هزيمة امريكا في افغانستان

هزيمة امريكا في افغانستان

1- درس للعرب والاعراب
ينبغي ان تكون هزيمة امريكا في افغانستان على يد مقاتلي طالبان درس للشعوب العربية. مفاده ان الهروب من مواجهة المستعمرين المحتلين بالقوة يورث الذل والمهانة. ان الذين يملكون احدث انواع التكنولوجيا والأسلحة المدمرة النووية والبايولوجية والكيمياوية ليسوا بمناى من الهزيمة اذا توفر الايمان بالله والتسلح بالعقيدة للشعوب المقاومة. رأينا ان تلك القوة الهائلة لن تشفع للظالمين مهما بلغ مداها امام ارادة الوطنيين الذين يريدون تحرير وطنهم. كما ان النصر من عند الله يهبه لمن يستحقونه. أولئك الذين حملوا المبادئ الاسلامية الداعية الى الاستقلال. كما ان الحرية والاستقلال لن يقدمها الاعداء والمستعمرون على طبق من ذهب. انهم استعمروا بلداننا بالقوة فخروجهم لا يتم الا بالجهاد والقوة الايمانية مع التضحية والاستعداد للشهادة لتحرير الارض “واعدوا لهم ما استطعتم من قوة”.
لقد جاء درس افغانستان كي يعيد ضرورة حساب موازين القوى العالمية. منها ان اي شعب مهما كانت امكانياته المادية متواضعة يمكن له اذا ما تسلح بمبادىء العزة والكرامة وحب تحرير الوطن. ان ينصر. رغم الفرق الشاسع بين ميزان القوى العسكرية. كما هو الحال في افغانستان وقبلها الجزائر. انه درس جديد ومهم للحكام المتخاذلين والمستسلمين في فلسطين والعراق وغيرهما.
ان السلطة الفلسطينية التي نصبتها إسرائيل والحكومة العراقية التي ارست اسسها امريكا يمكن ان يسقطهما الشعب لو اراد ذلك. فلا الفلسطينيين والعراقيين باضعف من طالبان. ولا قوة الصهاينة وامكانياتهم المادية باقوى من امريكا وموقعها المحصن. ان مرتبة الجهاد في سبيل الله وتحرير الاوطان من افضل العبادات ومرتبة الشهيد السامية معروفة عند المسلمين الاحرار. فلا الصلاة ولا الصوم ولا الزكاة ولا الحج تضاهي اهمية ذلك الجهاد. “لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المومنين”. فلا بد للفلسطينيين والعراقيين ان يستوعبوا هذا الدرس وياخذوا منه دروس لتحرير اوطانهم من المحتلين اذنابهم.
ففي فلسطين استوحش وتفرعن الصهاينة معتمدين على القوى العظمى التي ابتزوا حكامها وانظمتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لكنهم لم يكتفوا بذلك انما تمكنوا من توريط بعض القيادات الفلسطينية كياسر عرفات لفرض الحل الاستسلامي وفق اتفاقيات أوسلو. مما فاقم متاعب هذا الشعب المجاهد الذي احتلت ارضه وانتهكت حرماته. وها هو الان يسير من فشل الى فشل ويفتقد حتى على ابسط الحقوق.
كان من الممكن ان يختار مسارات شعبية حرة اخرى لا تعتمد على دهاليز وفخوخ القوى العظمى. كان يمكن ان يصل لو اعتمد على الخيارات الوطنية الى مراحل متقدمة لتحرير وطنه فلسطين. ان إسرائيل لست باقوى من امريكا التي انهزمت امام حركة طلبان. والفلسطينيين ليسوا اضعف من مقاتلى طالبان. من المؤكد ان صمود ووضوح الرؤيا لدى طلبان واعتقادهم بان ما اخذ بالقوة لن يسترد الا بالقوة. مما فرضوا بعزيمتهم على الامريكان الهزيمة المنكرة. كما ان ركون الفلسطينيين لامال سراب السلام مع من احتل ارضهم جعلهم في وضع لا يحسد عليه.
اما بالنسبة الى الحكومة الطائفية في العراق فانها اضعف بكثير من قرينتها الحكومة الافغانية البائدة. فعلى الرغم من المساندة الدولية الواسعة النطاق سقطت ولم ينقذها احد. كذلك الامر بالنسبة لحكومة بغداد المنصبة من قبل امريكا وايران يمكن ان تسقط هي كذلك. فمثلما انتصر مقاتلي طالبان على الحكومة العميلة يمكن ان يهزم العراقيين اذا ما وحدوا صفوفهم واسسوا مقاومة وطنية عراقية. هذه المقاومة ستنتصر بوقت قياسي على حكومة المنطقة الخضراء المدعومة من المحتل الامريكي.
لعل درس هزيمة امريكا من افغانستان نذير شؤم للدول التي اعتمدت على امريكا وإسرائيل في كل شيء. ينبغي ان يدرك هؤلاء الحكام ان امريكا وإسرائيل ليس لها اصدقاء دائمين. فلا يهمهم الا مصالح بلدانهم ويمكن ان يتخلوا عن الحكام الخونة باي انتفاضة او حركة شعبية ضدهم. ولعل درس شاه ايران لا يزال عالق باذهانهم عندما ثار الشعب الايراني ضده. المستعمرون يمكن ان يتخلوا عن حلفاءهم العرب بسهولة ويسر. لان اولئك الحلفاء ليسوا الا مجرد دمى يتسلون ويلعبون بها لمدة محدودة ليرموها فيما بعد بسلة المهملات.
لقد اثبتت الوقائع ان التغيير السياسي للبلدان المحتلة من خلال صناديق الاقتراح في البلدان العربية. هو مجرد ضحك على الذقون ولن يؤدي الى اي نتيجة ايجابية للشعب. كذلك فان القيام بمظاهرات او انتفاضات سلمية ما هي الا مضيعة للوقت ولن تجدي نفعا. انها بالنتيجة تصب في صالح الغرب وحلفاءه. وتعمل على استمرارية هيمنته المباشرة او غير المباشرة. فلا طريق للحصول على الاستقلال الناجر سوى القوة لمن دخل واحتل بلداننا بالقوة ايضا.
2- انهيار القوة العسكرية امام العقيدة
قال الرئيس الامريكي في خطابه بعد هزيمة بلده في افغانستان بان امريكا كانت تخسر كل يوم حوالي 300 مليون دولار يوميا طيلة عشرين سنة. انه رقم يصل الى ترليونين ونصف ترليون دولار تقريبا. اذا ما علمنا بان الترليون يساوي الف مليار دولار والمليار يساوي الف مليوندولار. والمليون يساوي الف الف دولار. انها مبالغ هائلة تبني بلدان كبيرة برمتها. دون الحديث عن القتلى من الجيش الامريكى الذين تجاوز عددهم عن 2500. اما الجرحى فيزيد عددهم عن 20 الف. كما ان الرعاية الاجتماعية والصحية لهم ذات تكاليف باهضة. لقد وصل عدد المنتحرين من افراد الجيش حوالي 18 شخصا في اليوم طيلة عقدين من الحرب. اما خسائر الافغان فتصل الى اكثر من ربع مليون في صفوف القوات الحكومية والمجاهدين. اما الخسائر المادية فقد دمرت وهدمت مدن وقرى على رؤوس اهلها من قبل الطائرات والصواريخ والقنابل الذكية الامريكية.
حرب سوقها الامريكان على انها لمحاربة الارهاب في افغانستان وفي العراق. حرب احرقت الحرث والنسل ونشرت الفقر والتخلف. لقد اتخذت امريكا والقوى الغربية بلداننا كحقل تجارب للتعرف على فعالية اسلحتها التدميرية على رؤوس المسلمين في افغانستان والعراق. نشرت العذاب والظلم والموت واذكت الطائفية والمناطقية والعشائرية في هذين البلدين. كان حظ هذين البلدين طيلة العقدين الماضيين مزيدا من الاعتماد على الخارج في غذائه واحتياجاته الاساسية فلا مشاريع زراعية او صناعية. وقع هذين البلدين في دائرة لا تنتهي من العنف والحروب العبثية ضد الارهاب المصنع من قبل المحتل نفسه.
لقد شيطنت امريكا والغرب انظمة تلك الدولتين وتبجحوا بانهم سينشرون الديمقراطية والحرية فيهما. ويدافعون عن حقوق المرأة وحرية الراي. لكن كانت النتيجة ان الانظمة التي صنعوها في كابل او بغداد انظمة فاسدة مفسدة شوهت الاسلام باسم الاسلام. لقد عادت الجاهلية الاولى باسوء صورها. حيث فرضت نخب غريبة عن بلدها لا تهمها غير مصالحها الانانية والطائفية والحزبية. فتركت مصير بلدانها تتلاعب بها الاقدار ويرسم مصيرها المستعمرون. نخب ضيعت نفسها وضيعت اوطانها التي تتحكم بها. فاسست انظمة ليس لها من الديمقراطية والحرية سوى الاسم المجرد. اذ كانت انتخاباتها مزيفة ولا تعبر الا عن رغبة الاحتلال واذنابهم.
كانت هزيمة امريكا متوقعة من قبلها ومن قبل المقاومة الافغانية. لكن لا ندري لماذا لم تنصح فرنسا وبريطانيا امريكا بالتريث وعدم المغامرة لاحتلال تلك البلدان. خصوصا ان للبلدين العجوزين تجاربهما الاستعمارية المريرة والفاشلة في كثير من البلدان الاسلامية.
هل ادركت امريكا بعد هذا السفر الطويل من تجربة استعمارها لافغانستان والعراق. بان المسلمين لا يقبلون الضيم والخنوع والذل والعمالة. كما ان الاحرار لا يمكن ان يخونوا اوطانهم مهما كانت التضحيات. هل ادرك عموم المستعمرون القدامى والجدد بان روح الاسلام واسسه المقدسة للدفاع عن الارض وحرية مواطنه. لا تموت وتتجدد جيل بعد جيل. ان انتكست مرة او مرات فان شعلة المقاومة للظلم والطغيان لن تنطفا ابدا. ولا بد ان تعود لتطرد المستعمرين واذنابهم المحليين.
د. نصيف الجبوري

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close