فلسطينيون في عصر الكهوف

د. اديب المقدسي

  في كل صباح، يذهب أطفال قرية طوبا الصغيرة إلى المدرسة الواقعة في قرية أكبر تسمى التواني، المدرسة تبعد مسافة ميلين – لكنهم لا يتحركون قبل وصول دورية عسكرية من جيش الاحتلال لحمايتهم من المستوطنين المتطرفين. لأن طريقهم للمدرسة تمر بقرب الأرض التي سيطروا عليها واقاموا فيها ابنية غير قانونية بتعريف إسرائيل واحتلالها، لكن المستوطنة قائمة وتتلقى الدعم طبعا. وأصحاب الأرض والوطن لا يمرون بدون حماية عسكرية، حتى لو كانوا أطفالا.

 

هذه تفاصيل تحقيق أجرته احدى قنوات الأخبار الاسرائيلية، أنشرة كما شاهدته وكما سجلت تفاصيل التحقيق. الفلم المصور يظهر الأطفال وهم في منتصف الطريق، مع حقائبهم المدرسية، يتوقفون عن السير، منتظرين وصول الدورية العسكرية. مقابلهم توجد مزرعة ماون، وهي بؤرة استيطانية غير قانونية (وكأنه يوجد استيطان قانوني؟) تتوسع باطراد منذ عشرين عامًا. يمر الطريق إلى المدرسة عبر أطراف البؤرة الاستيطانية. الأطفال ينتظرون شاحنة عسكرية من المفترض أن تؤمنهم من اعتداء المستوطنين. قصة اشبه بقصص الخيال العلمي. لو كان منزلا عربيا لجرى هدمه، اما مستوطنة غير قانونية فتتلقى الدعم والحماية، واعتداء المستوطنين على الطلاب صغار السن، فهذه مسالة تحتاج الى دورية عسكرية من الجيش لتؤمن وصولهم دون ان يجري الاعتداء عليهم. وطبعا تؤمن عودتهم بعد الدوام المدرسي.

حتى الأن القصة تبدو عادية.

 

أطفال الكهف – أدنى مكان في المناطق الفلسطينية المحتلة طبعا

 

يقول أحد الأطفال “الجنود يرافقوننا بسبب المستوطنين. إذا لم يأت الجيش، سنعود إلى ديارنا”. في ذلك الصباح، وصلت الدورية المرافقة في الوقت المحدد. يتعرف عليها الأطفال من بعيد ويمكنهم الاستمرار في طريقهم إلى المدرسة. دفاع الجيش الإسرائيلي عن الأطفال الفلسطينيين ضد المستوطنين مستمر كل يوم منذ 17 عامًا. هذا يعني ان الاستيطان غير القانوني حسب تعريف الاحتلال نفسه قائم منذ 17 عاما!!

مرحبا بكم في أرض العبث، الطرف الأدنى في الضفة الغربية (او يهودا والسامرة حسب تعبير الاحتلال الإسرائيلي)، والتي تقع جنوب جبال الخليل.

 

********

يبرز التحقيق وقائع تكاد تكون من فلم الخيال العلمي. قرية اسمها جنبا، يقول المعلق انها قرية نموذجية في الجزء الجنوبي من جبال الخليل. لكل أسرة بيت، يوجد كهف لبعض أفراد المنزل ويوجد كهف للأغنام. “هذا هو بيتي” يقول عيسى محمرة من سكان القرية. “لقد عشنا هنا منذ زمن طويل، حتى قبل وجود إسرائيل. ويشير داخل الكهف: هذه هي منطقة تناول الطعام وهنا نضع أجزاء من طعام الأغنام. لا ننام جميعًنا هنا. نحن ننام في الخارج في الليل. فقط خلال النهار ندخل لهنا، بسبب حر الشمس، لأنه لا يوجد مكيفات وما شابه، نذهب للداخل. لأن الكهف في الداخل بارد “.

يروي السكان للمصور والصحفي:

ذات صباح قبل شهرين اكتشف القرويون دبابات خارج منازلهم. تشرح احدى النساء واسمها محمرة: “يوجد هنا كهف، وكهف هناك، وكهف آخر هناك”. “تتحرك الدبابة فوق الكهف ولأنها ثقيلة فقد ينهار الكهف بسبب الوزن. أحيانا يطلقون النار ليلاً. وقفوا هنا (تشير الى مكان مرتفع) وأطلقوا نيران المدفعية الثقيلة على مسافة حوالي 10 أميال. وعندما تسمع طلقات المدفع، يحدث زلزال. ومع الزلزال من إطلاق المدفعية بالكاد ينام الأطفال ويبقى الجميع مستيقظين”.

 

قول أحد المواطنين: في الثمانينيات، تم إعلان مساحة 30 ألف دونم منطقة تمرينات عسكرية. في عام 1999 طرد الجيش الإسرائيلي سكان 12 قرية صغيرة في المنطقة، حوالي 700 شخص. “الأثاث”، كما تقول محمره. لم يتبقى منه شيء. بقيت زوجة عمي وأبي فقط. أخذوا والدي إلى السجن ورحلوه. قالوا لهم: تعالوا، اخرجوا من هنا ولا ترجعوا. عدنا في الليل. “عدت مع الأغنام بعد حلول الظلام، ووضعت الخراف في الكهف، وجلبت اغراضي وأطفالي وأبي في الليل”.

 

بعد عام قدم المرحلون التماسا للمحكمة العليا من خلال جمعية الحقوق المدنية والمحامي شلومو ليكر. ادعى الملتمسون أن الغرض الكامل من إعلان منطقة إطلاق النار هو طرد الفلسطينيين من الأرض. أصدرت المحكمة العليا أمرًا مؤقتًا معلقًا منذ 20 عامًا، ومنذ ذلك الحين لم يتم إبعاد الفلسطينيين، ولكن اصبحت حياتهم أكثر صعوبة.

 

في أوائل شهر يوليو الماضي، على سبيل المثال، مرت طائرة إسرائيلية تابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي ودمرت الطرق المؤدية إلى ثماني قرى. وطبعا جميع أعمال البناء تعتبر غير قانونية. وعندما يهدم الجيش المنازل، يعود السكان إلى الكهوف. وتأتي الكهرباء من الألواح الشمسية ومعظم المياه من الآبار. “والخطوة التالية هي سرقة المياه من خطوط المستوطنات حتى تصل إلينا. وعادة يجلب السكان المياه باهظة الثمن في صهاريج ويأملون ألا تدمرها الدبابات الاسرائيلية”. تقول محمرة: اليهود شعب طيب، أنا أعرف. “لقد عملت معهم ورأيت كيف كان الأمر”، كما تقول محمرة. “فالحكومة هي التي ليست جيدة، فهم يريدون الأرض. هذه هي سياستهم”.

 

 

فتاة يهودية انسانية من حيفا تصل للقرية، هي موسيقية ومدرسة للغة العربية، وهي ناشطة تتجول في جبل الخليل منذ ثلاثة أشهر – كل يوم في الميدان. تقول: “أشعر أن عيناي تنفتحان وأذنيّ تنفتحان”. “الأشياء التي لم تكن موجودة بالنسبة لي من قبل تبدأ في الوجود ليس فقط – بل تحترق في داخلي وتجعلني أشعر أن شيئًا خاطئًا يحدث هنا ولم يعد بإمكاني تجاهله. هناك بعض المحاولات لمحو الأشخاص الذين يعيشون هنا. يجب أن يعرف الناس ما يحدث في المناطق الفلسطينية بما في ذلك المنطقة ج ايضا “.

 

“المنزل دمر وانتقلنا الى كهف”

 

هدم منزل رسمي أبو عرام، من سكان بلدة راكز، منذ سبعة أشهر مع منزل ابنه هارون الذي ولد في كهف ويعيشون فيه منذ الهدم. يقول وهو يشير الى داخل الكهف: “في البداية حفر والدي بفأس”. “ليس مع الكونغو، لا بالموتور ولا بالكهرباء. كل ما حفره والدي هو هكذا(يشير الى عمق عدة امتار، منذ عشرة أيام حفرنا منطقة أخرى مع الكونغو (متران اضافيان حسب الصورة). منذ أن هدموا منزلي، أعيش أنا وأولادي في خيمة وكهف.”

 

ناشط يهودي يساري: “هناك شيء ما يحدث خطأ لم يعد بإمكاني تجاهله”.

 

نحن على حدود منطقة النار (918)، لكن لا داعي للارتباك: على أي حال ، لا يستطيع الفلسطينيون في المنطقة (ج) البناء بشكل قانوني. لم تتم الموافقة على 97٪ من طلبات تراخيص البناء. يوضح أبو عرام: “بمجرد أن يروا كل شيء، حتى شيء مثل غرفة الحمام، يأتون، إما يأخذونها أو يجلبون جرافة ويدمرونها”.

في كانون الثاني (يناير) الماضي، وصل إلى الجار عبر الوادي، رائد في الإدارة المدنية برفقة جيب، وأبلغوا الجار أنهم جاؤوا يصادرون بعض الأدوات والمولدات لأنه بدأ البناء.

 

قرر أبو عرام، الذي دمر منزله قبل شهر ونصف، القتال على مولد كهرباء للجيران. ورد الجيش الإسرائيلي بإطلاق النار، وزعم الجيش الإسرائيلي أن الجنود كانوا في خطر الموت وأن أحد الفلسطينيين تخندق في ظهر الجبل، وانهم أطلقوا النار في الهواء – والواضح أن الجنود أصابوه برصاصة في عنقه. وهو مصاب بالشلل التام ويقيم في مستشفى في الخليل. السؤال الواضح هو لماذا العالم لا يقول شيئا عن هذه الحياة السيئة للفلسطينيين؟.

 

“من يفعل هذا؟”، يتساءل أوري جفعاتي من جمعية “كسر جدار الصمت”. “من جاء لهدم منزل في جنبا، تشاجر مع هارون أبو عرام على مولد كهربائي وانتهى به الأمر بإطلاق النار عليه؟ جنود يرسلون الى هنا بحجة أمن الدولة، ويرافقون الأطفال الفلسطينيين لإبعادهم عن المستوطنين؟ بدلاً من الذهاب واعتقال المستوطنين. مستوطنون منذ 17 عامًا بمستوطنات غير شرعية كما يعرفها الاحتلال نفسه. إنه كذلك. “ليس أمن الدولة. كنا هنا، نحن نعرف ما هو أمن الدولة. الواقع الذي نراه في جبال الخليل الجنوبية مثل هدم بئر مياه، وهدم حظيرة للأغنام ومصادرة حجرة مرحاض هو ليس لأمن الدولة “.

 

“لا تقاتلوا من أجل مولد كهربائي، قاتلوا من أجل الأرض”

 

وعندما سُئل رسمي أبو عرام لماذا يقاتل الجنود من أجل مولد كهربائي أجاب: “ليس بسبب مولد كهربائي، يبدو لك كمولد كهربائي. نحن نعيش هنا، كل شيء بسبب الأرض”. في نهاية هذه القصة في جنوب جبال الخليل وبشكل عام في المنطقة ج – شبه حرب برية. أكثر الوسائل شيوعًا في الجانب اليهودي هي المزارع الزراعية. تم إنشاء ثلاثين مزرعة من هذا القبيل في يهودا والسامرة في السنوات الخمس الماضية فقط، وكلها غير قانونية، ولكن الإدارة المدنية لا تجرؤ قط على هدمها – المزارع تتلقى المساعدة من المجالس الإقليمية التي ترعاها وتزودها بكل ما تحتاجه.

 

منذ اللحظة التي يتم فيها إنشاء مزرعة مثل مزرعة يسخار، يُمنع وصول الفلسطينيين إلى المراعي والأراضي التي كان يرعون فيها مواشيهم في المنطقة المحيطة بالمزرعة. ينتج عنه احتكاك عنيف. السبت الماضي، ألقى الفلسطينيون الحجارة، والمستوطنون من الجهة المقابلة أيضا يردون بالحجارة- والجنود في الوسط.

 

قبل شهرين، على سبيل المثال، جاء مستوطنون ملثمون من اتجاه المزرعة بالقرب من مزرعة متسبيه يائير وهاجموا عائلة فلسطينية بالهراوات والحجارة. كسروا وجه والد الأسرة الذي نُقل إلى المستشفى واحتاج إلى الجراحة. رفضت البؤر الاستيطانية إجراء مقابلات عن هذه الاحداث. حتى أن مجلس جبل الخليل رفض التعليق.

 

الناشطة اليسارية نور تزاحور لا تخشى التجول في جنوب جبال الخليل: “الناس الذين يعيشون هنا في المنطقة والذين قابلتهم في حياتي هم أكثر الناس سلمية ولديهم روح الدعابة وحب الحياة. أنا خائفة من المستوطنين اليهود هنا. تقول داليا.

************

بعد وصول الأطفال الخمسة الذين غادروا قرية طوبا إلى المدرسة بأمان بفضل جيش الدفاع الإسرائيلي، وعند الظهيرة ستعود الدورية العسكرية وترافقهم في الاتجاه المعاكس إلى منازلهم. لا يوجد شيء جديد تحت الشمس في جبال الخليل الجنوبية !!

قال أبو عرام: “هذه أرضي وأرض أجدادي. لن أغادر المكان. ألم يدمروا منزلي؟ ألم يطلقوا النار على ابني؟ لن أغادر. لن أغادر أرضي حتى على جثتي”.

 

ورد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي: “الادعاء بأن جنود الجيش الإسرائيلي لا يتصرفون كما هو مطلوب أثناء الاشتباكات بين المستوطنين والفلسطينيين هو ادعاء غير صحيح. ويعمل جنود جيش الدفاع الإسرائيلي وقوات الأمن الأخرى باستمرار، بوسائل علنية وسرية، للحفاظ على القانون والنظام في يهودا والسامرة ومنع الانتهاكات والقانون من جانب الفلسطينيين والإسرائيليين. هذه هي الطريقة التي يوجه بها الجنود العاملون في يهودا والسامرة وتوجيههم من قبل المستويات القيادية. طبعا حسب أقواله المستوطنة لها صفة قانونية!!

 

“في 1 كانون ثاني 2021 ورد بلاغ عن أعمال بناء غير قانونية في منطقة قرية التواني في منطقة لواء يهودا، وبعد ذلك وصلت قوة من جيش الدفاع الإسرائيلي وممثل من مكتب التنسيق والارتباط الى المنطقة.

خلال العملية، اندلعت مواجهة عنيفة مع القوة العسكرية، وفي وقت من الأوقات أصيب فلسطيني بالرصاص. بعد تحقيق اولي في الموضوع تقرر فتح تحقيق في ملابسات الحادث وفي نهايته ستعرض نتائجه على النيابة العسكرية لفحصها.

 

هذا جزء من الواقع والمشاهد والصور التي عرضها التحقيق مؤلمة جدا. وبعيدة عن كل ما هو انساني!!

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close