان البنك أهليا جاز قبض الجائزة والتصرف فيها بلا حاجة الى مراجعة الحاكم الشرعي.

مسألة ٣٠: الاموال الموجودة في البنوك الحكومية والمشتركة في البلاد الإسلامية لما كانت تعد من المال المجهول المالك الذي لا يجوز التصرف فيه من غير مراجعة الحاكم الشرعي، فيشكل حينئذ العمل لدى هذه البنوك في قبض الأموال وتسليمها الى المتعاملين مع البنك ممن يتصرفون فيها من غير مراجعة الحاكم الشرعي لاصلاحها.

سؤال الى السيستاني: هل صدر من سماحتكم اذن عام لجميع من قلدكم في قبض مجهول المالك او الاذن خاص لمن يطلب ذلك؟

الجواب: قد أذنا لاخواننا المؤمنين وفقهم الله تعالى لمراضيه فيما يستلمونه من المؤسسات الحكومية أو المشتركة بالطرق القانونية، أن يقبضوه من قبل موكلينا من الفقراء بنية التصدق عليهم، ثم يتملكوه لأنفسهم. هذا في الرواتب ونحوها، وأما في الفوائد المصرفية وشبهها فقد اذنا لهم في تملك النصف منها بالطريقة المذكورة بشرط التصدق بالنصف الآخر على الفقراء المتدينيين.

… هذا كله اذا كان البنك أهليا، وأما اذا كان حكوميا أو مشتركا فحيث ان البنك يسدد دين فاتح الاعتماد من المال المجهول مالكه، فلا يصير مدينا شرعا للبنك بشئ، فلا يكون التعهد بأداء الزيادة اليه من قبيل التعهد بدفع الربا المحرم.

وقد أثارت فتوى السيستاني باعتبار أموال الدولة والبنوك الحكومية والمشتركة والأهلية مجهولة المالك، أزمة كبيرة لدى مقلديه في عدد من البلاد، فاجتمع عدد من وكلائه وارسلوا له هذه الرسالة:

بسمِ اللهِ الرَّحمن الرَّحيم / سماحة الإمام المرجع الديني الأعلى السيِّد علي السيستاني مُدَّ ظله العالي / بعد الدعاء لكم بطول العمر في توفيقٍ وتسديدٍ وخير وعافية، نرغبُ في أن نعرض عليكم قضيةً من أهمِّ القضايا الاجتماعية الدينية – الَّذين كتبوا هذه الرسالة ( جمعٌ من وكلائكم ) من وكلاء السيستاني في دول الخليج- نرغبُ في أن نعرض عليكم قضيةً من أهم القضايا الاجتماعية الدينيَّة والَّتي لا علاج لها إلَّا تفضلكم بالإجازة وهي أنَّ تقيُّد المؤمنين الموظفين لدى الدولة والتزامهم بمبناكم القائل بالمعاملةِ مع الأموال الصادرةِ عن الدولة معاملة (مجهول المالك) أوقع الكثير منهم في الحرج الشديد من حيث حاجتهم للاستئذان حتَّى في مواريثهم وهباتهم وقروضهم وفضولية حوالاتهم على البنك -فضولية يعني ما فَضُل ما زاد- وفضولية حوالاتهم على البنك في تسديد ثمن المبيع وقِيم المتلفات وأداء الدَّيَن وصعوبة التمييز والتعامل لـمن كان حسابهُ في البنكِ الأهلي بين ما كان من رواتبهِ المحوَّلة وما كان من أمواله المودعة في البنك من قبلهِ، مُضافاً للحماس الديني عند كثيرٍ منهم ورغبتهِ الشديدة في تخميس رواتبهِ وإن لم تكن مقبوضةً إصراراً منه على إثراء مصارف الخُمس وسدِّ حاجات الفقراء والمعوزين الَّذين لا مورد لهم سوى الحقوق الشرعية ولذلك كلِّهِ رأى جمع من وكلائكم في المنطقة مع بعض المؤمنين الغيورين أن يرفعوا لسماحتكم طلباً ورجاءً مؤكَّداً بأن تتفضلَّوا بإمضاء العقود الوظيفية الجارية بين الدولة وجميع المؤمنين المرتبطين بسماحتكم لِمَا في ذلك من المصالح المهمَّةِ العامة وسدِّ باب الارتباك والحرج عن كثيرٍ من المؤمنين حفظكم الله تعالى ذخراً للإسلامِ والمسلمين ودُمتم مؤيَّدين / جمعٌ من وكلائكم.

وأجابهم السيد السيستاني بما يلي:

· بسمهِ تعالى / بعد السلامُ عليكم والدعاء لكم بمزيدِ التأييد والتسديد استجابةً لطلبكم هذا وطلباتٍ أخرى وردتنا من سائر البلاد الإسلامية قرَّرنا من التاريخ المحرر في أدناه -يعني 5/ جمادى الأولى/ 1422- قرَّرنا من التاريخ المحرَّر في أدناه – إمضاء جميع عقود التوظيف وما شاكلها من المعاملاتِ المشروعة الَّتي يبرمها المؤمنون مع الجهات والمؤسَّسات والشركات والبنوك الحكومية في الدول الإسلامية وبذلك تلحقها الأحكام الثابتة في حال إبرام تلك العقود مع الجهاتِ غير الحكومية / وفَّق اللهُ الجميع لِمَا يُحب ويرضا والسلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاته. 5 / جمادى الأولى / 1422 –

السيِّد علي الحسيني السيستاني.

(كتابُ الرافدُ في أحكامِ خُمسِ الأرباحِ والفوائد) طبقاً لفتاوى سماحة السيِّد أبو القاسم الموسوي الخوئي قُدِّس سِرُّه وسماحة السيِّد علي الحسيني السيستاني دام ظله، الطبعة الثالثة،

ولكن السيد السيستاني لم يحل في الحقيقة المشكلة المستعصية لديه، ولم يبحث جذر الأزمة، وهي المشكلة المتمثلة في الايمان بنظرية الامامة الإلهية وكون الائمة الاثني عشر منصوبين ومعينين من قبل الله تعالى لحكم الأمة الإسلامية، وبوجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) وغيبته منذ ولادته في أواسط القرن الثالث الهجري، واستمرار حياته الى اليوم، ثم الاعتقاد بفرضية (النيابة العامة للفقهاء عن الامام المهدي) واعتبار السيد السيستاني نفسه فقيها وبالتالي نائبا عاما عن الامام المهدي وحاكما شرعيا ووليا لأمر المسلمين، وعدم ايمانه بالدول الإسلامية القائمة، ثم اعتبار أموالها مجهولة المالك يحق لأي انسان الاستيلاء عليها بأي طريق بشرط تخميسها (اخراج الخمس منها) واستثناء ذلك الحكم الأولي بعدم إجازة السيستاني في بعض الأحيان التصرف بأموال الدول الإسلامية، كالفتاوى التي اشرنا اليها في مقدمة هذا البحث.

وقد بحثنا جذور المشكلة في مقال سابق، ونعيد نشره توخيا للفائدة:

أزمة الفقه الشيعي الامامي الاثني عشري في الموقف من الدول الحديثة وأموالها

يعيش الفقه الشيعي الامامي الاثنا عشري أزمة كبيرة في موقفه من الدولة وما يتعلق بها من أموال وأحكام. وقد كان الفقهاء الشيعة يتخذون موقفا سلبيا من الدولة أية دولة في ما يسمى بعصر الغيبة (أي غيبة الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري منذ ولادته في ٢٥٥ هجرية) وكانوا يعتبرون كل دولة ظالمة وغير شرعية. وذلك لأن الفكر الامامي يعتقد بأن الدولة الشرعية الوحيدة هي دولة الامام المعصوم المعين من قبل الله (كالأئمة الاثني عشر).

ولدى الفقهاء الشيعة أحاديث ومرويات كثيرة في أمهات كتبهم تؤكد على هذه النظرية، وتسلب الشرعية من الدول التي كانت قائمة في زمان “الأئمة من أهل البيت”.

ومع ان هذه النظرية (الامامية) وصلت الى طريق مسدود في منتصف القرن الثالث الهجري، بوفاة الامام الحسن العسكري سنة ٢٦٠ دون أن يتحدث عن مصير الامامة بعده، ودون أن يذكر أو يشير الى وجود ولد له لكي تستمر الامامة فيه، الا أن الشيعة (الاثني عشرية) افترضوا وجود ولد مخفي له، وقالوا انه (الامام الثاني عشر المهدي المنتظر الغائب). ولكن هذه الفرقة (الاثني عشرية) وقعت في مأزق طويل وعميق استمر أكثر من الف عام، حرمت فيه إقامة الدولة وأي نشاط سياسي في (عصر الغيبة) الا عند ظهور ذلك الامام المعصوم الغائب، وذلك كما يقول العلامة الحلي في كتاب (الألفين) لأنه يشترط في الرئيس أو الحاكم أن يكون معصوما معينا من قبل الله، ولما كان غيره غير معصوم ولا معين من قبل الله، حتى لو كان فقيها عادلا، فانه لا يمكن ولا يجوز أن يصبح رئيسا. ولا رئيس الا الامام المعصوم.

بيد أن الشيعة الاثني عشرية خرجوا أخيرا من ذلك المأزق التاريخي، بسلم (ولاية الفقيه) بعد أن افترضوا بأن كل فقيه شيعي هو نائب عام للامام المهدي الغائب، وبالتالي يحق له تولي مهام الامامة، حتى ان لم يكن معصوما ولا معينا من قبل الله. وفي الحقيقة كان قولهم هذا نوعا من الثورة على نظرية الامامة الإلهية، وتخليا عن الشروط القاسية التعجيزية التي حالت دون ممارستهم للحكم والسياسة وإقامة الدول، كما حدث أخيرا في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تحت قيادة الامام الخميني، والجمهورية العراقية، تحت قيادة السيد علي السيستاني، الذي دعا الى كتابة الدستور وإقامة نظام ديموقراطي في العراق.

ولكن السيستاني وبقية الفقهاء الشيعة لم يضفوا الشرعية على الدول التي لا تخضع لقيادتهم الدينية بصورة تامة مائة بالمائة، وانما تعاملوا معها بصورة تكتيكية ومؤقتة، مع الاحتفاظ لأنفسهم بالسيادة العليا عليها.

وبالرغم من عدم وجود أي دليل على وجود (الامام المهدي) أو فرضية (النيابة العامة للفقهاء) عن ذلك الامام ، فان الفقهاء الشيعة تقمصوا دور الأئمة في التاريخ، في موقفهم من الحكومات المعاصرة. وبعبارة أخرى أصبحوا “أئمة” جددا، وبعد أن كان لنا في عصر كل إمام امام واحد، أصبح لدينا اليوم عشرات بل مئات الأشخاص (الفقهاء) الذين يدعون الامامة ويمارسون أدوارها في وقت واحد.

وهذا في الواقع مأزق جديد وأخطر من المأزق السابق (تحريم إقامة الدولة في عصر الغيبة) وذلك لأنه يعطي أشخاصا غير معصومين ولا معينين من الله كالفقهاء، صلاحيات النبي والأئمة المعصومين، كما قال الامام الخميني في خطابه عام ١٩٨٨ حول (الولاية المطلقة). ويجعل منهم حكاما مستبدين يفعلون ما يشاؤون ولا يسمحون لأي أحد بأن ينتقدهم أو يحاسبهم أو يثور عليهم، ويكادون يدعون لأنفسهم (العصمة العلمية والسياسية)!

ويمكننا في ظل هذا التطور أو التدهور السلبي في الفكر السياسي الشيعي المعاصر، فهم بعض الفتاوى العجيبة الغريبة التي تصدر من بعض الفقهاء المعاصرين كالسيد الخوئي، والسيد محمد الصدر، والسيد علي السيستاني والشيخ إسحاق الفياض، والسيد محمد سعيد الحكيم، والشيخ محمد اليعقوبي، وغيرهم، في ما يتعلق بأموال الدولة واعتبارها أموالا مجهولة المالك، يجوز لأي شخص الاستيلاء عليها، وإخراج خمسها واعطائه للفقهاء المراجع، واخذ الباقي حلالا زلالا، وهو ما أدى الى شيوع ظاهرة النهب العام لأموال الدولة العراقية الراهنة من قبل “الإسلاميين” المتدينين الذين “يقلدون” هؤلاء المراجع وغيرهم.

وقبل أن نستعرض فتاوى هؤلاء “الفقهاء المراجع” يجدر بنا أن نذكر بعض الأحاديث التي يرويها الامامية ولا سيما الكليني في (الكافي)عن أئمة أهل البيت وموقفهم من الدول المعاصرة لهم، وحكم أموالهم.

الامام محمد الباقر: الأرض كلها لنا!

١- عن ابي جعفر (ع) قال: وجدنا في كتاب علي عليه السلام ” أن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ” أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الله الأرض، ونحن المتقون، والارض كلها لنا، فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها إلى الامام من أهل بيتي وله ما أكل منها فإن تركها أو أخربها وأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها فهو أحق بها من الذي تركها، يؤدي خراجها إلى الامام من أهل بيتي وله ما أكل منها حتى

يظهر القائم من أهل بيتي بالسيف، فيحويها ويمنعها ويخرجهم منها، كما حواها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومنعها، إلا ما كان في أيدي شيعتنا فإنه يقاطعهم على ما في أيديهم و يترك الارض في أيديهم.

الامام الصادق: الأرض كلها لنا!

٢- عن أبي عبد الله الصادق، أنه قال: إن الارض كلها لنا ….فما أخرج الله منها من شئ فهو لنا… وكل ما في أيدي شيعتنا من الارض فهم فيه محللون حتى يقوم قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في أيديهم ويترك الارض في أيديهم وأما ما كان في أيدي غيرهم فإن كسبهم من الارض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا، فيأخذ الارض من أيديهم ويخرجهم صغرة… أما علمت أن الدنيا والآخرة للامام يضعها حيث يشاء…

٣- عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (ع) قال: قلت له: أما على الامام زكاة؟ فقال: أحلت يا أبا محمد أما علمت أن الدنيا والآخرة للامام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء، جائز له ذلك من الله، إن الامام يا أبا محمد لا يبيت ليلة أبدا ولله في عنقه حق يسأله عنه. ان الدنيا وما عليها لرسول الله صلى الله عليه وآله.

الكافي: ج 1 ص 408 و التهذيب: ج 4 ص 144 ب‍ 39 ح‍ 25

وتتضمن تلك الروايات عن الباقر والصادق أحكاما متفرعة عن أصل ملكية الأئمة للأرض وما عليها، وهو السماح للشيعة الموالين للأئمة بالتمتع بأموال الدول “الظالمة” (غير الشرعية) بعد اخراج الخمس منها وتسليمه للأئمة، أو حتى إضفاء الحلية على تلك الأموال من دون اخراج الخمس. كقول الامام الصادق (لمسمع أبي سيار) الذي ولي الغوص للدولة العباسية، في البحرين، فأصاب أربعمائة ألف درهم، وجاء بخمسها البالغ ثمانين ألف درهم ، الى الصادق، وقال له :كرهت أن أحبسها عنك وأن أعرض لها وهي حقك الذي جعله الله تبارك وتعالى في أموالنا، فقال: يا أبا سيار قد طيبناه لك وأحللناك منه فضم إليك مالك. وكل ما في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون حتى يقوم قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في أيديهم، ويترك الأرض في أيديهم، وأما ما كان في أيدي غيرهم فإن كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا، فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم صغرة. ” قال عمر بن يزيد: فقال لي أبو سيار: ما أرى أحدا من أصحاب الضياع ولا ممن يلي الأعمال يأكل حلالا غيري، إلا من طيبوا له ذلك “.

الكوراني، معجم احاديث المهدي، عن : ملاذ الأخيار: ج 11 ص 241 ب‍ 11 ح‍ 9 – عن التهذيب: ج 4 ص 144 ب‍ 39 ح‍ 25 –

ويظهر من هذا الحديث الذي يرويه الكليني والطوسي، في أمهات كتب الحديث الشيعية، أن بعض الأئمة كالامام الصادق لم يكن يأخذ الخمس، وأنه كان يحلل الأموال لشيعته، خلافا لأئمة لاحقين كالامام موسى الكاظم ومن بعده من الأئمة، الذين كانوا يفرضون الخمس ويجبونه من شيعتهم، بناء على الاعتقاد بملكيتهم للأرض وأموال الدولة، وليس خمس المكاسب فقط.

وهناك أحاديث أخرى يرويها الشيعة الاثنا عشرية عن (الامام الثاني عشر المهدي المنتظر الغائب) كالتوقيع الذي رواه الكليني عن إسحاق بن يعقوب عن (النائب الخاص الثاني محمد بن عثمان العمري) والذي يحلل الخمس للشيعة في (عصر الغيبة الكبرى) وورد فيه :”وأما الخمس، فقد أبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حل إلى وقت ظهور أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث”.

ومن هنا فقد افتى علماء الشيعة السابقون بحلية الخمس للشيعة في (عصر الغيبة) وعدم وجوب إخراجه، ولكن عندما افترض الفقهاء المتأخرون أنهم (نواب عامون عن الامام المهدي)، وتبوأوا منصب الأئمة في هذا العصر، وادعوا انهم (ولاة الأمر والحكام الشرعيون)، فانهم أخذوا يفتون بوجوب الخمس وبوجوب تسليمه اليهم. وأعرضوا عن الأحاديث التي تنص على تحليله في (عصر الغيبة).

ولم يقتصر حكمهم في وجوب الخمس على المكاسب، وانما مدوا ذلك الى أموال الدولة التي اعتبروها مجهولة المالك، أو انها من أموال الأئمة، وان من حقهم أن يأخذوها بالنيابة العامة عن الامام المهدي الغائب.

وهكذا اصبح موقفهم مزدوجا فمن ناحية يعتبرون أنفسهم نواب الأئمة الشرعيين، ومن ناحية أخرى يسلبون الشرعية عن الدول القائمة التي لا تأتمر بأمرهم ولا تخضع لولايتهم، واخذوا يطالبون من يستولي على شيء من أموال تلك الدول ، حتى لو عمل موظفا لديها واستلم منها راتبا، أن يعطي تلك الأموال اليهم حتى يأخذوا الخمس منها ويحللوه له.

احمد الكاتب

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close