غرق في مستنقع دائرة المرور

غرق في مستنقع دائرة المرور

علي الابراهيمي

الصديق وقت الضيق ، هذه الحكمة لم تنفع اليوم في إدراك صديقي الذي غرق في مستنقع دوائر المرور العراقية .
حيث ابتدأ يومه بالدخول إلى معمل مشروع مرور إحدى المحافظات الجنوبية في الساعة التاسعة صباحا ، وخرج من الدائرة الإدارية للمرور التي تقع في منطقة أخرى من المدينة في الساعة الثانية ظهرا .
فهو بعد جهد جهيد عثر على واسطة تخبره أين غرق كتابه الرسمي الذي اتمه قبل سنة من المصرف الحكومي الذي اقرضه لشراء سيارة ، وبعد تسديد كامل ما في ذمته من مديونية قام بتحريك كتاب رفع الحجز عن المركبة .
وكان صديقي يتصور بخيال شاعر أن كتابه سيتحرك في الدوائر الحكومية بانسيابية ، إذ هو أدى ما عليه من مال ، وعلى الجهة التي قامت بالحجز أن ترفع اشارتها كما وضعتها رغماً عنه .
لكنّ الحقيقة أن صديقي كان حالماً كما فتاة . فالكتاب لم يصل إلى مركز تكنولوجيا المعلومات في مديرية المرور العامة في العاصمة ، ولم يصل إلى دائرة المرور التي تم تسجيل المركبة فيها في بغداد . إذ ظهر بعد انقضاء سنة على خروج الكتاب الرسمي من المصرف أن على صديقي مراجعة جميع شعب المرور في محافظته ، ودفع الرسم ، والاستنساخ والطباعة وكتابنا وكتابكم ودمتم للنضال . ثم تتم مخاطبة بغداد .
وبعد أن ارشده ( الواسطة ) إلى أن كتابه علق في بحر البيروقراطية في الشعبة القانونية لمديرية محافظته ، ذهب إلى دائرة معمل مشروع المرور ، ليراجع :
١ – حاسبة الإشارات
٢ – حاسبة السرقات
٣ – مدير الموقع للتهميش
٤ – حاسبة العائديات
٥ – العودة للواسطة للاسترشاد
٦ – الرجوع للشعبة القانونية للحصول على الكتاب الاصلي . في الدائرة الإدارية التي لا تصلح كخربة ، ولا تحترم حتى وجود منتسبيها فيها لما تعانيه من تهالك ، فضلاً عن احترام مراجعيها الذين يعانون الوقوف الطويل في الحر والبرد .
٧ – الرجوع للمعمل للعائديات وحاسبتها التي انتظر عندها ما يقارب الساعتين ، لعدم وجود إشارة انترنت لديهم ، ثم اكتشفوا بعد هذا الإنتظار المجهد أن المركبة غير مسجلة لديهم
٨ – الرسم
٩ – الرجوع للواسطة للتدخل ومعرفة من عليه مخاطبة بغداد
١٠ – الرجوع للشعبة القانونية في الدائرة الإدارية
١١ – الاكتتاب
١٢ – الاستنساخ
١٣ – الختم والتهميش من ضابط في الموقع
١٤ – الاستنساخ
١٥ – الختم والتوقيع من المدير
١٦ – الاستنساخ
١٧ – الصادرة
١٨ – الشعبة القانونية
١٩ – الرجوع للمعمل في مكان آخر

وكل ذلك في طوابير من الانتظار ، والحر ، والاختلاط وسط تفشي الوباء . وكل تفصيل وكل توقيع وكل تهميش على صديقي أن يراجع به بنفسه ، بين الغرف ، وبين البنايات ، وبين المناطق . وكان العشرات من المعوقين وكبار السن والنساء يعانون كل ذلك مع ذلك الصديق وأكثر .
ليحصل في آخر الأمر على كتاب إلى مديرية المرور العامة في بغداد بأن دائرة محافظته تلقت كتاب رفع الحجز من المصرف المقرض ، وأنها لا مانع لديها من تحريك معاملته في العاصمة . بمعنى أنها في الحقيقة لم تبدأ بعد ! . وأن كل هذا الجهد في الحقيقة لإرفاق كتاب رفع الحجز في بريدهم إلى العاصمة .
فيما أن مثل هذه المعاملة لا تحتاج سوى إشارة إلكترونية من المصرف ذاته إلى دائرة تسجيل السيارة ، والاحتفاظ بنسخة من الكتاب بريدية في أي مديرية مرور .
في كردستان تتم معاملة تسجيل ونقل ملكية واستلام لوحات السيارة في ثلاث ساعات فقط ، وفي تركيا تتم المعاملات المرورية على طاولة رجل مرور واحد خلال عشرة دقائق . فأما تكون تلك الدوائر غير قانونية وغير واقعية ، وأما تكون مديريات المرور في الوسط والجنوب العراقي تعاني بيروقراطية ثقيلة عتيقة ، لعقول إدارية مريضة نفسيا .
إن المنطق يحكم بكفاية إتمام معاملة نقل ملكية السيارة بمجرد إقرار البائع بحضور المشتري أمام ضابطين في ورقة رسمية ببصمته وتوقيعه ببيعها ، فيتم استيفاء الرسم والضريبة من قبل ذات الضابط ، وإصدار ورقة ملكية المركبة . ثم تكون كل الإجراءات اللاحقة من مسؤولية الضباط في مديرية المرور ذاتها . من خلال جملة ( بناءً على الإقرار … ) . لا أن يكون المواطن عرضة للابتزاز والإهانة والإذلال .
إن هذه الدائرة مثال واحد فقط من أمثلة لا تنتهي للبيروقراطية التي انقرضت من بلدان كثيرة ، وبقيت في العراق كجزء من موروث العقول العسكرية والإدارية القديمة التي عاشت وتعلمت في منظومة صدام حسين المتخلفة ، التي تفكّر بطرق مقلوبة ، ترتكز على مفهوم إخلاء مسؤولية الدائرة من اي مساءلة قد تطالها قبل أن تفكر أنها موجودة لتنظيم حياة المواطن العراقي ، وأنها تأخذ أجوراً من ثروات الشعب العراقي مقابل تسهيل حياته وتبسيط الإجراءات الكفيلة بذلك .
ومع كل قرار يصدر لتفكيك هذا التعقيد البيروقراطي يزداد الأمر تعقيداً في الحقيقة ، نتيجة هذا الكم الموروث من الفكر الاداري المغلوط .
لهذا كله يجب قلع هذه المنظومات من الأساس والجذور المتعفنة ، ثم عرض منظومات إدارية مستوردة من دول تحترم مواطنيها ، لا الدول التي يرتع فيها الفساد .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close