ذكرياتي عن المانيا، احترام القانون شارة شرف !

ذكرياتي عن المانيا، احترام القانون شارة شرف ! د. رضا العطار

بمناسبة بدا الانتخابات البرلمانية هذا الشهر، انشر هذا المقال !

القانون تاج النظم السياسية، والالتزام يكون فعالا اذا شمل الجميع، فلا فرق بين حاكم ومحكوم. ان ما ادوًنه من ذكريات عبارة عن قصص واقعية شاهدتها بنفسي عندما كنت في الستينبات مقيما في المانيا، تتعلق بالتزام الشعب الالماني بالقانون، اتمنى ان نتعلم منها لنبني الدولة المعاصرة ونحن نقف على اعتاب استحقاق انتخابي نيابي جديد.

يحتاج مجتمعنا بما فيه الكاتب والطبيب والمحامي والصحفي والمهندس قبل العامل في المصنع الى ان يترك محيط عمله مرة في السنة إن امكن، ليتسنى له الفرصة الكافية للتعرف على بلد جديد، يدرس عادات وتقاليد شعبه واسلوب حياته عن كثب فضلا عن تجديد عافيته بغية الحفاظ على صحته. وألا يكون هدفه التسلية واللهو فقط انما يجعل فترة اقامته في المحيط الجديد خلوة فكرية، تكسبه صفاء ذهنيا وقدرة على الممايزة بين القيم الاخلاقية والروحية، وفرصة للاطلاع على ثقافة وعلوم اهله ، فضلا عن شغفه العارم في احترام القانون.

يقول كاتب الكلمات : كنت بين اعوام 59 ـ 1962 امارس دورة الاختصاص في طب وجراحة العيون في مستشفى جامعة هومبولد في برلين. وقد جرت العادة ان تقدم ادارة المستشفى في بداية السنة من كل عام استمارة كي يحدد كل طبيب تاريخ اجازته السنوية، ولم اعلم في حينها ان هذه الاجازة مرتبطة بضوابط قانونية، انما كنت معتقدا بان صاحبها سيكون له مطلق الحرية في ان يتمتع بها كيفما يشاء.

وفي هذا الشهر بالذات اي في بداية السنة من عام 1962 زارني في مقر عملي في المستشفى الجامعية، طبيب عيون الماني معروف، وقال لي :

علمت انك تعمل في عيادات اطباء العيون بالوكالة، اليس كذلك ؟ قلت له هذا صحيح. قال:

اني اروم القيام بسفرة سياحية حول العالم في الاول من شهر ابريل من هذا العام، وارغب ان تقوم بأدارة عيادتي خلال هذاالشهر بدوام كامل، وانني مستعد ان ادفع لك ما تطلبه قلت له دعني افكر في الأمر وسأعطيك الجواب غدا، فشكرني وغادر.

كان برنامجي يقضي بالرجوع الى العراق بعد الانتهاء من مهمة الدراسة، وكان هدفي ايضا تهيأة المال اللازم لشراء بعض الأجهزة الطبية لعيادتي المستقبلية في بغداد، علما ان تلك الاجهزة كانت باهظة الثمن، وبعد مراجعة حسابية سريعة علمت بان المبلغ الذي سأطلبه من الزميل، سيحقق لي هذا الهدف، وعلى اثر ذلك اعلمت الزميل موافقتي. وقد سُرً بذلك وتم التوقيع..

وفي صباح اليوم المحدد للعمل، فوجئت بان عيادة الزميل المغادر كانت مغلقة، فتحيرت في الامر وتاملت وانتظرت، وقبل ان ينفذ صبري طرقت الباب، فظهرت السكرتيرة وبشاشتها تعلو محياها وقالت : فتحت الباب قبل ساعة، وبعد ان دخل عشرون مراجعا اغلقتها . . فدلفت الى الداخل واخذت مكاني، كان الوقت يشير الى العاشرة صباحا، وهو بدأ الدوام المعتاد للعيادة. بدأت استقبل المرضى واحدا بعد الأخر، كانت الامور تجري بنظام وانسيابية.

وفي احد الايام قال لي احد المراجعين، انه فقد بصره في العين اليمنى صباح ذلك النهار. وبعد فحص عابر اعلمته انه مصاب بانفصال الشبكية ويحتاج الى مداخلة جراحية. فسألني المريض عن عنوان المستشفى، قلت له عليك ان تبحث بنفسك عنها، وزودته بمخطط يحدد موقع الأصابة ليسلمه الى طبيبه المعالج. فأخذ ما اعطيته وخرج.

وفي اليوم التالي قرع جرس التلفون، وعندما رفعت السكرتيرة الهاتف تغيرت ملامح وجهها وبدت منزعجة وقالت : دكتور النداء يخصك. لقد كان على الخط من الجانب الاخر استاذي البروفيسور كليمنس، رئيس المستشفى التي اشتغل فيها، وعندما حييته لم يرد، بل انطلق يصرخ غاضبا، معنفا اياي ولم يسمح لي بالكلام بل طلب حضوري فور الانتهاء من دوام العيادة، واغلق الخط. كان غضب الاستاذ ينذر بشر مستطير.

لقد كان من سوء طالعي ان المريض الذي كان يبحث عن مستشفى، لم يجد ضالته بين عشرات مستشفيات المدينة الكبيرة، إلا تلك التي كنت انا اعمل فيها.

ذهبت الى الاستاذ عصر ذلك النهار وانا مقهور لكنني وجدته هادئا، واشار علي يالجلوس وقال لي : طلبت حضورك كونك اخترقت حرمة القانون، ولما سمعت هذه العبارة فزعت، فهذا يعني اني خالفت امرا خطيرا.

واضاف : نحن اعطيناك اجازة براتب كامل، بهدف السفر الى منتجع لتستجم وتستعيد نشاطك، وتغدو بعد ذلك اكثر حيوية واوفر انتاجا ولم يكن مسموحا لك ان تهدر طاقتك في عمل جانبي ثم تأتينا وانت متعب وغير مؤهل للاستمرار في اداء الواجب..

وعندما علمت انني اخطأت، عبرت للاستاذ عن اسفي واعتذاري على ما حدث مؤكدا له عدم علمي بشروط هذه الأجازة.

قال : علينا ان نعمل لمعالجة المشكلة. هاك بالقلم و أطلب أجازة لخمسة عشر يوما بدون راتب، تقضيها في منتجع سياحي ومن هناك تزونا برسالة.

خرجت في اليوم التالي الى محطة القطار في برلين متوجها الى هامبورغ بعد ان ارتسمت في رأسي جدًية الموضوع، كان القطار حديثا ونظيف جدا، فضلا عن وفرة خدماته الاجتماعية. وبعد ساعات من السفر الممتع، وصل القطار محطة هامبورغ في الدقيقة التي اعلن عنها. ومنها انتقلت الى احد المنتجعات السياحية في الشمال واستقريت في فندقه..

كان المنتج منبسطا على ساحل بحر البلطيق، المعروف بزرقة مائه الصافية والذي كان يمتد حتى يختفي وراء الافق البعيد، كان شروق الشمس رائعا، والهواء منعشا مشبعا بروائح الربيع العذبة، كانت الاشجار مرصعة بالزهور البيضاء كأنها فصوص الماس، كما كانت شتلات الورد في حدائقها تملأ اجواء المكان بروائحها الزكية، كنت اشاهد النباتات من حوالي وهي تتفجر من فرط الحياة.

اما شارع الشاطئ فكان هو الاخر يزخر بنافورات الماء العالية وحدائق الورد الوسطية، تزيدها تماثيل الرخام، رونقا وجمالا. كنت سعيدا بالتواجد في ذلك المكان.

وفي اول يوم من وصولي عملت لنفسي برنامج عمل يومي : استهله بالنهوض في الصباح المبكر وبعد قضاء اوطار الاستجمام اتناول طعام الفطور، واذهب بعد ذلك لرياضة المشي، اتمتع خلالها في استنشاق الهواء الطلق ونسائم البحر الندية، ثم اكر راجعا الى الفندق وانزل في حوض السباحة واستمتع في شرب قهوة الصباح واقرأ جرائدها اليومية الى ان يحين موعد طعام الغذاء.

اما عصرا وبعد تناولي الشاي اشارك جموع المصطافين تجوالهم التقليدي على طول رصيف الساحل، منتظرين بفارغ الصبر رؤية منظر الغروب وروعته وما يحدثه العسق من خطوط بديعة زاهية.

أما بعد فترة العشاء فكنت استمتع بشطر وافر من الليالي الحمراء التي تحييها ادارة الفندق، من فعاليات فنية وموسيقية متنوعة.

وفي صبيحة احد الأيام المشرقة وانا اتهادى على جرف الشاطئ منتشيا ببرودة ماء البحر، تطلعت الى صياد بنوع من الفضول، ودهشت عندما لاحظته انه يعيد بالسمكة التي صادها الى الماء. بدات الدوافع تروج في خاطري ولم اكن اعلم سبب ذلك حتى دنوت منه محيًا اياه سائلا سره.

قال : ان القانون يقضي بالاّ نصيد سمكة لو قلً طولها عن 18 سنتيمترا، والسمكة التي ارجعتها الى الماء كانت اقل من ذلك. فسألته ما الضير لو اخذتها الى اسرتك ؟

اجابني : لأسرتي طبعا، وابني يعلم ذلك ويزعجه ان يعلم اني خالفت القانون.

فشكرته ومضيت.

.

وفي اليوم التالي تعرفت على مواطن الماني داخل مطعم الفندق، كان في منتصف الستينيات من عمره. سألني بأدب عن اسم بلدي. فلما اجبته قال آه، بلاد بابل ..

واضاف : امنيتي زيارة بلدكم العتيد ورؤية آلاثار التاريخية فيه. فأعلمته اني راجع الى العراق قريبا وسأكون في عونه ان جاء.

قال لي: سيقام احتفال عائلي في صالة الفندق هذا المساء، وسوف يسعدي حضورك كثيرا، فشكرته على دعوته دون ان اسأله عن دوافع المناسبة. .

كانت مظاهر الغبطة والسرور تعم الحاضرين، وقد زركشت القاعة بمصابيح الزينة واشعلت الشموع. وقد جاء في كلمة الترحيب للرجل ما يلي:

(ان الحفلة هذه هي ليست بمناسبة تقاعدي عن العمل انما تتعلق بشخصي انا. انني احتفل كوني خدمت الدولة ثلاثين سنة ولم أتأخر خلالها عن الدوام يوما واحدا.

واوضح : (كنت اخرج صباحا في تمام الساعة السابعة مستعملا دراجتي الهوائية لمدة عشرة دقائق الى ان اصل الى القطار الذي كان يسير بي 30 دقيقة حتى يقف عند ساحل البحر لأخذ العبّارة لسبعة دقائق حتى اصل الى جزيرة الوعول، ثم امشي خطوات عبر الشارع لأدخل بعدها الى دائرة عملي قبل بدأ الدوام بلحظات.

وهنا وقف الحضور (اجلالا)، يصفقون طويلا رافعين كؤوسهم ويهتفون :

فهذا يقول على نخب المواطن النزيه، وذاك يقول على نخب حامي القانون والأخر يقول على نخب الموظف النموذج وهكذا.

فالألمان يعتزون بالمسؤول الذي يؤدي عمله على الوجه الاكمل.

ومرت ايام الاجازة بكل انسيابية، وانا بعيد عن صخب المدينة وجو العمل، كانت نفسي مبتهجة وقلبي مفعم بالفرح، اقضي وقتي وانا ناعم البال متنعما بروعة الوجود، اتذوقه، سعيدا بالاحساس اللذيذ، اني حظيت بحياة اعيشها.

كان من عادتي ان اجلس عصر كل يوم، في ركن هادئ من الفندق اشاغل نفسي في قراءة كتاب. وفي احد الايام وبينما انا كذلك واذا بفتاة جميلة تأخذ مكانها بجانبي. ولم اشعر بذلك في البدأ، لكن عندما ادارت وجهها نحو الكتاب محاولة منها رؤية عنوانه، التقت عينانا عفوا وإبتسمنا فتعارفنا، كانت شهيتنا الى عذب الحديث مفتوحة، وقد استمر الى آخر النهار، ولم يمر وقت طويل حتى صار احدنا ظلا للأخر.

وفي صباح اليوم التالي واثناء تناول طعام الفطور، اخبرتني الفتاة بوجود بحيرة على مقربة من الفندق، يمكن الذهاب اليها مشيا. فقلت لها: اذن هيا بنا !

وصلنا البحيرة على مهل. كانت البحيرة واسعة، يتعذر تقدير مداها، كانت الاعشاب المائية في جوفها جلية ظاهرة للعيان، بفضل صفاء مائها الزلال.

. كان شاطئ البحيرة محاطا بصخور وعرة. كانت المنطقة سياحية الا انها كانت شبه قاحلة، كنا بحاجة الى الراحة، هكذا أنحنيت على سجيتي على صخرة، اقلعتها من مكانها و ثبتها بشكل يصلح للجلوس وقلت للفتاة اتفضلي !

لكنني وجدت الفتاة وقد اعتراها فزع مفاجئ واصبحت قلقلة، تنظر بعيدا، وكأنها تترقب شرا ـ ـ سألتها ما الحدث ؟ قالت : : (المنطقة هذه منطقة محرمة، والقانون يحرم تغيير معالمها. وانك خرقت حرمة القانون بتغيرك موضع الصخرة، فلو كان البوليس رآك لألقى القبض عليك).

ـ ـ ـ وهنا اتوقف عند هذا الحد واقول ان الحكايات الاربعة التي سردتها، سواء سجالي مع البروفيسور او حديثي مع الصياد او ما جرى في حفلة التقاعد او قصتي مع هذه الفتاة حول موضع الصخرة. لهي دليل قاطع لطبيعة الشعب الالماني ونزعته الفطرية في اطاعة النظام وشغفه الشديد على تطبيق القانون. انهم يقدسونه، وهذا هو السر في نجاح هذه الأمة وتفوقها الحضاري في شتى مجالات الحياة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close