هل نحن متوجهون نحو ديمقراطية المال والسلاح ؟!

هل نحن متوجهون نحو ديمقراطية المال والسلاح ؟!

محمد عبد الرحمن

بعد الخلاص من النظام الدكتاتوري سنة 2003 تطلع العراقيون الى إقامة بديل ديمقراطي بكل ما في كلمة الديمقراطية من معنى، وبكل ما يخص نظام الحكم وتداول السلطة سلميا عبر انتخابات عادلة ونزيهة، ومجموعة متكاملة من الحريات العامة والشخصية، وفي المقدمة حرية الرأي والفكر والمعتقد والتجمع والتظاهر. نظام بديل يؤمن الحقوق واساسا الحق في الحياة الحرة الكريمة ويستند الى قاعدة اقتصادية متطورة ومتينة ومتنوعة، توفر ديناميكية لعملية تنمية مستدامة تعود بالنفع العام على المواطنين. وهذا يستلزم أيضا وجود منظومة فاعلة تؤمّن العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص للمواطنين جميعا، من دون تمييز لاي سبب كان .
والحق ان في دستور 2005 النافذ كثيرا من التوجهات والمواد السليمة ولا سيما في مجال الحقوق والحريات، وانْ اُثقل بعضها بعبارات مثل “الأعراف الاجتماعية” و “العادات والتقاليد” و”المصلحة العامة” او القول ان “لا تتعارض مع القانون”. لكن هذه كلها بقيت مفتوحة ومن دون توافق واتفاق عليها، وعلى من يحددها، إضافة الى تعليق تنفيذ بعض مواد الدستور “عبر تشريع قانون”، وهو ما لم يتحقق نظرا الى استمرار الحاجة الى تشريع 50 قانونا.
ومنذ 2005، وبدلا من التوجه الجاد نحو بناء نظام ديمقراطي حقيقي، نشهد باستمرار وفق تشريعات او بفرض امر واقع تحت عناوين متنوعة، تقزيما متواصلا لهامش الديمقراطية وتضييقا على الحريات وغمطا للحقوق، فيما تم بناء نظام محاصصاتي لا صلة له باي اساس من أسس الديمقراطية بجانبيها السياسي والاقتصادي – الاجتماعي .
وقد قاد هذا النظام المحاصصاتي ليس فقط الى تشويه الديمقراطية وقيمها ومعانيها، بل ووفر الحماية للفاشلين والفاسدين الذين تحولوا الى حيتان كبيرة ، وحصل تخادم بين العناصر المستفيدة من هذا النظام المحمي بعناصر القوة والعنف والسلاح، وبعضها مغطى بـ «شرعية الدولة «، لكنها بعيدة جدا عن الالتزام بقوانين الدولة وسياساتها العامة وبضمنها في المجالين العسكري والأمني .
هذا النظام ومعه الأموال المنهوبة والمسروقة من الدولة، افرز اقلية حاكمة هيمنت على القرار السياسي والاقتصادي والأمني، واستحوذت على السلطة والمال والسلاح والاعلام. وقامت هذه الأقلية الواعية لمصالحها، مستندة الى وجودها الطاغي في البرلمان وتخادم المصالح، بتشريع عدد من القوانين او تعديل ما موجود منها، لمصلحة ادامة نفوذها وسطوتها وتأبيد وجودها. ومن ذلك ما حصل مع قانون انتخابات مجلس النواب مثلا، الذي لم يستقر على حال. ففي كل دورة انتخابية تتم مراجعته، ودفعه الى مزيد من التضييق على الإمكانية الفعلية للتنافس الحر والعادل والمتكافئ.
فبعد ان كان العراق دائرة انتخابية واحدة مع اعتماد نظام الباقي الأقوى في توزيع المقاعد، جيء بنظام سانت ليغو الذي شوه لاحقا في نسخة عراقية لا تمت اليه بصلة، وصولا الى القانون الجديد للانتخابات الذي فُصل على مقاسات الأقلية الحاكمة ومفرداتها وعناوينها المكوناتية. فهذا القانون يغذي النزعات الولائية المحلية على حساب المواطنة العراقية الجامعة، وكمحصلة يضاعف فرص أصحاب المال والنفوذ والسلاح. ويمكن القول انه يعزز في حال عدم توفر الظروف السياسية والأمنية المناسبة، فرص فرض ديمقراطية المال والسلاح. وهذا ما نشاهد ملامحه خصوصا في الانتخابات الحالية! حيث يتعانق المال السياسي والسلاح ويتشابكان.
والحال ان الموضوع اكبر من قضية انتخابات معروفة النتائج سلفا ، وابعد من امر المقاطعة او المشاركة. فهو يتعلق بمستقبل البلد، وبإمكانية حسم الخيار لمصلحة فرض السير على طريق التغيير الشامل ،الذي يشمل النظام المحاصصي – المكوناتي ومنهج إدارة الدولة وحتى الشخوص .
وهذا يقينا يعتمد على نهوض جماهيري واسع منظم وواضح الأهداف، ويمتلك قيادة قادرة على رسم التوجهات وتبني الشعارات في كل مرحلة ، ومنفتحة على كل المتطلعين والعاملين من اجل التغيير، بهدف كسر احتكار السلطة ودحر منظومة المحاصصة والفساد والسلاح المنفلت، وتحقيق امل عموم العراقيين في إقامة دولة المواطنة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة “طريق الشعب” ص2
الاثنين 13/ 9/ 2021

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close