الهدف من صرخة الفنان، ترقية المجتمع !

الهدف من صرخة الفنان، ترقية المجتمع ! * د. رضا العطار

احد الدوافع الانسانية في الفنون جميعها، هو التعبير عن النفس، فالفنان، كما نعرف من التاريخ، قد يعمل برعاية الدولة او برعاية شخص مموّل او برعاية مؤسسة دينية. وهو قد يعمل مستقلا بذاته عن كل انواع الرعاية : قد يكون صيادا بدائيا و( يشخط ) على الصخور في داخل كهفه صور الحيوانات التي يحبها او التي يتمنى صيدها، او زاهدا حديثا من زهاد العصر يعطي شكلا مرئيا لهلوساته التشبيهية او التجريدية.

انما انه في الحالات كلها يستقي بصورة اساسية من ابتكاره الذاتي وتجربته الداخلية لكي يطلق تعبيرا عن رؤيا من نوع او اخر، يلح عليه في الاغلب الحاح الهوس وتعاوده مرة بعد اخرى وفي اشكال لا تسلم نفسها له بسهولة. انه على صلة بشئ داخلي لا يرى ولا يلمس، لكنه مدفوع جامح نحو الخلق.

وعندما يكون عدد من الفنانين من الامة الواحدة قد عبًروا هكذا عن انفسهم، كل على غراره الخاص، ولفترة من الزمن ( يحدد طولها مؤرخ الفن ويعطيها اسما تعرف به ) يغدو مجموع اعمالهم المتنوعة سجلا غنيا لا لذوات الافراد الشخصية فقط، بل ايضا للذات القومية التي هم بعض منها. وهذه الفعالية عندما نتأملها شموليا تنكشف عن رغبة جماعية لا واعية في التغلغل عن طريق الصورة في اعماق وغوامض ما سوف يتبين في النهاية انه هوية الامة الثقافية.. ومن هنا دورهم الكبير في حياة المجتمع.

هذا من ناحية. ولكن، من ناحية اخرى، ليس من الصعب ان نرى ان الفنانين بسبب من طبيعة انسانيتهم – لا يمدون جسورهم بأتجاه افراد مجتمعهم المباشر فقط، بل – كما تبين عبر العصور – بأتجاه البشرية جمعاء.

ولئن يحاول الشعراء والروائيون ان يفعلوا ذلك فان اللغة التي هي وسيلتهم الوحيدة، لا محيد لها من ان تقف عائقا دون الايصال الى ما هو خارج مجتمعهم ولا بد لهم لذلك من وساطة المترجمين الذين قد لا يتوفرون بكثرة في احسن الاحوال وقد لا يتوفرون ابدا. غير ان الفن – الرسم والنحت – لا يعاني من عائق كهذا : انه في غنى عن الترجمة ووساطة المترجمين.

قلائل هم اولئك الذين يقرأون رسائل الرسام ( فان كوخ ) الرائعة بأحاسيسها وتوتراتها واحزانها، لكيما ينفعلوا بها ويغنوا عواطفهم بمضامينها. غير ان الملايين من الناس انفعلوا وينفعلون دوما بلوحاته المرئية، ينتعشون بها، وتتحرك اعماقهم بتفاصيلها مهما تتباين لغاتهم او تتباعد قومياتهم.

ان وقع المرئي بين الفنون الابداعية اسهل انواع الوقع توصيلا واشدها قدرة على النفاذ الى القلب، وربما العقل، اذا كان ( المرئي ) نابعا عن عبقرية حقيقية.

وهذه المباشرة بالواقع او السهولة النسبية في التوصل بأمكانها تجعل مساهمة الفنان عظيمة في خلق تفاهم افضل بين الامم، وبالتالي في خلق علاقة اوثق واصح فيما بينهما. وفي الحالات المثلى لنا ان نتصور ان هذه العلاقة النابعة عن التعددية الاساسية التي يتصف بها العقل الانساني ينبغي ان تؤدي بنا مع الزمن الى نظام عالمي افضل، الى عالم تعددي يتمتع بتناغم داخلي خاص به ويضع هذا النظام نفسه منطقيا وبالضرورة في خدمة البشرية في كل مكان.

ولكن لعل الكثير من هذا الرأي لا يتعدى نطاق التمني. ففي عالم تمزقه الكراهية والعنصرية – ناهيك عن انظمته السياسية و الاقتصادية التي تدعم نظام الظلم الاجتماعي – نجد لسؤ الحظ ان الاصوات الصغيرة التي تطالب بصدق وضع حد لهذا التمزق الطبقي، تكون في العادة اصوات المضطهدين.

حتى لنتسائل بين حين وآخر : ما الذي احرزه الانبياء والمصلحين فضلا عن الفلاسفة والوعاظ طوال الاربعة آلاف سنة الماضية بتعاليمهم العظيمة ؟ وكم من احلامهم الرائعة قد تحقق ؟ ففي كل ما قالوه او حلموا به او دونوه كان الدافع الضمني دائما ايمانهم بان الانسان يجب ان ينصف اخاه الانسان، وألاّ يظلمه، فكيف ان يستغله ! فالحب هبة الحياة العظمى، وان البشرية لا تستطيع ان تعيش في سلام ووئام إلاّ بالحب

ومع ذلك فلننظر الى عالمنا اليوم ! لننظر الى مافيه من جوع وبلاء ومن جور وقسوة، جعلت الكرة الارضية اشبه بكورة الزنابير.

نحن نعلم ان معظم الفنانين منذ اقدم العصور لم يؤكدوا على شئ بقدر ما اكدوا على قيمة الحب وأثره في المجتمع الانساني وضرورة البحث عنه وتطبيقه دونما انقطاع. ورغم ان الحضارات بأشكالها المتنوعة وصيغها السامية لم تكن الا من خلق الانبياء والفلاسفة، إلاّ انها تبدو وقد لعبت في مقدراتها قوى غشيمة جعلتها لا تستجيب كثيرا لتلك الصيغ، عدا اللهم من باب الرياء والنفاق، وبذلك بقى عدم المساواة والقهر الجماعي مستفحلا، مما مهدت الطريق الى ممارسات وحشية بحق الانسان كل يوم.

ومع ذلك فان الفنانين يتشبثون اليوم في ابداعهم بالانسجام مع دوافعهم الداخلية اكثر من اي يوم مضى. ولما كان طبع الرسوم في عصرنا اسهل من قبل، ولما كان ترويجها بالكتب اسهل، ولما كان السفر اليوم اعم مما كان في الماضي، فإن محاولة الفنانين للوصول الى الاخرين غدت كذلك ايسر واسهل. ولكنهم يعلمون جيدا انهم حينما يصرخون، فهم كالصارخين في غرفة مغلقة. ومع ذلك يبقى الفنان مصرّا على محاولة ايصال صوته.

انه يعلم جيدا ان الانسان اذا لم يتغير من داخله، فإن المعجزات في تغييره من الخارج لن تغيره. ومزية الفنان انه يعرف هذا كله ولكنه لا يكف في كفاحه، لان القوة الدافعة التي لا ترى ولا تلمس، دائبة في داخله بمطالبتها اياه بالخلق والتغيير. فالفنان اينما كان، عن وعي منه او غير وعي يتطلع في كل ما يصنع، الى يوم يجد فيه الفنانون انفسهم بمتابعتهم رؤاهم الملحة، قد اضحوا كالشعراء الذين قال عنهم ( شلي ) مقولته الشهيرة، الفنانون هم مشرعوا البشرية في سبيل شفائها وسعادتها، لكن غير معترف بهم.

ربما كانت هذه هي القيمة الحقيقية في كل عمل ابداعي يجازف به الفنان. فالبشرية تتجرح دوما بنوازع يبدو كأن لا حيلة لها فيها، وتجتاح الناس في دواخلهم زوابع الظلام

التي قد لا تترك وراءها الا انفسا مدمرة. والفنان انما يسعى لانقاذ الدواخل من هذه الزوابع المدمرة التي هي في حقيقتها تزعزع سعادته وتهدد كيانه.

يقول ميكيل اونامونو في كتابه – حس الحياة المأساوي – :

( في غريزة البقاء، التي يحركها الجوع، هي سر وجود الفرد ، وغريزة الحب البدائي لدى البشر هي سر وجود المجتمع، والانسان بصفته كائنا اجتماعيا يعرف ما يحتاج الى معرفته لكي يدعم نفسه في الحياة.

( فهناك العالم المحسوس وهو وليد الجوع، وهناك عالم غير محسوس، هو وليد الحب، وكما ان هناك حواس تستخدم من اجل معرفة الاشياء المحسوسة كذلك هناك ايضا عوالم غير محسوسة، معظمها في سبات دائم ، تستخدم من اجل معرفة العالم السامي المتجلي بالحب. اذا فلماذا نعترف بالوجود الموضوعي المتمثل في الجوع ! ونتهاون في الاعتراف بالعالم الابهى المتمثل في الحب ؟ )

يكاد – اونامونو – يلخص بهذه الاسطر القليلة، نشاط الفنان منذ ان وجد، واهمية هذا النشاط في البقاء الانساني : تتمزق البشرية بمخلوقات الجوع وهي المتمثلة بالنشاط العارم الذي تعج به الحياة وتضطرب وتتعذب. ثم تلتئم بمحسوسات الحب، التي هي من صنع الخيال، تلك القوى اللأمرئية في الاعماق التي يجسدها الفنان في كل ما يعمل، في سبيل تحقيق المطامح الفضلى للبشر. هذا التناقض الذي يشقى به الوجود الانساني، ليس الاّ ان يكون القوة التي تحقق له الحل. ولا بد له لذلك من ان يستمر في اطلاق صرخته – صرخة الحب.

* مقتبس من كتاب الفن والحلم والفعل، لجبرا ابراهيم جبرا .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close