كيف يعبث التعصب الأعمى بالفن الجميل ؟

كيف يعبث التعصب الأعمى بالفن الجميل ؟ (*) د. رضا العطار

بعد ان قضى الموظف العربي فترة اجازته السنوية في ايطاليا سائحا، رجع الى بلاده وقد جلب لأعضاء اسرته وبعض اصدقائه هدايا جميلة، كانت عبارة عن تماثيل بلورية بيضاء صغيرة، تُزين بها عادة غرف الجلوس او صالون الاستقبال، نظرا لمنظرها المحبب، الى جانب كونها قطع فنية رائعة.

وحالما دخل صاحبنا دائرة الكمرك في المطار، طلب منه الموظف المسؤول فتح حقائبه، وعندما شاهد المفتش التماثيل، بدأ بتكسيرها عن طريق ضربها بحديد المبنى وهو يهلل و يكبر مكررا عبارتي: ( الله اكبر !! ) و ( جاء الحق … ! ). وهكذا راح يحطم هدايا الرجل وكأنه يجدد يوم الفتح العظيم ..

وبينما كانت آثار الخيبة و الحسرة بادية على وجه القادم من السفر، تقدم اليه احد الملتحين المتعصبين، متطفلا، ودار بينهما النقاش التالي: حول هذه ( القضية الهامة )

فقال الاخير وهو يطقطق بسبحته – هذه مسألة لا شك فيها، فالتماثيل حرام من جميع الوجوه. فقاطعه المسافر قائلا – وما جعلك تجزم بانها حرام في حسم قاطع على هذا النحو… ؟

* انها حرام ! فعبادة الاصنام رجس من عمل الشيطان. علينا ان نجتنبه بل قل انها كفر صريح والعياذ بالله واضاف ( ربي اجعل هذا البلد آمنا وأجنبني وبنىّ ان نعبد الاصنام )

قال المسافر: ارجو ان نتحدث بهدوء وبلا انفعال: هل كل تمثال صنم ؟ وما رأيك في التماثيل المتناثرة في بعض بلداننا العربية كتمثال جمال عبد الناصر في مصر ؟

أهي معبودات تقام لها احتفالات وتقدم لها القرابين ؟ هل هذا حديث رجل عاقل ؟

* صحيح ان هذه التماثيل اُقيمت لتخليد قادة، لكن من ذا الذي يضمن لك الاّ تتحول في مستقبل الايام الى – معبودات واصنام – كيف نضمن ان الناس لن يحيلوها الى

( اللات والعزي ومناة الثالثة الأخرى ) أليست الوقاية خير من العلاج ؟ اليس من الافضل ان نبتعد عن مزالق الخطر فنحرم نحت التماثيل اصلا ونمنع صنعها ؟

* لا ضامن ولا عاصم سوى ثقافة الناس وتحضرهم وتقدمهم وارتفاع مستوى عقائدهم وايمانهم . فقاطعه الاخر قائلا: وحبات السبحة تتسارع في طقطقتها، وكأنه يستحثها ان تسعفه بردود مفحمة. أليس الاجدر ان نبعد الناس عن مكان الشر فنحطم التماثيل القائمة خشية تحولها الى اصنام تعبد ؟ وان نقضي عليها ايا كان نوعها ؟ فأجابه خصمه وعلامات الدهشة ترتسم على وجهه:

* لو اننا طبقنا هذا المعيار الغريب لحرمنا اعواد الثقاب. ومنعنا انتاجها لانها كثيرا ما تتحول الى حرائق، ولرفضنا استخدام الغاز والكهرباء … لما تسببه احيانا من كوارث، ولقتلنا المرأة العربية خشية ان يرتكب الرجل معها فسقا وهكذا وهكذا.

* هذا قياس، مع الفارق فاذا كانت النار تنفع الناس من ناحية وتذكرهم بعذاب السعير من ناحية اخرى وتجعلهم يتعظون من ناحية ثالثة – فان التماثيل لا فائدة منها … وتوقف يلتقط انفاسه مثلما توقفت حبات السبحة عن الطقطقة وبدأت تهبط متثاقلة ثم استطرد قائلا:

* ثم ان صناعة التماثيل التي يمكن ان تتحول الى اصنام حرام من زاوية اخرى، فعملية النحت و (تجسيد) انسان من حجر محاولة للتشبه بعملية الخلق ومن ثم فان الفنان الذي يقيم تمثالا لانسان ما يحاول محاكاة الخالق، جلّ وعلا في خلق البشر!

* فأجاب المسافر المنكود: لا بد ان تعلم يا سيدي ان وجود صفات مشتركة بين الله والانسان مسألة اساسية ولا يجادل فيها احد، وهي تبدأ من حقيقة الوجود: فالله موجود والانسان موجود، والى صفات العلم والقدرة والوعي والعقل والارادة … الخ لكن الفارق هائل بين الوجود الألهي الدائم الذي لا يغيب، والوجود البشري الفاني العابر، وكذلك بين العلم الألهي الشامل وعلم الانسان المحدود، وقدرة الله على كل شيء وقدرة الانسان على بعض الاشياء.

و اثناء خضم المناقشة الحادة، سمعوا راديو اسرائيل تعلن انها اطلقت اول قمر صناعي الى الفضاء الخارجي، اطلقت عليه اسم ( افق 1 ) واضاف بأن اسرائيل تعتبرها خطوة هامة في تطوير صناعتها التكنولوجية وسوف تصبح في المستقبل صانعة وبائعة للأقمار الصناعية.

وعندما وصل ( المدهوش ) داره، شاهد اطفاله مجتمعين حول التلفزيون يستمعون نشيد : ( امجاد يا عرب امجاد )

* مقتبس من كتاب افكار ومواقف لمؤلفه امام عبد الفتاح امام

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close