ذكرياتي عن عزيز علي

ذكرياتي عن عزيز علي، دكتور رضا العطار

شكرا للاستاذ الدكتور ضياء نافع الذي ابدى مشاعره الفياضة تجاه هذا الفنان المبدع عبرمقالته الرائعة التي تفضل بنشرها في صحيفة المثقف الغراء في

25، 11، 2021. لقد كانت لمطالعته التاريخية هذه حافزا قويا لأستنهاض خواطري الشخصية قادتني الى احداث الماضي البعيد، ايام كنت معاصرا لحياة عزيزعلي

الفنان العراقي الكبير، باحثا بين طيات الضباب عن خصوصية مفرداته.

كان الرائد والفنان الكبير عزيزعلي ملما بظروف العراق السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وكان يرى بام عينيه ما يعانيه الشعب، خاصة اهل الحرف والفلاحين من سوء الاحوال المعيشية و محدودية العدالة الاجتماعية، فكان ينطق بلسانهم وامانيهم وتطلعاتهم ويعتب على الحاكمين بأسلوبه المعهود. *

كانت عباراته العامية تعبر تعبيرا صادقا سعة هذه المعاناة. فلا عجب لو استقبلت الجماهير اغانيه الشعبية بقلوب مفتوحة متلهفة.

كانت عبقرية عزيز علي تكمن في موهبته الفائقة في صنع الاغنية، في الجمع بين اختيارالكلمة واللحن المبتكر وروعة الموسيقى والذي لم يكسب مقابل ذلك سوى محبة الناس جميعا.

لم يمر في تاريخ الانسانية على العراقيين زمنُ كان الناس يحتشدون حول جهاز الراديو او التلفاز كما كانوا زمن عزيزعلي، يحتشدون بكل شوق وشغف كي يستمعوا الى اغانيه الحلوة، هذه الاغاني الوطنية وما فيها من مشاعر الانسان كانت تثير في نفوسهم الافراح والبهجة في قلوبهم.

فكانوا مثل الفراشات التي تحوم حول مياسم الزهورلأرتشاف الرحيق.

ولا ازال اتذكر ايام الصبا في العراق عندما كنت استمع مع افراد اسرتي مساء الى عزيزعلي صاحب الصوت الرخيم وهو يصدح بمنلوجه المعروف :

يا جماعة والنبي احنا عندنا بستان . . . كان ذلك عام 1948 .

لن انسى تلك الليلة التي اعيدت فيها هذه الاغنية، بعد ان انهالت على دار الاذاعة طلبات المستمعين، ومن المألوف انه لا يعاد البث إلا بعد ان يكون عدد الراغبين كثيفا.

ملاحظة: قصيدة البستان ستجدونها عند نهاية المقال!

في السنوات الاخيرة من اربعينيات القرن الماضي كان عزيزعلي صاحب محل لبيع احذية باتا في كربلاء، يشرف موقعه على الطريق العام الذي كان يدعى في حينه شارع بغداد يتوسط مابين سوق النعلجية يمينا ونهاية علوة المخضر يسارا. يا للمفارقة . .

كان الرجل شخصية استثنائية في ذلك المحيط الاجتماعي المحافظ، كانت هيئته توحي بالاحرام والتقدير.

كان عزيزعلي ذو قوام رشيد، مهابا، كان وجهه مستطيلا نضرا وقسماته متسقة مشرقة تبعث الحبور.

، وابرز ما كانت في شخصية عزيزعلي من خصال، خُلقه، الذي اتسم بالادب الرفيع والفطنة البراقة وذكاء متوقد ساطع، فضلا عن تواضعه الجم، لا تغادر البسمة شفتيه كلما تحدث.

يعتبر عزيزعلي عالميا واقليميا، سادن فن المنلوج دون منازع. كان فنه فريد من نوعه.

اما بخصوص هندامه، فأقول ان الفنان الكبيرعزيزعلي كان حسن المظهر جدا،

مفرطا في الاناقة، حتى انه كان يتوج زيه النظيف الناصع البياض بجنبذة نضرة تعلو صدره.

كان في معظم اوقاته جالسا هادئا ساكتا شارد البال ينظر بعيدا في أتجاه الأفق،

يظن المرء اذا نظر اليه انه كان منشغلا في خياله بوضع كلمات أغنية جديدة او لحن جديد.

اما اذا شاهده بالصدفة عابر طريق، ترائ له وكأن عزيزعلي حاضرا في احدى صالات هوليود ينتظر دوره.

كان من دواعي سروري ان احتفل مع ابناء الوطن في برلين عام 1959 مناسبة مرور السنة الاولى لذكرى ثورة 14 تموز المجيدة، كان عزيزعلي متواجدا بيننا، لم اسعد بلقائه لبعد مائدته عني. لكنني كنت اتابع اخباره عن طريق الاصدقاء، فقد نقلوا :

ان عزيزعلي كان بصحبة شباب وشابات المان وعراقيين، كان يسامرهم ويضاحكهم عن طريق اسماعهم بعض النكات الالمانية التي كان يجيد حفظها، فقد كان الفنان الكبير معروفا بالمزاج المرح وخفة الروح وحلو الحديث. وقالوا ايضا ان عزيزعلي الذي كان جاوز الستين قليلا قد سُئل من قبل احدى الحسناوات عن عمره فأجاب بجد عمري 35 سنة مما اثار فضولهن، فقالوا للاستاذ كيف لنا ان نفسر ذلك؟ فأجابهم قائلا : اشعر بهذا العمرحينما اكون بصحبتكن !

كنت خلال السبعينيات طبيبا اخصائيا في طب وجراحة العيون في مستشفى الرمد في بغداد ، وقتها اوعزت وزارة الصحة الي ان اقوم الخميس من كل اسبوع بزيارة سجن ابوغريب لتفقد مرضى العيون بين نزلائه.

وفي اولى جولاتي في اقسام الاحكام الخفيفة ابصرت فناننا الكبيرعزيزعلي محتجزا لأسباب سياسية، فآلمني مشهده، كان شاحب الوجه وقد اعتراه الهزال و انسحبت منه نضارة الشباب، لكن عيناه السودوتان كانتا لا تزال تطفحان بالحيوية والنشاط، وجدته كسير النفس مقهورا، لشعوره بان الاقدار قد ابعدته عن جمهوره الذي احبه ومع ذلك كله لم يكتئب عزيزعلي بل واجه مصيره بعدم الاكتراث

ثم تقدمت الى محبوب الشعب عزيزعلي وحييته ، معرفا نفسي اياه، طارحا عليه السؤال التالي :

استاذنا العزيز انا في خدمتك، صارحني، أتريد حاجة ؟

قال : شكرا شكرا، ثم استلً من جيبه وردة زاهية حمراء حلوة بحجم كف اليد ومدها اليً قائلا:

( انا ما اريد حاجة لكنني احتج ان يأخذوا مني حاجتي، انا اريد ان يسترجوا اليً المقص الذي صنعت به هذه الوردة الجميلة ).

فأبديت للفنان الكبير آسفي لعدم استطاعتي من تحقيق مطلبه، موضحا اياه بان هذا المقص يدخل ضمن الادوات الجارحة التي لا تسمح ادارة السجن بأدخاله.

ولم اكمل بقية الجملة وهي : لئلا تراود السجين نفسه بقطع شريان يده بغية الانتحار.

وفي الختام اتقدم الى كبار مثقفينا وفنانينا الأعزاء امثال الدكتور جمال العتابي والنحات المبدع موفق مكي والفنان علاء مجيد مدير دائرة الفنون الموسيقية تحية اكبار وتقدير والشكر الجزيل على جهودهم المجيدة في اقامة التمثال النصفي لعزيزعلي في قاعة الرباط بتاريخ 2021، 11، 23 تخليدا لشخصيته ووفاء منهم في تقييم منزلة وكفاح هذا الفنان العبقري الفريد.

يا جماعة والنبي احنا عدنا بستان جنة من ها الجنان

بيها ما تشتهي الانفس والفواكه الوان

والأرض مفروشة سُندس كلها ورد وريحان

وبينها الانهار تجري مثل دجلة والفرات

لون ميهن لون خمري مو خمر ماء الحياة

لكن اللي يدري يدري واكثر العالم متدري

سرنا محد يدري بي

وقف ها البستان ذُري صايرة للاجنبي

يا جماعة والنبي هذي والله بستان ما ملكها انسان

وحنا يا وسفة اهلها تاركيها من زمان

دشر كلمن جا دخلها صايرة خانج خان

بابها مفلش مهدم والحرامية تحوف

وطوفها معرعر مثلم واكعيلك بيها حوف

والنواطير النشامة ذولة حلوين الجهامة

صلوات على النبي نامين شلون نومة مستريحة بمذهبي

يا جماعة والنبي هذي والله بستان تمناها رضوان

كلنا مولودين بيها من نزار وقحطان

دار سكنى وساكنيها ولد عم واخوان

جنا عصبة شكد قوية جنا نرعد للرعود

ومن لفو ها الحرامية وفرقونا بها الحدود

صبح الراعي رعية وصرنا كلنا نأدي جزية

يا عرب للاجنبي

وانطفت ذيج الحمية والزلم لبسوا عبي

يا جماعة والنبي هذي والله بستان هواية الها عدوان

طامعين الناس بيها من زمان الرومان

غدت يا وسفة عليها اليوم وكر غربان

وحنا اسم الله علينا كاتلتنا الزعامات

ملتهين بقال وقلنا وبجدل ومهاترات

يا عرب محنتنا محنة بعضنا يضادد بعضنا والثمر للاجنبي

ييزي مو والله انظلمنا والظلم من يرضى بيه؟

يا جماعة والنبي من حقوق الانسان بالعرف والاديان

يعيش حر الفكر حر الراي حر اللسان

يعيش آمن مطمئن البال كائن من كان

لكن الظالم تجبر سلب حقوق العباد

وانظوه كلبه على الشر عاث بالدنيا فساد

والظلم لو دام دمر يحرك اليابس والاخضر

واللي ما يصدك غبي ياعرب الله اكبر امة العرب سبي

· دعا رئيس الوزراء نوري السعيد يوما الفنان الكبير عزيزعلي الى تناول طعام الافطار معه، وقال السعيد في معرض كلامه لعزيزعلي : انت دائما تهاجم الحكومة، تذكر فقط سلبياتها وتتغاضى ذكر ايجابياتها، فرد عليه ضيفه قوله:

طبيعتي ما اكدر ابدلها. (كوكل).

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close