أفغانستان والمشروع الإمبراطوري الأمريكي بقلم البروفسور جاك رازموس

أفغانستان والمشروع الإمبراطوري الأمريكي
بقلم البروفسور جاك رازموس*
المصدر: Global Research
ترجمة عادل حبه

البرو فسور جاك رازموس
في 16 آب عام 2021، خاطب الرئيس بايدن الأمة الأمريكية ليشرح سبب انسحاب الجيش الأمريكي من أفغانستان. وبدرجة أقل، حاول أيضاً تفسير سبب انهيار الحكومة الأفغانية وقواتها العسكرية البالغ عددها 300 ألف جندي خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية، مع عملية الاختفاء السريع للحكومة الأفغانية، في نفخة من الدخان وذهبت هباءاً أكثر من تريليون دولار أنفقتها الولايات المتحدة في أفغانستان منذ عام 2001.
التزم بايدن الصمت في الإجابة الحقيقية على النقطة الأولى التي تفسر سبب انسحاب الولايات المتحدة ، ولم يرد على الموضوعة الثانية أبداً.
إن الجواب الحقيقي على النقطة الأولى في غاية البساطة: فالولايات المتحدة بصفتها قوة مهيمنة عالمية لم تعد قادرة على تحمل التكلفة المالية للبقاء في ذلك البلد، لذا فهي قررن الإنسحاب. فقد ارتفعت التكاليف الجديدة المتوقعة للحفاظ على إمبراطورية الولايات المتحدة العالمية بشكل كبير منذ بدء الحرب الأفغانية في خريف عام 2001. وتدرك النخب الأمريكية الآن أنها لا تستطيع تحمل التكاليف المتزايدة الجديدة للإمبراطورية في أماكن أخرى، بينما تستمر في الوقت نفسه في إهدار الأموال لمدة 20 عاماً على الثقب الأسود المالي المسمى أفغانستان. وتنسحب الولايات المتحدة لأنها، لأول مرة منذ عام 1945 ، قررت خفض تكاليفها في مناطق أقل استراتيجية من أجل أن تكون قادرة على تمويل التكاليف المتزايدة للإمبراطورية في أماكن أخرى.

المناطق الجديدة هي:
التكاليف المتزايدة بسرعة للاستثمار في تقنيات الجيل التالي اللازمة لمنافسة الصين، عسكرياً واقتصادياً .
تكاليف استثمارات الأمن السيبراني اللازمة للتعامل مع روسيا والصين ومع مجموعة مختارة من المنافسين السيبرانيين الآخرين.
النفقات اللازمة للرد على التهديد لأمن الولايات المتحدة من الحرب الجديدة الناشئة مع الطبيعة (تسمى أحياناً تغير المناخ).
في جميع التحديات الثلاثة الجديدة ، تقف الولايات المتحدة حالياً وراء المنحنى. إن رد فعل الطبيعة على نمط الإنتاج الرأسمالي كان على شكل ارتفاع درجة حرارة المناخ، بما يعني أن الطبيعة تفوز بالمناوشات المبكرة. ولم تتمكن الولايات المتحدة حتى الآن من شن رد فعل مضاد جاد تجاه هذا التحدي. وتربح روسيا والصين وغيرهما من المنافسين الأقل وضوحاً في حرب الأمن السيبراني. فلا تستطيع الولايات المتحدة حتى حماية بنيتها التحتية الأساسية وشركاتها من القرصنة وبرامج الفدية التي لديها القدرة على إغلاق قطاعات واسعة من اقتصادها. وبقدر ما يتعلق الأمر بتقنيات الجيل التالي، مثل الذكاء الاصطناعي والجيل الخامس 5G wireless، فقد بدأت للتو المنازلة مع الصين، وبدرجة أقل مع روسيا بشأن الأسلحة التكنولوجية الجديدة.
إن كل هذه الميادين الثلاثة تمثل تحديات استراتيجية مكلفة للهيمنة الأمريكية العالمية، وتتطلب استثمارات رأسمالية جديدة ضخمة من قبل الدولة وحكومة الولايات المتحدة. وتدرك المصالح الإمبريالية الأمريكية بشكل متزايد أنها لا تستطيع الاستمرار في رمي تريليونات الدولارات في الحروب في أفغانستان، ناهيك عن الشرق الأوسط بشكل أعم، سواء أكان في العراق أو ليبيا أو سوريا أو مواجهة داعش أو احتواء إيران أو تمويل حرب الدول العربية في اليمن.
إمبراطورية مبنية على رمال مالية
إن الطريقة التي مولت بها الولايات المتحدة الحروب في أفغانستان وأماكن أخرى في الشرق الأوسط كي تمارس هيمنتها العالمية منذ عام 2000 تمثل عقبة أخرى أمام مواجهة التحديات الاستراتيجية الجديدة. فلم يعد أسلوب التمويل الإمبريالي، مثل الحرب في أفغانستان نفسها، قابلاً للاستمرار.
إن العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين يشيران إلى أنها المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة بأكمله التي تم فيها تمويل الحروب دون زيادة الضرائب، وفي الواقع، إن الولايات المتحدة أجرت في الوقت نفسه تخفيضات ضريبية ضخمة.
لقد قامت الولايات المتحدة حتى في حرب فيتنام بزيادة الضرائب دائماً لتأمين تكاليف الحرب ولو جزئياً على الأقل. ولكنها لم تقوم بذلك في القرن الحادي والعشرين! ولا من أجل حروبها في الشرق الأوسط. فمنذ عام 2000 وخلال مغامرات الحروب الأمريكية في الشرق الأوسط، أنفقت الإدارات الأمريكية تريليونات الدولارات على الحروب بينما خفضت الضرائب بما يزيد عن تريليونات الدولارات. وهذا لم يحدث من قبل، مما مثل معادلة كارثية في نهاية المطاف، مدفوعة في النهاية بجشع النخب الأمريكية ومقترنة بغطرسة تاريخية من الخطأ العسكري الذي لا يقهر.
لقد بلغ هذا التخفيض الضريبي منذ عام 2000 ما لا يقل عن 15 تريليون دولار! على التوالي:
خفّض جورج دبليو بوش الضرائب، إلى حد كبير عن المستثمرين والشركات الكبرى، بأكثر من 4 تريليونات دولار خلال العقد الأول، 2001-2010. وقام باراك أوباما بتخفيض جديد في الضرائب تبلغ أكثر من تريليون دولار إضافية في أول عامين من توليه المنصب 2009-2010 ، بقيمة 288 مليار دولار في عام 2009، استمراراً في التخفيضات الضريبية لبوش 803 مليار دولار أخرى لمدة عامين 2011-2012، وبعدما كان من المقرر أن تنتهي التخفيضات الضريبية لبوش في عام 2010. ثم أبرم أوباما صفقة مع الجمهوريين في نهاية عام 2012 لتمديد التخفيضات الضريبية لبوش لمدة 8 سنوات أخرى. وهذا يكلف الخزينة 5 تريليون دولار أخرى. ثم أضاف دونالد ترامب في ديسمبر 2017 جملة أخرى من التخفيضات الضريبية علاوة على التخفيضات التي قام بها بوش وأوباما والبالغة 10 تريليون دولار. وبلغت مساهمة ترامب في التفيضات على الضرائب 4.5 تريليون دولار لعقد آخر من 2018 إلى 2028. لقد وفر كل تخفيض ضريبي منافع أكثر للمستثمرين والشركات والأسر الثرية. وتوجه ترامب بشكل حصري تقريباً إلى المستثمرين والأسر الثرية، وخاصة الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات. وفي أحدث إضافة، خفض الكونجرس الضرائب بمقدار 650 مليار دولار أخرى ضمن “قانون الرعاية” الذي أقر في آذار عام 2020. ويعد كل ذلك إجمالي أكثر من 15 تريليون دولار من التخفيضات الضريبية!
لقد أدى تخفيض الضرائب منذ عام 2000 بدوره إلى حدوث عجز هائل في الميزانية السنوية وما تبعه من انفجار للديون الوطنية الفيدرالية.
إن مقدار 15 تريليون دولار من التخفيضات الضريبية لم يكن السبب الوحيد للانخفاض العميق في الإيرادات الضريبية المحتملة ، والعجز المزمن في الميزانية وارتفاع الدين الوطني. كما أن الاقتصاد الأمريكي الضعيف بشكل مزمن، خاصة بعد عام 2008 واستمر طوال سنوات أوباما، أدى أيضاً إلى انخفاض حاد في عائدات الضرائب الفيدرالية المحتملة. وبلغ متوسط ​​النمو السنوي لهذه العائدات في الولايات المتحدة منذ عام 2007 بالكاد 1٪. وأدت الإيرادات الضريبية، جراء خفض الضرائب وتراجع النمو الاقتصادي، إلى ما لا يقل عن 60٪ من العجز، وبالتالي فهي تمثل الدين الوطني ، وفقاً للعديد من الدراسات.
وبالتزامن مع قرع الطبول بشكل غير مسبوق للتخفيضات الضريبية المستمرة للرأسماليين الكبار والمتوسطين والصغار، جرت زيادة غير مسبوقة في الإنفاق على الدفاع والحرب ولدفع تكاليف الحروب منذ عام 2000 في الخارج وفي الداخل (تكاليف الأمن الداخلي ، الحرب على تكاليف المهاجرين ، والعسكرة من الشرطة، وما إلى ذلك). وبلغت تكاليف الحروب في الخارج منذ عام 2001 وحده ما يقدر بنحو 7 تريليون دول.
هل ستحل “بلاك ووتر” محل أقوى جيش في العالم للفوز في الحرب الأفغانية؟
إن مبلغ تريليون دولار من التخفيضات الضريبية بالإضافة إلى 7 تريليون دولار على الإنفاق الحربي منذ عام 2001 تساوي تقريباً إجمالي الدين القومي للولايات المتحدة بحلول نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. فنتيجة لخفض الضرائب والإنفاق الدفاعي، ارتفع الدين القومي للولايات المتحدة من حوالي 4 تريليون دولار في عام 2000 إلى 9 تريليون دولار بحلول نهاية عام 2008 (عند ترك بوش لمنصبه) وإلى 17 تريليون دولار بحلول عام 2016 (مع مغادرة أوباما لمنصبه) وبعد ذلك إرتفع الدين القومي إلى 21 تريليون دولار. عندما غادر ترامب منصبه بحلول كانون الثاني (يناير) 2021. إرتفع عجز الميزانية عام 2021، من 2.5 إلى 3 تريليونات دولار أخرى!
ومن المتوقع الآن أن يرتفع الدين إلى ما لا يقل عن 28 تريليون دولار بنهاية العقد الحالي! فبالإضافة إلى التخفيضات الضريبية وتجاوزات الإنفاق على الحرب، يجب الإشارة أيضاً إلى تكاليف الركود الكبير 2008-2009، وتباطؤ النمو الاقتصادي المزمن الذي أعقب أوباما لسنوات بعد ذلك، وآخرها تكاليف التشريعات والبرامج لاحتواء جائحة كوفيد-19 في عامي 2020-21 ، والركود الكبير الثاني الجاري الآن. إذا كان النمو البطيء المزمن يتبع الركود الكبير الثاني الحالي ، كما جرى سابقاً في 2008-2009 ، فإن تقدير الدين القومي البالغ 28 تريليون دولار بحلول نهاية العقد يكاد يكون مؤكداً.
في ظل هذا النظام المالي المبني على الرمال، يجب على المصالح الإمبريالية الأمريكية أن تجد طريقة ما لتوفير الرأسمال والموارد اللازمة لتمويل استثمارات ضخمة لشن حربها التكنولوجية – الاقتصادية المتزايدة ضد الصين، وحربها في مجال الأمن السيبراني ضد روسيا وغيرها، وحربها مع الطبيعة.
من النادر أن ما يتم هزيمة الإمبراطوريات من طرف خارجي. فالإمبراطوريات غالباً ما تتعفن من الداخل أولا. والفساد يستمر الآن في تغلغله في الولايات المتحدة.
تكاليف الإمبراطورية الأمريكية آخذة في الارتفاع
تتعرض الإمبراطورية الاقتصادية الأمريكية لضغوط اقتصادية متزايدة، بسبب تراجع خيارات تمويلها في المستقبل. وتلوح في الأفق نفقات جديدة ضخمة، من شأنها أن تحدد تقنيات الجيل التالي الهيمنة الاقتصادية والعسكرية بحلول عام 2030. إن الذكاء الاصطناعي ، والأمن السيبراني ، والنطاق العريض اللاسلكي 5G، كلها ضرورية لتطوير أسلحة ذكية تفوق سرعة الصوت ، وكذلك لتعطيل الاتصالات المحلية للخصم ، والبنية التحتية لأنظمة الطاقة، و حتى أنظمة الإنتاج الرئيسية. الولايات المتحدة تعرف هذا، والصين تعرف هذا أيضاً، وروسيا تعرف ذلك. ويعرفها الأوروبيون واليابانيون أيضاً ولكنهم ببساطة لا يستطيعون المنافسة الجارية على أشدها الآن، ولم ينخرطوا حتى في اللعبة. يعتبر ثالوث التقنيات المذكورة أعلاه أيضاً مفتاحاً لتطوير صناعات جديدة وبالتالي للنمو الاقتصادي أيضاً في العقد المقبل.
وتواجه الإمبراطورية الأمريكية اليوم فاتورة استثمار ضخمة خلال العقد القادم. وهي تتخلف بالفعل عن الصين في بعض النواحي، نتيجة انتقال الشركات الأمريكية إلى الخارج (إلى الصين تحديداً)، وبناء شراكات البحث والتطوير والإنتاج في الصين وأماكن أخرى في الخارج، والسماح للصين باختراق البحث والتطوير في الولايات المتحدة، على الأقل حتى وقت قريب. ومن نواحٍ أخرى، فالإمبراطورية الأمريكية أيضاً تتخلف عن روسيا من الناحية التكنولوجية، خاصةً في مجال الصواريخ التي تفوق سرعتها سرعة الصوت وتقنيات الدفاع الصاروخي التكتيكي.
ونظراً لضعف الإمبراطورية الأمريكية العالمية خلال العقد الماضي، فقد ضخت المزيد من الأموال في الإنفاق الدفاعي – العسكري، ويبلغ تراكمياً على الأقل 7 تريليون دولار. هذا الإنفاق، الذي حصلت أفغانستان منه على مبلغ تريليون دولار كحد أدنى . وتعلم النخب الأمريكية أنه سيتعين الآن إعادة توجيهه إلى “الحروب” الجديدة: الحرب التكنولوجية والاقتصادية مع الصين، وحرب الأمن السيبراني مع روسيا، والحرب مع الطبيعة نفسها، وتوجيه الاستثمارات للتخفيف من آثار تغير المناخ في شكل من أشكال.
وبصرف النظر عن تكاليف حروب جديدة قد تندلع في الفترة 2020-2030، فمن المرجح حدوث المزيد من الأزمات الاقتصادية. فبعد فترتي ركود كبيرتين متتاليتين خلال عقدين من الزمان تقريباً (2008-2009) و(2020-2021)، من المحتمل أنه لا يمكن تجنب ركود ثالث أيضاً. ومن المحتمل أن يتوقف توجيه تريليونات الدولارات الإضافية المخصصة للإنفاق على البرامج الاجتماعية الطارئة لاحتواء انهيار الاستهلاك المنزلي والشركات الصغيرة مرة أخرى.
لذلك ليس من المستغرب على الإطلاق أن يكون بايدن والنخبة الإمبراطورية الأمريكية بشكل عام قد خلصوا إلى أنه من الأفضل تقليص الخسائر في أفغانستان والخروج حالاً. ونفس الشيء سيطبق بالنسبة للتكاليف العامة للإمبراطورية في جميع أنحاء الشرق الأوسط. فلن يكون هناك المزيد من الحروب التقليدية للولايات المتحدة، لأن هذه المغامرات لم تعد ميسورة التكلفة. فهي ليست ضرورية، لأن الولايات المتحدة هي الآن أكبر منتج للنفط والغاز في العالم نتيجة لتكنولوجيا التكسير التكنولوجي الجديدة في الداخل ، متجاوزة كل من روسيا والمملكة العربية السعودية. إن السبب الاستراتيجي الرئيسي لحروب الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، أي النفط ، لم يعد له أي إعتبار.
وباختصار: يتم نقل نفقات الحروب في الشرق الأوسط (العراق ، أفغانستان ، سوريا ، الصومال ، احتواء إيران ، إلخ) إلى ميدان خوض الحرب التكنولوجية والاقتصادية مع الصين ، وحرب الأمن السيبراني مع روسيا، بالإضافة إلى الحاجة المتوقعة والإلتزامات الإضافية في “الحرب مع الطبيعة” (نفقات مواجهة التغير في المناخ).
وهكذا فإن إمبراطورية الولايات المتحدة ببساطة غير قادرة على تحمل التكلفة الإجمالية لكل ما سبق. وهذا هو السبب الأول وراء خروج الولايات المتحدة من أفغانستان تماماً. وهذا هو السبب وراء تقليص بايدن خسائر الولايات المتحدة في أفغانستان والخروج منه. وكما أشار بايدن في خطابه التلفزيوني إلى الأمة في 16 آب إلى أن الحرب لم تعد في المصلحة الدولية للولايات المتحدة. فهناك مهام أكثر أهمية. هذه المهام التي سوف تتطلب المزيد من الأموال، مما يعني تغيير في مصالح الولايات المتحدة. لذلك يجب أن توجه نفقاتها صوب مصالح الإمبراطورية. لهذا السبب خرجت أخيراً من أفغانستان.
هل الإمبراطورية الأمريكية في افول سريع؟
تدرك النخب الأمريكية أنه لم يعد بإمكانهم الحصول على كعكتهم وتناولها بعد الآن. ولا يمكن أن يكون لديهم تخفيضات ضريبية غير مسبوقة، ولا القفز إلى حروب في كل مكان حول العالم، أوالتعجيل باللجوء إلى الذرائع للتدخل العسكري لأغراض سياسية محلية، والتعامل مع فترات الركود العميق المتكررة بشكل متزايد مع تمويل “الحروب” الجديدة التي تلوح في الأفق مع الصين وروسيا والطبيعة نفسها. وهذا يفسر سبب خروج الولايات المتحدة من أفغانستان بشكل أساسي. إنه مؤشر مبكر على التراجع المستقبلي للهيمنة الأمريكية العالمية. ومع ذلك ، لا يزال هذا التراجع في مراحله المبكرة للغاية ولا ينبغي المبالغة في تقديره.
تعتمد إمبراطورية الولايات المتحدة وهيمنتها على العالم على قوتها الاقتصادية في الاقتصاد العالمي. إن إمبراطورية الولايات المتحدة ليست مثل الإمبراطورية البريطانية السابقة أو الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية الأقدم. إنها تمارس سلطة سياسية بشكل غير مباشر على النخب الاقتصادية المحلية. وهي لا تدير مباشرة الأنظمة السياسية في البلدان العميلة لها. أو على الأقل نادراً ما تلجأ إلى ذلك. إنها تمارس السلطة السياسية من خلال قوتها الإقتصادية. وتكمن تلك القوة الاقتصادية في هيمنتها على عملتها العالمية، الدولار الأمريكي ؛ وفي سيطرتها على نظام المدفوعات الدولي (SWIFT) ؛ وفي التأثير على البنك المركزي، وعلى الاحتياطي الفيدرالي، وعلى البنوك المركزية في البلدان الأخرى؛ وفي هيمنة بنوكها ومؤسساتها المالية في جميع أنحاء العالم ؛ وسيطرتها النهائية على المؤسسات الاقتصادية العالمية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
وما لم يتم تحدي الدولار الأمريكي بشكل جدي باعتباره الاحتياطي العالمي وعملة التبادل التجاري، وإلى أن يتم استبدال سيطرته على نظام المدفوعات العالمي ببديل آخر، وإلى أن يتم زعزعة هيمنة بنوكها ومؤسساتها المالية، وما لم تصبح المؤسسات المزدوجة فعالة في تحديها لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فإن الإمبراطورية الاقتصادية العالمية للولايات المتحدة ستستمر وتمارس هيمنتها.
لا تمثل أفغانستان نهاية وهزيمة المشروع الإمبراطوري الأمريكي. على الأكثر، إنها علامة على أن الولايات المتحدة قد بلغت ذروتها كقوة مهيمنة عالمية. بدلاً من ذلك، ويمثل تحولاً أساسياً في أحسن الأحوال، وبداية لمرحلة جديدة في تاريخ إمبراطورية الولايات المتحدة.
وكما ذكرنا سابقاً ، نادراً ما يتم إنهيار الإمبراطوريات العالمية من الخارج على يد قوة عسكرية. إن الإخفاقات أو النجاحات العسكرية ليست دليلاً على الفحولة الإمبريالية. فكل الإمبراطوريات تتعفن داخليا قبل أن تنهار. ولا تشرع في فترة من التراجع إلا عندما لا تعود قادرة على تحمل تكاليف تمويل نفسها.
لقد بدأ انهيار روما من الغرب في 400 م عندما استولى الغزاة الجرمان على قاعدة فائض الحبوب الزراعية التي تملكها روما في إسبانيا وصقلية وشمال إفريقيا حيث قطعت الإمبراطورية الرومانية الشرقية أيضاً فائض الحبوب في مصر. فقد كانت تلك القاعدة الزراعية مصدر جني ضرائبها وبالتالي تمويل جحافلها العسكرية.
وبدأت الإمبراطورية البريطانية في التراجع الذي استمر لعقود عندما شرعت مستعمراتها في الاختفاء في القرن العشرين، نتيجة تكاليف الحرب الاقتصادية بعد عامي 1918 و عام 1945. لقد أفلست بشكل أساسي بسبب الحروب ، وبعد الحرب العالمية الثانية لم يعد لديها الموارد المالية للاحتفاظ بمستعمراتها. فالهند مثلاً، أحرزت إستقلالها بيسر وببساطة. وتم التنازل عن المستعمرات الأخرى لصالح الولايات المتحدة بحكم الأمر الواقع كشرط لحصول بريطانيا على قروض من الولايات المتحدة أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية مباشرة. ولم يعد بالإمكان الحفاظ على إمبراطورية بريطانيا الاستعمارية اقتصادياً.
ولقد إنهارت إمبراطورية الأمر الواقع في الاتحاد السوفيتي فقط بعد عقد من الركود الاقتصادي في الثمانينيات، وبعد أن أشار غورباتشوف إلى قادة الحزب الشيوعي المسؤولين عن الاقتصاد بأنه من المقبول لهم التحول إلى الرأسماليين بينما يواصلون إدارتهم للاقتصاد. وتحول البيروقراطيين (اپاراجيك) بين عشية وضحاها إلى أوليغارشيا مالية، وقاموا بطرد غورباتشوف لاحقاً، وجلبوا الرأسماليين الأمريكيين كشركاء في الاستغلال واستعادة الرأسمالية في روسيا. وتبع ذلك عقد من الكساد الاقتصادي الحاد خلال التسعينيات. وإنهارت إمبراطورية الاتحاد السوفيتي سياسياً بعد ذلك، أولاً في أوروبا الشرقية، ثم دول البلطيق، ثم القوقاز، ثم في بيلاروسيا وأوكرانيا. وهذا ما حدث.
الولايات المتحدة تمر في المراحل المبكرة من شيء مشابه. إنها لم تفقد بعد السيطرة على مواردها وأسواقها الأجنبية، كما فعلت روما القديمة. ولم تُفلس بعد جراء الحروب، كما جرى لبريطانيا في القرن العشرين. ولم تتحول نخبها بعد إلى موقف معادي للنظام نفسه، على الرغم من أن الانقسامات بين قوى ترامب والرأسماليين الأمريكيين التقليديين قد اشتدت بشكل واضح في أواخر حكمه. وتتعاظم كذلك الانقسامات بسرعة بفي الولايات المتحدة ين سكانها على مستوى الولايات والمستوى المحلي. ولم تعد شرائح واسعة من الجماهير تؤمن بالنظام أو بقيمه التقليدية وأيديولوجيته أو بمؤسساته الأساسية. لقد حدث كل هذا بسرعة مثيرة في غضون عقدين فقط. يشير هذا السيناريو بوضوح إلى أن شيئا ًمشابهاً لتراجع الأنظمة الإمبريالية في الماضي يجري الآن في الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن النخب السياسية الأمريكية والرأسماليين المهيمنين الذين يقفون وراءهم لا يزالون يمتلكون موارد كبيرة، اقتصادية وسياسية.
لا تمثل الأحداث في أفغانستان بداية النهاية لهذا البلد، بل تمثل، إلى جانب الاتجاهات المحلية الأمريكية ، نهاية مرحلة تحول الإمبراطورية النيوليبرالية التي نشأت في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات ، كرد فعل على الأزمات الاقتصادية والركود في السبعينيات. وتمر الولايات المتحدة الآن بمنعطف آخر. لم تعد السياسات الاقتصادية النيوليبرالية كافية للحفاظ على الإمبراطورية والهيمنة الأمريكية العالمية. ولم يتحدد حتى الآن ما سيولده العقد المقبل.
ولكن أي نُذُر يلوح به العقد الحالي، فمن الواضح أنه بعد 20 عاماً من إهدار ما يقرب من 30 تريليون دولار على الحروب والتخفيضات الضريبية والتعامل مع ركودين كبيرين وعواقبهما الاقتصادية، أخذت النخب الأمريكية تدرك أنها لا تستطيع دفع تكاليف حروب الشرق الأوسط ومواجهة نفقاتها، والتحديات الجديدة للحفاظ على الإمبراطورية. سيكون التركيز من الآن فصاعداً على حرب التكنولوجيا العظمى مع الصين، وصراعات الأمن السيبراني مع روسيا، بينما تحاول زيادة الاستثمار أيضاً للتعامل مع الحرب الأخرى التي تخسرها الولايات المتحدة الآن بشكل واضح وهو تغير المناخ. هذه هي المصالح الاستراتيجية الرئيسية للإمبراطورية الأمريكية في هذا العقد وما بعده، وليس أفغانستان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* جاك رازموس صحفي سابق، عمل كخبير اقتصادي ومحلل للعديد من الشركات العالمية وله جذور في الحركة العمالية. كان رئيس نقابة محلية، وممثل عمال، ومفاوض عقود، ومنظم لعدد من النقابات العمالية . أستاذ في قسمي الاقتصاد والسياسة في SMC ، ويركز راسموس على عدم المساواة الاقتصادية ومؤلف كتاب “الركود الملحمي والأزمة المالية العالمية”.
وعالج رازموس في محطات اخبارية الاوضاع حول الركود العالمي والأزمة المالية الأمريكية ، والسياسات الاقتصادية والسياسية الحالية للشركات الأمريكية، وأسباب ونتائج التفاوت المتزايد في الدخل. ويقوم بتدريس دورات حول تحليل السياسة الاقتصادية المعاصرة ، والفكر الاقتصادي ، والتاريخ الاقتصادي للولايات المتحدة واقتصاديات العمل.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close