كارثة سبتمبر، التي اوقعها العرب في الشعب الأمريكي ؟

كارثة سبتمبر، التي اوقعها العرب في الشعب الأمريكي ؟ (*) د. رضا العطار

الكوارث الفظيعة تعطي للامم مجالا كبيرا لكي تجلس مع نفسها، تحاسبها وتنتقد ذاتها.

وتبين ماذا كسبت وماذا خسرت من تلك النكبات – – او من هذه الكوارث. وقد كانت كارثة الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ، مناسبة اليمة للامة العربية والاسلامية لكي تقف هذا الموقف النقدي الذاتي وتخرج منها بالعبر والخبر. بأعتبار ان الامة العربية والاسلامية كانت العنصر الفعال في هذه الكارثة الانسانية البشعة، وانها كانت الفاعل والعامل والجاهل.

ان هذه الكارثة لم تكن كارثة امريكية بقدر ما كانت كارثة انسانية عالمية شاملة وعامة بالمعنى الحقيقي والواقعي وليس بالمعنى المجازي. – – فضحايا هذه الكارثة لم يكونوا من الامريكيين فقط ولم يكونوا من الاوربيين فقط ولم يكونوا من المسيحيين فقط بل كانوا من كل ديانات والوان واجناس الارض التي كانت تضمهم نيويورك كمدينة عالمية، وليست كمدينة امريكية فقط – وكان من ببن ضحايا هذه الكارثة مسلمون من بنغلادش ومن الباكستان ومن ماليزيا ومن اندونيسيا ومن تركيا ومن مصر ومن لبنان – وكان من بين هذه الضحايا مسيحيون من الشمال : من امريكا وبريطانيا وفرنسا وايطاليا والدانمارك وبلجيكا والمانيا والسويد وسويسرا واسبانيا وايرلندا وكندا – ومن الجنوب : من البرازيل والبرتغال وتشيلي وكولومبيا والمكسيك والسلفادور وفنزويلا واروغواي – وكان من بين الضحايا بوذيون من اليابان والصين وكوريا و تايوان والفلبين – وكان من بين الضحايا بيض وسود وحمر وصفر – – – اذن فهذه الكارثة كانت ضد الانسانية وقيمها جمعاء ولم تكن ضد القيم الامريكية فحسب – وهذا هو السر وراء اختيار برجي التجارة العالمية في نيويورك لتدميرهما.

ان هذه الكارثة كانت كارثة فظيعة و شنيعة ومروعة وهي بمثابة اختبار جديد للعقل الديني الاسلامي وللعقل السياسي العربي، والجدير بالاهتمام هو ان نعرف كيف فكر العقل العربي والاسلامي بهذه الكارثة ونتائجها وكيف حللها وهل استفاد منها ام لا ؟

كذلك فان هذه الكارثة كانت امتحانا جديدا وعسيرا للعقل السياسي العربي وكان مطلوبا من هذا العقل ان يقول كلمته الواضحة والصريحة فيها. – – – فهل استطاع العقل العربي ان يتخلى عن التعالي والنرجسية ويحتكم الى الواقعية والمتغيرات الدولية الجديدة ولا ينظر الى الكوارث وكانه يعيش وحده في هذا العالم دون اي اعتبار للاخر ؟

(عصر التنوير) العربي الذي ابتدأ في مطلع القرن العشرين ان يغير من بياناته الخطابية والانشائية والعاطفية المتعصبة وانتصاراته البلاغية وكذلك يتخلى عن نرجسيته ويحتكم الى الواقعية والمتغيرات الدولية الجديدة ولا ينظر الى الكوارث وكانه يعيش وحده في هذا العالم دون اي اعتبار للاخر.

ان العقل العربي الذي تصدى لهذه الكارثة، هو العقل العربي نفسه الذي فشل في فهم عقلية وثقافة ومفاهيم الغرب على مدار القرن العشرين، والذي خاض عدة حروب مع اسرائيل خسرها كلها. وهو العقل العربي نفسه الذي فشل فشلا ذريعا في مسألة التحديث والتنمية واقامة دعائم الدولة القوية العلمانية والعلمية. وهونفسه العقل العربي الذي لم يحقق قدرا يذكر من الديمقراطية بعد مضي القرن من الزمان، منذ ان رحل عن ارضه المستعمرون العثمانيون، وهو العقل العربي نفسه الذي صنع الحكام المستبدين بدعم من اصحاب اللحى والمعممين.

ان الذين تظاهروا في الشوارع العربية امام كامرات التلفزيون دون خجل، عشية هذه الكارثة، ابتهاجا بها، وانتصارا لوقوعها، هم جزء من العقل العربي السائد الان. مهما حاولنا تبرير ذلك. وكان لدى الامريكيين المثقفين الحق عندما سألونا :

( هل نبتهج نحن الامريكيين عندما يُقتل الفلسطينيون من المدنيين العرب – – كلا، فلكم كل الحق ان تنتقدوا سياستنا، لكن ابتهاجكم السمج والمقيت على ما اصابنا، لا يساعدنا اطلاقا على التخلص من السياسات التي تنتقدونها بقوة وبأعلى اصواتكم )

كما قالها ادورد ووكر رئيس معهد الشرق الاوسط في واشنطن.

فهل افلس العقل العربي في معالجة مشاكله السياسية ولم يعد لديه من سلاح يستعمله الا (سلاح الضعفاء)، كمسوغ زائف لهذه الكارثة ؟ ولكن الضعف هنا ليس القوة الا من باب الاستعارة. ولا يمكن تحويل القوة الى ضعف من خلال عمليات ارهابية، على نحو ما جرى في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 – فالضعف لا يتحول الى قوة الا بالاخذ بالاسباب التي صنعت القوة.

ان كثيرا من الحقائق الاولية لهذه الكارثة قد قفز عليها كثير من الكتاب والمحللين العرب، ليقدموا لنا تحليلات قريبة من الخرافة، وان جملة التحليلات العربية كانت تتأرجح بين النزعة العاطفية التي تحجب العقل من ناحية وبين الخضوع ل (نظرية المؤامرة) و (نظرية الفخ) و (نظرية صدام الحضارات) وغيرها من النظريات الهلامية من ناحية اخرى. – – – فقد تحولت المناقشات الى مجادلات شخصية عقيمة لا تفيد الجمهور العربي تنويرا ولا وعيا، بل تشحنه الى الاتجاه المضاد للعقل والمنطق والفهم العلمي للاحداث.

ان العقل العربي مولع ب (انتصارات البلاغة) و (سحر البيان) بل ان معجزة العقل العربي الكبرى هي (سحر البيان) وهو لا يتوانى عن تشغيل هذه الالية السحرية في كل مناسبة من المناسبات الكبرى، وفي كل حادثة من الحوادث الجسيمة، ومنها هذه الكارثة.

فالعربي في هذه الحادثة قد القى الخطابات النارية واستعاد امجاد العرب من هاشم بن عبد مناف قبل الاسلام الى اسامة بن لادن. ودق اجراس الحرب واعلن ان الصليبيين قادمون، وانهم يطرقون ابواب مكة المكرمة والمدينة المنورة وبيت المقدس الى درجة ازعجت اصدقاء العرب من المفكرين والسياسيين الغربيين الذين قالوا :

يا عرب ما هكذا تُورد الأبل ! وقالوا كذلك : نريد منكم التعبير عن شكواكم ولكن ليس بالصياح، تجنبوا البلاغيات والروح السلبية ! واقترحوا علينا السبل البناءة لتناول قضاياكم !

فهل قدّم العقل العربي حيال هذه الكارثة موقفا سياسيا او فكريا جديدا يختلف عن المواقف السياسية والفكرية التي اعتاد ان يقفها في الماضي عندما يواجه مثل هذه الكوارث السياسية الكبرى ؟

وهل تغيرت القناعات العربية القديمة وطريقة التفكير التقليدية المقتصرة على استبطان الحقيقة استبطانا معرفيا وعقلانيا سليما ؟ – – – فلا عجب اذن وحال العقل العربي على هذا النحو من التردي والاستسلام للخرافات والاوهام واستنباط الحقائق من خلال سُحب دخان المباخر وضوء الشموع وادعية المساجد، ومن خلال ما ينسج تفكيرنا من الجهل والوهم والخداع، كما قالها الكاتب اللبناني البارز علي حرب.

لقد فتحت امريكا ابوابها في القرن التاسع عشر للعرب واليهود على السواء. وجاء المهاجرون العرب واليهود الى امريكا من كل فج عميق. وكما جاء العرب فقراء مطاردين من العثمانيين الظلمة ومن حكامهم الطغاة، وسلطتهم الغاشمة، فكذلك جاء اليهود الى امريكا فقراء ومطاردين ومضطهدين من النازية ومن جور الحكام ايضا. فلننظر ماذا فعل العرب في امريكا وماذا فعل اليهود في امريكا – – ولننظر كيف استطاع اليهود ان يكسبوا امريكا بالعلم والمال والسلطة الى جانب قضيتهم القومية. وكيف اننا بجهلنا وتعصبنا وغرورنا خسرنا امريكا ووقوفها الى جانب قضايانا القومية – – وجاءت كارثة سبتمبر لكي تضع الفصل الختام لهذا الفشل والطلاق البائن بيننا وبين امريكا كقوة عظمى في هذا العالم كان من المفروض ان تساعدنا على حل مشاكلنا السياسية والاقتصادية بالدرجة الاولى – وكانت تلك واحدة من محن العقل العربي المعاصر.

ورغم ان كارثة الحادي عشر من سبتمبر كانت كارثة انسانية بكل المقاييس، الا انها كانت كارثة مفيدة جدا للعالم العربي، وكان لها اثر حضاري في العالم العربي لا يقل عن الاثر الذي تركته حملة نابليون على مصر 1798 _ فهذه الكارثة وضعت العالم العربي كله تحت المنظار الغربي السياسي والثقافي والاقتصادي. وادرك العالم الغربي بان هناك عالما عربيا مهملا ومتخلفا، تحكمه الديكتاتوريات العسكرية و العائلية البغيضة. وان الفساد الاداري والامية المتفشية والفقر المنتشر والتخلف الاجتماعي، لا مثيل له في العالم كله. هذا ما اثبتته التقارير المتوالية للتنمية البشرية الصادرة من الامم المتحدة عام 2003 – – ومن هنا اصبح العالم العربي منذ صبيحة

9 / 11 الشغل الشاغل للغرب عموما ولأمريكا خصوصا. –

والجدير بالملاحظة ان الولايات المتحدة قد غيرت استراتيجيتها خلال الستين سنة الماضية، فلم تعد تقابل القتل بالقتل، كما حدث ابان الحرب العالمية الثانية، انما استعملت عقلها وارتفعت في تفكيرها واصبحت (اكثر انسانية) – – – كلنا يتذكر الاحداث الدامية يومذاك، عندما قامت العسكرتارية اليابانية بالهجوم على (بيرل هاربر) مما تسبب في تدمير الاسطول الامريكي كاملا وقتل 2500 من جنودها، وكيف ان امريكا انتقمت من اليابان بضرب مدينتي هيروشيما ونجازاكي بالسلاح الذري مما تسبب في قتل وجرح وتشويه اكثر من مليون مواطن.

لكن عندما قام العرب المسلمون بتدمير برجي التجارة العالمية في نيويورك في سبتمبر عام 2001 و قتل اكثر من 3000 من خيرة خبرائها المتخصصين في العلوم التقنية العالية الحديثة، لم تقابل امريكا العرب بنفس الاسلوب الذي اتبعته مع اليابانيين في الحرب العالمية الاخيرة انما قامت باحتلال اوطانهم الغزيرة بالبترول.

اضافة الى ذلك، جاءت جيوشها لكي تطيح بالانظمة الدينية المتخلفة الخطرة، مأوى الارهابيين في افغانستان. وملاحقة اسامة بن لادن وتحطيم اركان تنظيمه (القاعدة) ومحاربة الارهاب حربا ضروسا – – – كذلك جاءت الجيوش الامريكية الى المنطقة العربية، لكي تطيح بالانظمة الديكتاتورية العتيدة الفاسدة والتي لم تستطع شعوبها المقهورة التخلص منها، كان في مقدمتها نظام الطاغية صدام.

كل ذلك كان بعد كارثة 9 / 11 . والتي كانت بمثابة (مصائب قوم عند قوم فوائد)

* مقتبس من كتاب (سجون بلا اقفاص) لشاكر النابلسي. .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close