القوي ينتحر على يد الأقوى منه

القوي ينتحر على يد الأقوى منه :
بقلم ( كامل سلمان )
في طبيعة الكائنات الحية وطبيعة الدول والإمبراطوريات في التأريخ نجد ظاهرة غريبة وهي ان الأقوياء دائما يرفضون التنازل والمساومة عندما يواجهون من هو أقوى منهم فينتهي بهم المصير الى الانتحار على يد الأقوى ، بينما الضعفاء يقدمون التنازلات والمساومات للأقوى حفاظا على وجودهم ، فما وجدت دولة قوية في التأريخ الا وتنتهي بشكل مخزي على يد دولة أخرى أقوى منها وكذلك الحال مع الشخص القوي يرفض المساومة والتنازل مع الأقوى ، وهناك سببان لهذه الحالة ، الأولى هو الشعور بالخزي والذلة امام من هم تحت سطوته وجبروته إذا ما فكر هذا القوي بالتنازل للأقوى بعد أزمنة من استعراض للقوة والكبرياء ، والثانية هو الإحساس بإمكانية تحقيق الانتصار في اية لحظة ، فيبقى محتفظا بالأمل حتى الرمق الأخير . والغريب في الأمر هذه الحالة موجودة ايضا في عالم الحيوان وبنفس الإصرار والعناد وهنا أقصد الحيوانات الوحشية التي تعودت على إفتراس الحيوانات الأضعف منها ، أما الحيوانات الضعيفة فتفضل الهرب وبسرعة دون اي مواجهة ، لذلك لا نستغرب ان تكون نهاية الجبابرة والطواغيت نهايات مخزية ، وهذه الحالة تم ملاحظتها في المسابقات الرياضية ايضا ، تجد الرياضي او الفريق الرياضي القوي يصل مرحلة الانهيار كلما مر عليه الوقت وهو في حالة إنهزام وعجز عن مجاراة الخصم الأقوى ، بينما تجد الرياضي او الفريق الرياضي الضعيف يستمر حتى النهاية مبديا مقاومة تتناسب وإمكانياته بشكل طبيعي ايمانا منه بأفضلية الند .
بعض القيادات سواء أكانت حزبية او عسكرية او إدارية او غيرها عندما تجد نفسها ولفترات طويلة قوية ومهيمنة على الواقع لا تتقبل شيء أسمه الفشل لذلك فهي تقاتل وتصارع من اجل انكار الفشل ورفضه ، ولكن استنادا على نفس القاعدة (القوي ينتحر على يد الأقوى) ستجد هذه القيادات نفسها في طريق ينتهي بها الى الانتحار السياسي او العسكري او غيرها لتترك وراءها حمل ثقيل يأن به من كان ناصرا وتابعا لها .
الأذكياء والعظماء هم وحدهم من يحسب حساب ليوم الذلة والهزيمة لذلك يتركون لهم وجود في نفوس الناس ويتركون أثر طيب لا يمكن محوه ، فيبقى ذكرهم خالد وخلال فترات حياتهم يجعلون من قوتهم فيض للأخرين ، وهؤلاء طبعا كالعادة هم النوادر .
العقلاء يستفيدون من الفشل ولهم القدرة على صناعة أنفسهم وأوضاعهم من جديد ، فنراهم يتقبلون الهزيمة على مضض مع الحفاظ على قوتهم دون التفريط بما بنوه وجمعوه لسنين ، لذلك نستطيع القول ان العقلاء يعمدون الى الانسحاب قبل الهزيمة او اثناء الهزيمة لكي لا يخسروا كل شيء .
المشكلة التي تعاني منها الشعوب المغلوبة على امرها هي وجود قيادات لا تفهم هذه الحقائق وعندما تحين لحظة الهزيمة تقدم ابناءها قربانا كي تطيل من عمرها ولو لساعات او ايام لعله يحدث امرا ، فتبقى حتى اللحظات الأخيرة تحرض الناس على الموت في سبيلها وتعلن نفسها إنها منتصرة زورا وحينما يحين اجلها يتحول العناد والاصرار العجيب الى توسل ونحيب او في احسن الأحوال يتحول الى قبول لجميع الشروط المفروضة عليها من قبل الأقوى بعد ان خسرت كل شيء .
انا يدهشني ان ارى هذا السيناريو يتكرر في مجتمعاتنا بشكل مستمر ، و ما يدهشني اكثر ان الناس تركض وراء هذا القوي المصطنع بنفس الطريقة التي ركضت بها وراء من سبقها ، وكأن مجتمعاتنا لها تركيبة خاصة قادرة ان تكون وقود لغيرها ، وكأن تلك العبر تخص مجتمعات أخرى ولا تخصهم ، ولم يكن أباءهم من قبل ضحية لهذا النهج ، طبعا ليس المقصود الجميع هنا ولكن بالنهاية سيكون الجميع هم الضحية وهم من يدفعون الثمن .
لا أدري لماذا تأريخنا وحاضرنا مليء بهذه النماذج من الأقوياء الكارتونين ولا أدري لماذا تتقبل مجتمعاتنا وجودهم بهذه الكيفية ، لا أجد تفسير لهذا ، ولكني أستطيع ان أجزم بأن هناك مدخل سهل متوفر وجاهز لمن أراد ان يوهم الناس انه قوي وهذا المدخل يستطيع به الأستحواذ على العقول الطيعة البسيطة بكل سلاسة وهذا المدخل هو الموروث الديني والموروث القبلي ، وهذه الموروثات سهلة الاستخدام وتستطيع من خلالها جعل الإنسان الحر عبد من حيث لا يشعر ، وهذه المداخل حتى العدو يستطيع الإستفادة منها وتسخيرها لنفسه ضد ابن البلد طالما هنالك إستجابة عند عامة الناس الذين لا حول لهم ولا قوة امام سلطة الدين ورجل الدين وسلطة القبيلة وسلطة التقاليد الإجتماعية التي ترسخت جذورها في عقولهم مع العلم ان أصل الدين وأصل القبيلة وأصل التقاليد وجدت لخدمة متطلبات الإنسان وتعزيز مكانته ورفع شأنه لا لتسخيره بها وسلب إرادته ، هذه الموروثات بإنحرافها عن أصلها الحقيقي تجعل من الإنسان كالنعاج بحاجة الى راعي مهما كان شكله ولكن المهم يحمل العصا ومعه الكلاب تحرسه ، فتكون بمأمن من الضواري والسباع ، وهذه هي أوطأ حالة يصل إليها الإنسان عندما ينعزل تماما عن وجوده الإنساني ، وهذه جريمة ما بعدها جريمة بحق كائن يفترض به ان يكون سيدا في الأرض وعزيزا في وجوده .
نحن بحاجة الى مراجعة أنفسنا مرارا وتكرارا للخروج من هذه الشرنقة والأنطلاق نحو فضاء الحرية فهو حقنا في الحياة .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close