مكافحة كورونا تتسارع عالميا في سباق مع الشتاء

حميد الكفائي
كاتب وأكاديمي عراقي

.

تشتد حملات التطعيم والإجراءات الصارمة على النشاطات الاجتماعية لغير المُلقَحين في العديد من دول العالم مع اقتراب فصل الشتاء، نتيجة لما يسببه هذا الفصل من ظروف مساعِدة على انتشار الفيروسات، بسبب اكتظاظ الأماكن المغلقة نتيجة لانخفاض درجات الحرارة، إضافة إلى انتشار الأمراض الفيروسية الأخرى، وما تتركه من أعراض، كالعطاس، تساعد على انتشار الفيروسات عموما، وبينها كوفيد 19.

في الولايات المتحدة أعلن الرئيس جو بايدن عن إجراءات جديدة تتعلق بالتجمعات في أماكن العمل، في محاولة لإعادة النشاط إلى حملة التطعيم المتأخرة عن البرنامج المرسوم لها. وتأتي هذه الحملة مع تصاعد الإصابات بمتحور (دلتا) الذي يبدو أنه أخطر من المتحورات الأخرى، وأسرع انتشارا، إذ تصاعدت أعداد الموتى بين المصابين به في الآونة الاخيرة.

وتقضي الإجراءات الجديدة بضرورة تلقي اللقاح لكل شخص يعمل في المكاتب وأماكن العمل الأخرى، التي يزيد عدد العاملين فيها على مئة شخص، والتي تتعامل مع التأمين الصحي الحكومي. ويشمل هذا الإجراء حوالي مئة مليون شخص، بمن فيهم موظفو الدولة والمتعاقدون مع مؤسساتها.

كما تضمنت الإجراءات تقديم جرعة ثالثة (أو ما سُمِّي باللقاح المعزِّز) من لقاح فايزر لمن هم فوق سن الخامسة والستين، أو الذين يعانون من ضعف صحي بين من تتطلب وظائفهم أن يلتقوا بعدد كبير مع الناس.

وهذا يعني أن عشرات الملايين من الأمريكيين سوف يتلقون الجرعة الثالثة قبل حلول فصل الشتاء، إن حظي الإجراء بموافقة مركز السيطرة والوقاية من الأمراض، والتي يعتقد المختصون بأن المركز يتجه نحو الموافقة على البدء بتقديم الجرعة الثالثة (المُعزِّزة)، والتي حصلت على موافقة سلطة العقاقير والأغذية (أف دي أي).

وانتقد الرئيس بايدن الأمريكيين الذين لم يتلقوا اللقاح بعد، والذين تقدر نسبتهم بـ30% من البالغين، بمن فيهم أولئك الذين رفضوا تلقي اللقاح لأسباب مختلفة، قائلا “ماذا تنتظرون؟ ما الذي تريدون أن تعرفوه كي تتلقوا اللقاح؟ لقد جعلنا اللقاح مجانا وأمينا وملائما. كنا صبورين (معكم)، لكن صبرنا بدأ ينفد سريعا، وأن رفضكم أخذ يكلفنا جميعا (غاليا)”.

معظم الرافضين لتلقي اللقاح هم من اليمينيين من أتباع الحزب الجمهوري، الذين يلقون دعما من قيادات بارزة في الحزب، رغم أن أعضاء جمهوريين بارزين في مجلس الشيوخ، مثل ميتش ماكونال، يعارضون هذا الموقف.

وانتقد بايدن ما سماه بـ”تسييس الجائحة”، الذي قال إنه أصبح “يصيب الناس بالفيروس ويدفعهم إلى الموت”. يذكر أن عدد الوفيات اليومي قد تزايد الآن إلى ضعف ما كان عليه في العام الماضي، قبل بدء عملية التطعيم.

وعلى الرغم من الانقسام الذي يعانيه المجتمع الأمريكي، فإن حملة التطعيم ماتزال تتمتع بشعبية كبيرة بين الأمريكيين، إذ أشار استطلاع لمركز نورك-أسوشيتد برس لأبحاث الشؤون العامة، أجري قبل إقرار لقاح فايزر بأن 50% من الأمريكيين العاملين يقرون فرض إجراءات اللقاح في مكان العمل. وقد ازدادت هذه النسبة إلى 62% عندما سُئل العاملون حول ضرورة تلقي العاملين في قطاع الصحة اللقاح، وإلى 58% فيما يتعلق بالعاملين الذين تحتم عليهم وظائفهم الاحتكاك بالناس بانتظام.

وفي بريطانيا، أعلنت الحكومة أنها سوف تقدم الجرعة المعزِّزة من اللقاح لكل من تجاوز الخمسين من العمر، وكذلك إلى الذين يعانون من ضعف صحي، مع اقتراب فصل الشتاء. كما أعلنت السلطات الصحية في كل من ألمانيا وفرنسا وجمهورية التشيك عن إجراءات مماثلة للمسنين والضعفاء، بينما سبقت إسرائيل الجميع بتقديم الجرعة المعززة حتى للصغار ممن تجاوزوا سن 12.

ماتزال هناك معارضة للتطعيم في أوروبا، ورغم أنها صغيرة، لكنها صاخبة وقادرة على تحشيد التظاهرات. في فرنسا مثلا خرج الآلاف إلى الشوارع خلال الصيف الماضي، محتجين على فرض شهادات التطعيم على كل من يرغب في دخول الأماكن العامة، كالمطاعم والفنادق والملاهي والسينمات والحفلات الموسيقية والمباريات الرياضية.

كما احتج الآلاف أيضا في برلين على إجراءات مماثلة فرضتها الحكومة الألمانية. ورغم هذه الاحتجاجات، فإن معدلات التلقيح في كل من ألمانيا وفرنسا واصلت تصاعدها، مرتفعةً بنسبة 10% في فرنسا منذ فرض القيود الأخيرة.

أما في بريطانيا فلا توجد معارضة علنية أو تظاهرات ضد اللقاح، ولكنْ، هناك مترددون في تلقي اللقاح. وتقدر الحكومة أن عدد الذين لم يتلقوا اللقاح بين البالغين في إنكلترة وحدها بخمسة ملايين شخص، بينما بلغ عدد الذين تلقوا الجرعة الأولى من اللقاح 48 مليونا من مجموع عدد السكان البالغ 67 مليونا.

وإذا كانت الخلافات في العالم المتقدم تدور حول ضرورة تلقي اللقاح وفرض القيود على القلة الذين لم يتلقوه حتى الآن لأسباب مختلفة، فإن الوضع في باقي دول العالم مختلف تماما. اللقاحات في الدول الفقيرة مازالت شحيحة، إذ تشير الاحصائيات إلى أن 80% من اللقاحات، قد وزعت في الدول ذات الدخل العالي والمتوسط، بينما حصلت الدول الفقيرة على 4% فقط من مجموع اللقاحات المنتجة حتى الآن.

منظمة الصحة العالمية دعت الدول الغنية إلى التوقف عن تقديم الجرعة الثالثة لمواطنيها، حتى ترتفع نسبة متلقي اللقاح في الدول الفقيرة. وقال المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس، إن بعض البلدان في أفريقيا لم تتجاوز فيها نسبة الذين تلقوا الجرعة الأولى 2%، لذلك فإن “تقديم الجرعة الثالثة (المعزِّزة) للسكان الأصحاء ليس صحيحا”، حسب قوله.

وتشير الإحصائيات العالمية التي نشرتها جريدة نيويورك تايمز، وكذلك موقع “العالم في بيانات”، إلى أن أكثر من ستة مليارات جرعة قد وزعت وتلقاها السكان في مختلف أنحاء العالم، وهذا يعني أن هناك 79 جرعة لكل 100 شخص في العالم، بينما يحتاج الفرد الواحد إلى جرعتين على الأقل كي يحمي نفسه من الفيروس، أي يجب إنتاج 12 مليار جرعة كي تكفي سكان العالم أجمع، بجرعتين لكل فرد (باستثناء الأطفال الذي يقدر عددهم بـ 2.2 مليار طفل حسب مؤسسة هيومانيوم).

هناك تفاوت كبير بين بلد وآخر في نسبة المطعمين ضد الفيروس. ففي دول أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية واليابان وتركيا والصين وأستراليا والبرازيل والأرجنتين وتشيلي والأكوادور ودول الخليج العربي والمغرب وماليزيا وكمبوديا، فاقت نسبة جُرَع اللقاحات عدد السكان (أي يمكن الفرد أن يتلقى أكثر من جرعة).

في دولة الامارات العربية المتحدة مثلا، بلغت نسبة جُرَع اللقاحات إلى عدد السكان (201%)، وهي الأعلى في العالم، إذ تتوفر جرعتان على الأقل لكل فرد. بينما بلغت النسبة في أورغواي (175%) وإسرائيل (164%) والصين 156% وبريطانيا 139% وفرنسا 138% وألمانيا 128% والمملكة العربية السعودية 120%، والولايات المتحدة 117%.

لكن دولا كثيرة أخرى بقيت فيها نسبة اللقاحات متدنية، مثل روسيا وبعض دول أوروبا الشرقية ومعظم الدول الأفريقية والعديد من دول آسيا. في روسيا والهند مثلا، بلغت نسبة جُرَع اللقاح إلى عدد السكان 61%، وفي رومانيا (52%) وإندونيسيا (48%) وبلغاريا (36%) وباكستان (35%) والبوسنة والهرسك (32%).

بينما بلغت النسبة في الأردن (68%) وتونس (62%) وإيران (52%) وجنوب أفريقيا (28%) والجزائر (23%) وليبيا (22%) والعراق (17%) ومصر (14%) وكينيا (6%) والسودان (3.5%) وأثيوبيا ونيجيريا (3%)، بينما بلغت في جمهورية الكونغو 2% فقط.

يوجد عشرات الملايين من الأشخاص في الدول الغنية لم يتلقوا اللقاح لأسباب مختلفة، بينما تشير التقديرات إلى أن 2.1% فقط من السكان في الدول الفقيرة قد تلقوا جرعة واحدة من اللقاح، وأن نسبة الذين تلقوا جرعة واحدة في العالم أجمع لا تتجاوز 44%، ما يعني أن هناك ما يقرب 3 مليارات إنسان (مع استثناء الأطفال) لا عهد لهم باللقاح، ولا أمل بتلقيه قريبا، وهذا العدد هائل، ولابد أنه يقلق المؤسسات الصحية في بلدان العالم المختلفة، لأن الفيروس لا يمكن القضاء عليه إلا بعد أن يتلقى جميع سكان العالم اللقاح مرتين، أو ثلاثة لبعضهم، وحينها فقط يمكن أن تنكسر حلقة انتشاره ويبدأ بالتلاشي.

الرئيس الأمريكي جو بايدن أعلن في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أن بلاده سوف تقدم 500 مليون جرعة من اللقاح للبلدان الفقيرة خلال عام 2022. وهذا العدد لا يكفي لتطعيم حتى 20% من غير المطعَّمين، وبجرعة واحدة فقط. هناك حاجة لستة مليارات جرعة كي يتلقى المتبقون جميعا جرعتين لكل فرد. حتى الآن، لم يصل إلى البلدان الفقيرة إلا النزر اليسير من جُرَعِ اللقاح التي وعدت بها الدول الغنية.

وتحاول الدول الصناعية تجنب الإغلاق الكامل هذا الشتاء، وتسعى جاهدة للحد من الإصابات والوفيات عبر طرق أخرى، أقل ضررا بالاقتصاد، منها مثلا، فرض القيود على التجمعات وإصدار بطاقات التطعيم ضد كوفيد 19، واعتبارها شرطا أساسيا من شروط المشاركة في النشاطات العامة. أما الدول الفقيرة، خصوصا تلك التي لا تملتك نظاما للحماية الاجتماعية، فتتجنب الإغلاق مهما كانت النتائج لأنه سيخلق لها مشكلة أخرى أكثر تعقيدا.

المقياس الذي تضعه الحكومات الغربية لفرض الإغلاق الشامل من عدمه، هو قدرة أنظمتها الصحية ومستشفياتها على استيعاب المرضى. فإن بقي عدد المرضى في المستشفيات دون السعة القصوى للنظام الصحي، فإنها لا تلجأ إلى فرض الإغلاق الشامل. ولكن، إن اقترب النظام الصحي من طاقته القصوى، مع احتمال تزايد الإصابات، فإن الإغلاق الشامل سيكون الحل الوحيد المتاح للحد من الإصابات والوفيات.

لا أمل قريبا على ما يبدو في الخلاص كليا من الفيروس، لكن العد التنازلي له قد بدأ مع انطلاق الحملة الأولى للقاحات مطلع هذا العام. إن تمكنت الدول الغنية من تزويد الدول الفقيرة بما يكفي من اللقاحات خلال العام المقبل، فيمكننا أن نتحدث حينئذ عن عالم يخلو من كوفيد في العام 2023/2024. وفي هذا الأثناء لابد من استمرار الالتزام بالتوجيهات الصحية المعروفة للوقاية من كوفيد 19.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close