محطة رقم 9 الفرزة الثانية

محطة رقم 9 الفرزة الثانية
تفرد عبد السلام بالحكومة وأصبحت قوميّةً خالصةً لا بعثي فيها وهو الساعي والمتحمس الى الوحدة في زمن
الزعـيم والمحارب من اجلها الا ان هـذه الوحـدة لم تخطـر عـلى باله ولا في اعـلامه ومما سـمعـتُهُ أن الرئيس
المصري جمال عبد الناصر اسـتـصغر عـقليته ومن الـنُكات التي قِـيـلتْ عـنه أن جـمال حكى نُكـتةً الى ضيوفه
وعبد السلام معهم فضحكوا الا عبد السلام وفي صباح اليوم الثاني وجد عبد الناصر ضيفه عبد السلام يضحك
في غرفته فسأله عما يُضحكه في الصباح فقال له تـذكرتُ نُـكـتَةَ الامس وعلى كل حال فالموضوع هو أن عبد
السلام غير موثوق به من قِـبَـل جمال الا أن عبد السلام بقي على علاقة طيبة بجمال عـبد الناصر وخطى معه
خَطَوات اشتراكيه حسب فهمه الإسلامي في حين أنها لا تتفق والمفهوم الإسـلامي وقد أوضح جمال فأسـماها
بالاشتراكية العربية فأمم المصارف الاهلية والبنوك والشركات الاهلية ومنها شركة السيارات الروسية شركة
الناصر التي عَمَلتُ فيها/وقد قرأ بيان التأميم رئيس الوزراء طاهر يحيى الصميدعي في مـساء لـيلة 13/تمـوز
/1964 وكان الأداة المحـفـزة على التأمييم محافـظ البنك المركزي الدكتور خيـر الدين حـسيب الناصري الميول
كما تم تطبيق قانون التعليم المصري الذي كان يمنح الطالب حقًا بإعادة سنة رسوبه بامتحانه في الدروس التي
رسب فيها او باعادتها جميعها ولسنتين دراسيتين لتعديل درجاته واسـتفاد منه طـلّاب كثيرون وبدأ تطبيقه من
العام الدراسي 1965/ 196 ولا أدري هل بقي هذا القانون بعد هلاك عبد السلام في الحادث وتَـسـلم أخـيه عـبد
الرحمن الحكم من بعده.
ولكي يعزز عبد السلام أرضية حكمه نحا لتقريب القومين فقام بتنحية رئيس الوزراء طاهـر يحيى الصميدعي
المحسوب على واجهة تكريت ونَصّبَ أقرب الناس من حيث التوجه القومي والعشائري عارف عبد الرزاق
الكبيسي الملقـب بابي الانقلابات وذلك في 4/أيلول/ 1965 وأسـند اليه رئاسة الوزراء ووزارة الدفاع حتى لا
يفكر أبو الانقلابات بالانقلاب ولأن الـنفوس لا يعلم بدواخلها الا خالقها ففي يوم 14 أيلول قام عارف الكبيسي
بانقلاب أي بعد عشرة أيام من تسلمه رئاسة الوزراء والدفاع مُـسـتغِلًّا سـفر رئيس الجمهورية عبد السلام الى
المغـرب لحضـور القمة العـربـية وكان الانـقلاب ناجحًـا بكل الحـسـابات فجميع الـسـلطات بـيـده الا أن الأمـور
انقلبت عليه دون معرفة الـسبب وحـسب توقعي هو تخاذل المتحالفين معه فـفر بالطائرة لاجـئًا الى مصر ولم
يـسلمه الرئيس المصري وبـقي عارف عبد الرزاق الكبيسي في مصر ثم حـاول محاولة انقلابـيه أخـرى عام
1966 زمن حكومة عبد الرحمن عارف وكان المحرض عليها الرئيس جمال عـبـد الناصر وأمـر بمـساعـدته
المخابرات المصريه فتمّ تزويده من قِـبَـلِها بجواز سـفـرٍ مزور دخل به عن طريق الكويت وقـد فـشل بانقلابه
أيضًا وتم القبض عليه وبقي مسجونًا الى عام 1967 دون محاكمة ثم عفا عنه عبد الرحمن عارف وسافر الى
القاهرة وهناك تعرض الى محاولة اغتيال في بداية السبعينات وقد نجا منها فانتقل الى إنكلترا ليُـقيمَ فيها الى
نهاية حياته في اذار 2007.
وعارف عـبد الرزاق الكبيسي من مواليد 1921 ومن أوائل الطيارين كان طيارًا ومرافـقًـا للملك فيصل الثاني
وقد تنقل في مناصب كثيرة وقولي فيه هو قول الباري عز وجل/ ونفسٍ وما سوّاها فألهمها فجورَها وتقواها /
صدق الله العلي العظيم.
عاد عبد السلام محمد عارف الجميلي من المغرب بالترحاب بعد ان كاد يكون سفرهُ سفرًا بلا إياب فقام بتـشكيل
حكومة جديدة أسند فيها رئاسة الوزراء للدكتور عبد الرحمن البزاز الشمري وهي المرّة الأولى التي يتسلم بها
رجل مدني رئاسة الوزراء منذ انقلاب 14 تموز 1958 وهو حقوقي تقـلب في مناصب كثيرة وفُصِل عِدة مرات
واعـتُـقِلَ مرات وكان اخرها عام 1969عـند وصول البعـثـيـين للحكم فعـاد من لبنان مختارًا لتبرئة سـاحته أمام
البعـثيين الا أن الامر جاء على غـير ما توقع فـتم اعـتقاله وتعـذيبه وانتهى بوفاته بجـلطة دماغـية في حزيران
1973 وقـد امـتـدّتْ رئاسة البزاز للوزارة من يوم فشل انقلاب عارف عـبد الرزاق في أيلول 1964 حتى يوم
سـقوط طائرة عبـد السلام في قضاء السيبة بالبصرة بتأريخ 13 نيسان 1966 حيث أصبح رئيسًا للجمهورية
بالوكالةً بحكم منصبه الى أن تـمّ انتخاب عبد الرحمن رئيسا للجمهورية وهو الأخ الأكبر لأولاد محمد عارف.
اسـتمر البزاز بالرئاسة لحين انتخاب رئيسٍ جديـدٍ من بين المرشـحين وهم عبد الرحمن عارف الجميلي وهو
من العسكريين وعـبد الرحمن البزاز الـشـمري وهو من المدنيين وعـبد العزيز العُـقـيلي وهو من العـسـكريين
دون الرجوع الى رأي الشعب / وبيش كيلو رأي الشعب / وعند حصول التصويت حصل البزاز على 14 صوتًا
وحصل عارف على 13 صوتًا والعُـقـيلي على صوتٍ واحدٍ هـو صوتُه ولمّـا كان قانـون الفـوز بالثُـلُـثَـين قامـت
اللجنة بإعادة التصويت بين البزاز وعارف فقط إلا أنّ البزاز في أثـناء التصويت سحب نفسه وأعطى أصواته
الى عبد الرحمن عارف الجُميلي في 16 نيسان 1966 أي بعـد مُـضي ثلاثة أيام عـلى مصرع أخيه عبد السلام
وعـبـد الرحمن من مواليد الدولة العثمانية سنة 1916.
تولى عبد الرحمن الرئاسة وشـكّل حكومته فأسـند رئاسة الوزراء لرئيس الوزراء السابق عبد الرحمن البزاز
حيث بقي لحين اسقاط الحكم العارفي في 17/ تموز/ 1968 على يد حزب البعث وبعض العسكريين في لواء
الحرس الجمهـوري أما البزاز فكان في لبنان وقد عاد للعراق كما أسلفتُ باختياره لاتهام البعـثيين له بالعـمالة
وله كلمة القاها من إذاعة بغـداد أيام رئاسته للوزراء ما زلتُ الى الان أحترمه لمصداقيته وأقـدره عليها ومن
مضمونها قولُـهُ /يتهمني البعـض بأني عـميلٌ /فأقول لهم دون خجل وتردد يُـشرفـني أن أكون عـميلاً من أجـل
خدمة وطني/ وهذه شجاعة ما قالها حاكم عراقي من السابقين ولا اللاحقين وجميعهم عملاء الى آخر نفس.
وهنا أود تحليل مفهوم ومعنى العمالة في حالتيها التجارية والسياسية فأمّا معـناها التجاري فهو تبادل المنفعة
بين فرد واخر او فرد ومؤسسة أهلية او حكومية وهي مـشروعة في المفهوم الأخلاقي لا غبار عليها.
أمّـا العمالة في معـناها السياسي فتكون مفهومًا معـناهُ الخنوع والتبعـية وتلبية وتنفيذ المهمات التي يُحددها له
المستفيد منها لإنجازها من قِـبَـل العميل فردًا كان أو دولةً وغالبًا ما تكون عمالة الرؤساء بحكم دولهم الفقيرة
فيصبحوا ليس أكـثر من أدَوات لـتـلك الدول المتقدمة وإنْ كان ظاهرها مـسـتـقلًا سـياسـيًا كما هـو حال العراق
من بداية تأسيس دولته الملكية التي اخـتار شـكل حكومتها بريطانيا بعـد ثورة العـشرين والى يومنا هـذا عـدا
فترة الزعيم التي كانت بعد الإطاحة بالملكية ولـمّا تمرد الزعيم وتجاوز على مصالحها وقد أبلغوه بـذلك عن
طريق سفيرهم آن ذاك واجتماعه بالزعيم في الأسـبوع الأول للانقلاب الذي كان في وزارة الدفاع ومنه بـدأ
اللعـب معه بالتآمر حتّى اسقاطه في 8 شباط 1963 وقد تسلمت بعده العراق حكومات عميلة ظاهرها حكومات
وطنية مستقلة وواقعها أنها عميلة مُذعنة شاءت أَمْ أبَـتْ.
كما يوجد مصطلح آخر باسم المأجور ويوجد بين العـميل والمأجور فرق وهو أن العميل يتقاضى راتبًا شهريًّا
حاله حال الموظف وعليه الطاعة وأداء العمل المكلف به دون نقاش أمّا المأجور فيعمل على أساس ما يُـتّـفق
عليه بين الطرفين لقضاء المهمة بأجر مقطوع وكلاهما ينتهي عملهما الى غرض واحـد.
وما نراه في ثورات الربيع العربي نموذجًا آخرًا لدول الغرب وامريكا الشمالية التي تتميز وتمتاز في مجالات
الصناعة والزراعة والتطور العلمي والتكنولوجيا فقد جَـيّرت هـذه الثورات لصالحها ومصالحها بإيصال حُكام
يتناسـبون والتخطيط الجديد لتقسيم البلدان المزمع تقسيمها وفق مفهوم الـشرق الأوسـط الجديد وهي العراق
وسوريا وليبيا ومصر والسودان ولبنان وإيران وتونـس والجزائـر إلّا أنّ ما رسـموا له لم يُـحالفهم به النجاح
فاصطدموا بصمود سوريا وهي العُقـدة التي يُحاولون اليومَ تـفتـيتها كما تعـثر مخطـطهم في العـراق وكل هذا
من أجل حماية إسرائيل بتمزيق هذه الدول المحيطة بها والمعادية لها والتحكم بشعوبها.
فالسيادة هي سيادة القوي/دول الغرب وامريكا/ والحـرية والوطـنية في مـفهـومها هـو رضـوخ الـدول لها ولا
شأن لها بما يفعل حكامها بـشعـوبهم ما دامت مصالحها تقتضي بقاء العميل وصدام خير مثال على ذلك.
وأختم عهد عـبد السلام بموقـف محرج حصل معي ولم أتـوقعه ولا أدري كيف مرَّ ذلك بـسلام/ وهو أني كنتُ
أسير عصرا مع شـخـصٍ اسـمه جهـاد السامرائي/ له صداقة مع ابن خالتي الحاج نصـرت الناصر/ ومـسـيرنا
كان فوق جسر الجمهورية وبينما كان يتكلم لي عن أشياءٍ لم أصـدقها منه جاء في أثناء حديثه موكب عـبـد
السلام عارف متجهًا الى ساحة التحرير فـتـقدم صاحبي جهاد الى حاشـية الرصيف وهو يصفق وأنا الى جانبه
وصاح بأعلى صوته / سيدي وين أخري/فرفع عـبـد الـسلام يـده بالـتحية وهـو يـبـتـسـم ابتسامته العـريضة/
وبعـد ان جـاوزنا الموكب التفت إليّ جهاد وقال لي/ها أخي هَـسّـه صـدكت كلامي لَـمّا حكيت لك وهذي كل مَرّه
أشـوف فيها عـبد السلام أسلم عليه بهذه الطريقة.
وللحقيقة كان وقع هذا التصرف صعـبًا ووضعي مع الدولة كما يقـول مثلنا / مكروهه وجابت بنت/ ووشـيعـتي
مصبوغة باللونين وأحمل معي وزرين هـما دعوى التظاهر ودعوى الانتماء الى حزب هـدام حسب المصطلح
الحكومي وان عمل جهاد السامرائي كان عملاً غـير مسـؤولٍ كاد يكلفني كثيرًا لو سمعه طرفٌ ثالث وكان عليه
أن يحسب حسابي وهو يعلم بقضيتي ويأخذ برأيي قبل أن يتصرف في مثل هذا التعـدي الخطير.
كما أنّ في عهـد عـبد السلام تنامى الحسُّ الطائفي والمناطقي والعـشائري أكثر مما كان في العهد الملكي وفي
عـهـد الزعيم الذي اكتست فيه الطائفية ثوب الشعوبية والشعوبية مصطلح معناه تفضيل الاعـاجم على العـرب
فكل مناصر للزعيم فهو شعوبي في نظر البعثيين والقوميين ومَنْ آزرهم وكانت مشاهدتي الى عبد السلام هي
المرّة الثانية والأخيرة ولكن بالزي المدني والأولى كانت في الكوت في أب عام 1958.
************************************************************************************************************
الدنمارك / كوبنهاجن الاحد في 31 تشرين اول 2021
الحاج عطا الحاج يوسف منصور

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close