نظرية التطور لداروين، اصل الانسان وكيف جاء الى الوجود ! 6

نظرية التطور لداروين، اصل الانسان وكيف جاء الى الوجود ! 6 (*) د. رضا العطار

ظهر في موقع صوت العراق، مقالة بقلم د. جواد بشار بتاريخ 16 ، 9 ، 2010، بعنوان ( هل نحن على مشارف الافق الكوني ؟ )، للعالم الامريكي الشهير ستيفن هوكنغ المتخصص في الثقوب السوداء. والذي كرس سنوات طويلة من عمره وهو يبحث عن النظرية الكوزمولوجية – الكونية، لا سيما ما يربط بين النظرية النسبية لأنشتاين ونظرية الكونتا التي تبحث باللامتناهي في الكبر واللامتناهي في الصغر. فقد اتفقت اراء العلماء على ان كوننا المرئي نشأ قبل 13،7 مليار سنة، وربما اكثر من ذلك وهو في حالة تطور منذ لحظة نشوءه بفضل (البيغ بانغ) اي الانفجار العظيم الى ان تمكن من خلق الجسيمات المادية نحو الحياة العضوية والخلايا الحية التي بها ظهرت الحياة الى الوجود.

اننا نعلم ان الموجودات الحية تجد اصلها في ذرة الكربون (الفحم) لنعود الى الماضي السحيق للكون المرئي ومكوناته من النجوم التي من دونها ما كان بأمكان مادة الكاربون (اصل الحياة) ان توجد. فإن اي تغيير في السلسلة السببية التي ينبني عليها واقعنا تجعل من المستحيل نشوء الحياة. وكذلك تفسيرنا غير الدقيق حول الكون الذي نعتقد اننا نعرفه، حتى لوعدنا الى الماضي السحيق للكون المرئي في لحظة الصفر. وهنا يمكن القول ان الكون المرئي قبل الانفجار العظيم لم يستند الى طاقة فقط بل الى شفرة معلومة وكأنها محفورة على ما يشبه الاسطوانة الكونية و ستبقى المعلومة الكونية محفوظة داخل زمن التخيل الى الابد.

ولقد اثار هذا الاعلان ضجة كبيرة في العالم، وشكلت راس الحربة في الصراع الدائر بين المؤسسة الدينية و العلمية بشأن الكون وولادته، فهناك من يسأل: هل كان للكون بداية او ظهور مفاجئ ؟ وهل للكون ثلاثة ابعاد مكانية ام اكثر او اقل من ثلاثة ابعاد ؟

ماذا سيحدث لو ارتطم جسمان تكون طاقتهما وكتلتيهما الكلية كافيتين بحيث تتسببان في توليد ثقب اسود ؟ وهل يمكن لهذا الثقب ان يبتلع كل شئ حوله بما فيه كرتنا الأرضية ؟

يعتقد العالم الكبير هوكنغ ان الكون خُلق من العدم بفضل قانون الجاذبية الكونية، وقد شاطره في هذا الاعتقاد عدد كبير من علماء الفضاء، دون ان يقدم اي من الفريقين: الديني او العلمي، الادلة القاطعة على صحة ما يقولون. لكن جميع العلماء يجزمون ان الكون ليس سوى جسم متناهي في الصغر وانه لا يزال في عملية خلق مستمرة منذ الازل. فلا بداية له ولا نهاية، والكون كائن عاقل ! باق في الوجود، يمكنه ان يحل محل الكائن الديني المسمى الله، وقد يكون هوالله. وطبقا لهذا الاعتبار تنعدم امكانية انكار وجود الله، لأن هذا الانكار سينطوي على انكار وجود الكون، ليس الكون المرئي فحسب انما الأكوان الاخرى، وهي اكبر من ان يتصوره عقل الانسان.

يعتقد علماء الجيولوجيا ان الارض ما كانت إلا شظية مشتعلة انفصلت عن الشمس قبل اكثر من اربعة مليارات وخمسمائة مليون سنة، ثم بدأت تبرد تدريجيا، واول ما برد منها هو بالطبع قشرتها الخارجية بسبب اشعاع الحرارة منها. و ان ما برد من الارض في البداية هما القطبان. فمن المعقول جدا ان تكون الحياة الراهنة على الارض، قد نشأت في القطب الشمالي، كونه متصل بسائر اليابسة في العالم.

والمرجًح ان الحياة نبضت في الخلية الأولى في طين سواحل المستنقعات، حيث يختلط الماء بمركبات التربة، و ان اشعة الشمس تصل الى الطبقات السطحية منه. ولسنا نعرف لحد الان ماهية الحياة الأولى، وكيف حدثت، علما ان طبقات الارض لا تسعفنا بشواهد تثبت ذلك، كما في الحيوانات والنباتات المنقرضة، والسبب في ذلك ان الخلية الاولى كانت مادة هلامية حتى اذا ماتت تلاشت ولم يبق لها من اثر.

ومما يرجح في النشأة الأولى للحياة ان النبات سبق الحيوان وذلك لان النبات يستطيع ان يتغذى من العناصر الجامدة بخلاف الحيوان، الذي يتغذى اما على نبات او على حيوان أخر. ويمكننا القول : ان الحي الاول كان نباتا، ثم انه نشأ في ضحاضيح الشواطئ. والسبب في انه نشأ قريب من سطح الماء دون الطبقات العميقة من البحار لأن البحار لم تكن مالحة في بدأ تكوينها كما هي الان.لأن ملوحة البحار انما جائت من انصباب الأنهار واكتساحها املاح اليابسة اليها. والنبات يحتاج الى الاملاح وضوء الشمس كي يعيش وهو يجدها هذه في طين السواحل.

ودليل اخر على ان الاحياء الاولى عاشت دهرا طويلا في مياه البحار، ان عناصر مياه البحار لا تزال موجودة في جميع اجسام الكائنات الحية، سواء كانت نباتا ام حيوانا.

وان اهم هذه العناصر هو – اليود – وثانيهما هو ملح الطعام وكلاهما ضروري لكل جسم حي، وفي ملوحة دمائنا نحن البشر ما يشهد بملوحة البحر التي عاشت فيها الخلية الاولى ثم الأسلاف من الاحياء.

ولا يمكن الان ان نعرف كيف دبت الحياة في الخلية الاولى وقد مضى زمن كان يحسب فيه الناس ان هناك تشابها كبيرا بين تكون البلورات وبين تكون الحياة، ولكن الفرق كبير بين الاثنين فالتبلور يحدث عادة في الطبقة الخارجية اما الجسم الحي فينمو بالتمثيل الداخلي اي انه يحتوي على مادة جامدة او حية ثم يهضمها ويجعلها مشابه لنسيجه.

اما كيف نبضت الحياة في الجماد وصارت خلية حية، لا يزال سرا مبهما، لكن المعروف انه ليس في الجسم الحي عنصر او مركب لا نجده في الجماد. انه مؤلف من الكربون والنيتروجين والاوكسجين والهيدروجين والكبريت وجملة املاح اخرى وبعض المركبات التي يصنعها الجسم الحي مثل النشا والبول الذين يمكن لنا صنعهما في المختبر الا اننا اذا جمعنا المواد المؤلف منها الجسم الحي لما امكننا ان نصنع منها خلية حية. ولا فرق بيننا ونحن ارقى الاحياء وبين خلية الأميبة الواحدة، فجسم الأميبة مؤلف من العناصر والمركبات المؤلف منها جسمنا وجميع خواص الحياة التي فينا نجدها فيها. ففيها الحركة و الاحساس بالألم. فاذا وضعنا الى جانبها مادة حامضية تراجعت عنها. اما اذا وضعنا الغذاء، قبضت عليه ومثلته في جسمها، وفيها النمو والتكاثر.

فالحياة الاولى قد نشأت بهيئة خلية الاميبة الموجودة الان، وجميع خواص الحياة موجودة كما قلنا بالأميبة ولكنها في حالة ابتدائية فهي تهضم الغذاء بجلدها وهي تسير عليه وليس لها عين ولكنها تميز الضوء عن الظلمة وليس لها انف ولكنها تشم المادة المضرة وتحاول ان تنفر منها. بينما حدث فينا انواع من التخصص في الاعضاء، فبدلا من ان ننظر بجلدنا صرنا نبصر بعيوننا، و نهضم الغذاء بمعدتنا لكن عند التأمل نجد ان معدتنا هي جزء من جلدنا ايضا. فالاميبة مثل الكرة ونحن مثل الكعكة، خاصة اذا صرفنا النظر عن الاطراف. فنحن مجوفون من الوسط. وجلدنا الخارجي متصل بجلدنا الداخلي من فتحة الفم و المخرج.

نبدأ حياتنا في ارحام امهاتنا في هيئة خلية واحدة ( كخلية الأميبة ) تنمو كما تنمو الخلية بفارق واحد وهو ان الخلية اذا نمت وكبرت انقسمت الى قسمين وعاد كل قسم فأنقسم قسمين منفصلين وهلم جرا اما نحن فالخلية الاولى في الرحم تنقسم الى خليتين دون ان تنفصل وتعود كل خلية تنقسم الى قسمين متصلين وهلم جرا، الى ان يكمل جسم الجنين.

ان الخلية الاولى التي نبضت بالحياة والتي خُلقت من طين قبل (الف مليون سنة)، كانت عناصرها الأولية في التكوين هي نفسها الموجودة حاليا في الطين.

يقول الدكتور رضا العطار: ان التعبير بهذا الخصوص جاء موحدا، سواء ما جاء ذكره في الاية الكريمة في القران 12 من سورة المومنون: ( ولقد خلقنا الأنسان من سلالة من طين ) وما قاله داروين. والفارق ان الباحث قد عبرعن مقصده بأسلوب علمي لا بأسلوب ديني الذي اتسم لفظه بصيغة المبني للمعلوم ( خَلقنا ) بينما اسلوب داروين جاء بصيغة المبني للمجهول ( خُلق ) ، فهنا لا نجد ما يدل على ان الباحث قد انكر دور جلّ شأنه في عملية الخلق، علما ان داروين كان طالبا في كلية الأديان بجامعة كمبردج، ملمّا بفلسفة العقائد التي وردت في الكتب السماوية الثلاثة. وقد ذكرتُ في الحلقة الأولى بان بابا الفاتيكان قد اعلن عام 2009 ان نظرية التطور لداروين لا تتعارض مع جوهر الأديان السماوية.

الحلقة التالية في الاسبوع القادم !

* مقتبس من كتاب نظرية التطور واصل الانسان للكاتب المعروف سلامة موسى.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close