إلى سجاد تقي كاظم: الدولة الحديثة لا تقوم على أسس دينية أو طائفية

حميد الكفائي

ابتداءً، أشكرك على الاهتمام بما أكتب وعلى الإطراء الذي أسبغته علي. ولكن لا بد من القول إن ما طرحته صدمني. لا أدري لماذا ننصب الأحزاب أو الجماعات السياسية غير الديمقراطية على أنها ممثلة للشعب العراقي.

الأحزاب التي ذكرتها هي مجاميع صغيرة مقارنة بعموم الشعب العراقي الذي يسعى إلى الحرية والديمقراطية وإقامة الدولة العصرية، وقدم تضحيات كبيرة في سبيل ذلك. يجب ألا نتوقع من كل الناس أن يدركوا كل الحقائق ويعرفوا تفاصيل الشؤون السياسية، خصوصا في القرن الماضي، الذي لم تكن فيه المعلومات متاحة للجميع كما هي اليوم، وهذا هو حال الناس في كل البلدان. هناك نخب سياسية ونخب علمية ونخب ثقافية وأدبية واقتصادية وإدارية، هي التي تقود المجتمع وتوجهه باتجاه مصالحه.

انتفاضة تشرين، التي اعترفت بدورها التنويري مشكورا، هي خير دليل على أن الشعب العراقي يريد حكومة عصرية ويريد حريات عامة وخاصة ويريد ديمقراطية حقيقية، ويريد اقتصادا حديثا وحكومة منتخبة ومسؤولة، تفعِّل القوانين ولا تميز بين المواطنين على أسس الدين والعرق والطائفة والطبقة والمنطقة.

العراقيون، سواء في العهد الملكي، أو العهود الجمهورية كانوا يطالبون بالحرية والمساواة والعدالة والديمقراطية، ولا يمكن إنكار التضحيات التي قدموها، وحتى الأحزاب الشمولية التي ذكرتها كانت هي الأخرى تطالب بالحرية والاستقلال والديمقراطية، على الأقل رسميا، لكن المتسلطين عليها انقلبوا على باقي الأعضاء والمؤيدين عندما تولوا السلطة. يجب ألا ننسى الانشقاقات التي حصلت في الحركات السياسية

الشيوعية والقومية والإسلامية، وهذه الانشقاقات لم تكن كلها من أجل الالتحاق بدولة أخرى، وإنما من أجل تحقيق أهدافها في الحرية والاستقلال والازدهار.

أما دعوتك لإقامة دولة للشيعة العرب في الوسط والجنوب فهي صادمة فعلا، وغريبة، بل لا أعتقد بأن هناك كثيرين يؤمنون بها، إلا بعض الجماعات الدينية الشيعية التي تريد فصلا طائفيا في العراق وتبعية لإيران. العراقيون أمة واحدة، وليس هناك فروقا ثقافية كبيرة بينهم، وإن اختلفت أديانهم ومذاهبهم ومناطقهم. وحتى بوجود الاختلافات فإن الناس في العصر الحديث يمكنهم أن يتعايشوا ويتقبلوا الاختلافات فيما بينهم.

إن أردت دولة شيعية فإن هذه الدولة ستكون دينية بالضرورة، فالشيعة طائفة دينية وليس قومية، أو مجموعة سكانية تعيش في بقعة ذات حدود طبيعية، وإنما هم منتشرون في كل مكان، وأي دولة (شيعية) هي دولة دينية بالضرورة ولابد أن يقودها رجال دين، وأنت من خلال مقالك لا تؤمن بالدولة الدينية، بل تريد ابتعادا كليا عن إيران وإقامة (جدار مكهرب) بينها وبين العراق. فكيف يستقيم الأمران؟ دولة شيعية غير دينية، وفي الوقت نفسه عربية، لكنها تقيم جدارا مكهربا مع سوريا وباقي الدول العربية المحيطة بالعراق!!! مثل هذا المنطق لا يستقيم في هذا العصر الذي تتجه فيه دول العالم إلى التعاون والتكامل خصوصا في ظل الأخطار العابرة للحدود كالأوبئة والتغير المناخي.

ليس صحيحا أن نبتعد عن إخواننا وجيراننا العرب، خصوصا وأنت تصف أهل الجنوب والوسط بأنهم (شيعة عرب)، فلما إذن تريدهم أن يبتعدوا عن باقي العرب؟ هل تعتقد بأن باقي القوميات موحدة فيما يتعلق بالتأريخ والمذاهب والرؤى الدينية؟ ثم ما هو فرق الشيعي العربي عن السني العربي وعن المسيحي العربي؟ إن كنت علمانيا، كما يتضح من مقالك، فلماذا تفرِّق بين الناس على أساس الدين والمذهب؟

أنا شخصيا لا أجد فرقا ثقافيا، يستحق الذكر، بين السنة والشيعة العراقيين، أو الكرد والتركمان أو العرب، أو المسلمين والمسيحيين والأيزيديين والصابئة، فالكل يجمعهم العراق، ولهم ثقافة عراقية واحدة أو ثقافات متقاربة. الدولة الوطنية لا شأن لها بالقناعات الشخصية للأشخاص التي تتغير باستمرار، خصوصا القناعات الدينية، وطالما رأينا أشخاصا أو شعوبا يتنقلون بين الأديان والمذاهب، بل هناك مراجع تحولوا من مذاهب أخرى. نعم هناك اختلافات قومية وهذه أمور طبيعية وموجودة في الكثير من الدول، ولكن المشكلة أنك تريد أن تفرق حتى بين العرب أنفسهم على أسس مذهبية.

فإن أقمت دولة للشيعة العرب، ماذا عن الشيعة الكرد؟ والشيعة التركمان؟ والأيزيديين والمسيحيين والصابئة المندائيين والشبك والكاكائيين؟ وماذا عن الشيعة الإخبارية والشيعة الشيخية؟ وماذا عن الشيعة الزيدية والشيعة الإسماعيلية؟ وماذا عن السنة الحنابلة والمالكية والشافعية والحنفية؟ ماذا عن الأشعرية والأباضية والكسنزانية والبهائية؟ هل تقيم لهم دولا مستقلة أيضا؟ ثم من قال إن العالم مستعد للاعتراف بمثل هذه الدول؟ أم تريدنا أن نبقى نحارب من أجل أهداف غير قابلة للتحقيق، ما يلحق بنا المزيد من الضرر والضعف والتراجع، في وقت يتقدم فيه العالم ويزهر ويتطور؟ ألا تكفينا حروب الماضي وصراعاته كي نسعى لأن نؤسس دولا جديدة على أنقاض خلافات وصراعات مدمرة؟

الدولة الحديثة لا تقوم على أسس دينية أو طائفية، ومثل هذه الدولة إن قامت ستكون فاشلة ولنا في إيران أوضح مثال، فهذه الدولة معادية، بل مشتبكة، مع كل جيرانها، لأنها تتمسك بأيديولوجية دينية لا يؤمن بها الناس في الدول الأخرى، ولا حتى في إيران، حيث يوجد ملايين المناهضين لها. وهذه الأيديولوجية لا تصلح لهذا العصر، بل هي تتنافى مع مبادئ الإسلام التأريخي. فالإسلام لا يجيز الإكراه ولا يجيز العنف

والقتل والخطف والقمع والتعذيب والدجل والخداع الذي يمارسه المتشدقون بالدين في كل مكان.

حذارِ من اللجوء إلى الطائفية، وحذارِ من التمسك بأوهام ومخاوف من المذاهب والأديان الأخرى، فالإرهاب ليس محصورا بمذهب معين أو دين معين، وهو لا ينتمي إلى دين أو مذهب أو طائفة، وإنما هو حالة من الإجرام المدمر، لا علاج لها سوى المواجهة معها بالقوة تارة وبالعلم تارة أخرى، أو بالإثنين معا. الدولة الشيعية التي تدعو لها ستكون وبالا على الشيعة العراقيين وعلى باقي الشيعة العرب، وهي دعوة لتقسيم العراق وتفتيت المنطقة وإشعال الحروب الطائفية والدينية، وستكون مرفوضة شيعيا وعربيا وغير محبذة عالميا، وهي في نهاية المطاف غير قابلة للتحقيق لقلة المؤمنين بها.

لا يمكن أي طائفة أو فئة أن تعيش منفردة داخل أسوار “مكهربة” في هذا العصر. التفاهم والتعاون والتصالح بين الدول والاقوام والثقافات هي الأسس الصلبة للعيش المشترك بين الشعوب. العراق يحتاج إلى مزيد من الوطنيين الذين يؤمنون بالدولة العصرية التي تساوي بين المواطنين وتقدم لهم الخدمات والحماية وتصون حرياتهم وتضمن لهم العيش الكريم في دولة عصرية مستقرة ومزدهرة. دعنا نسعى جميعا لتحقيق هذا الحلم العراقي بدلا من المغامرة في تأسيس دول قائمة على أسس هزيلة وقلقة، ولن يقبل بها العالم لعقود أو مئات السنين. علينا أن نتعلم الدروس من التأريخ ولا نجعل أحداثه سببا للتمزق والكراهية والضعف وزعزعة الثقة بالشعب العراقي وأهدافه وتطلعاته إلى العيش بحرية وكرامة.

أتفق معك بخصوص الأخطاء التي ارتكبها قادة سياسيون أو دينيون سابقون، ولكن، كانت ظروفهم مختلفة كثيرا عن ظروفنا، لذلك، يجب أن نتجاوز هذه الأخطاء، خصوصا وأن أولئك القادة لم يعودوا بيننا، ولو كانوا موجودين الآن، لسلكوا طريقا آخر. دعنا نبني العراق على أسس عصرية سليمة كي يكون دولة جامعة لكل العراقيين، فما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا.

لن يقبل معظم العراقيين بتقسيم العراق على أسس دينية أو طائفية، وحتى القوميون والشيوعيون والإسلاميون الذين ذكرتهم في مقالك، وإن كانوا نظريا قد تساهلوا في فترة ما في القضايا المتعلقة بالسيادة والاستقلال، فهم لم يجرأوا على إلغاء العراق وإلحاقه بدولة أخرى. العراق دولة حضارية عريقة وراسخة وأهلها يتمتعون بهوية وطنية متميزة، والمطلوب هو تعزيز الهوية الوطنية، والتمسك بهذه الدولة الحضارية التي يعترف العالم كلها بفضلها في شتى المجالات. في العراق تأسست أولى الدول والحضارات، ومنه انطلق الإشعاع إلى باقي أرجاء الأرض، فكيف نسمح لأنفسنا أن نضحي بهذه الدولة ونمزقها وفق رؤى ونظريات غير واقعية وغير علمية؟

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close