الإختصار مسار!!

منذ قرون بعيدة قال أجدادنا : “خير الكلام ما قل ودل” , وبرز فيهم أعلام إتخذوا منهج الإختصار أسلوبا لنقل المعارف ونشر العلوم , وكان ذلك في زمن لا يعرف من وسائل الإتصال التفاعلية غير الكلام المكتوب على الورق الشحيح النادر آنذاك.

أدرك أجدادنا أهمية الإختصار في الكلام المنطوق والمكتوب , وكأنهم يدركون ما يحي العقول ويشدها إلى التفاعل والإبداع.

وأكثرهم في مقدمات كتبهم يجتهدون في الإيجاز , ويبتعدون عن الإسهاب والإطناب , ويحاولون إسعاد القارئ بما يكتبون لا تدويخه وإزعاجه وتنمية عدم حبه للقراءة.

أجدادنا يختصرون , ويلظمون كلماتهم على السطور كأنها حبات اللؤلؤ وخرز الجمان , فيصنعون منها عقدا معرفيا بهيا.

فالكلمة عندهم غالية , وذات قيمة عالية , والعبارة تدل على فكرة عامرة بالحيوية , والقدرة على التفاعل الأصيل مع الحياة.

وكلما إزدادت قيمة الكلمة إجتهد المبدعون بوضعها في مكانها , والإعتزاز بدورها وتأثيرها في العقول والقلوب.

وتجدنا بعد إنشار الورق وتنوع وسائل الكتابة صرنا نبذّر الكلمات وننثرها , وصار شعارنا “مجرد كلام” , اي أن الكلام بلا قيمة ولا تأثير في الحياة , فهو مجرد أصوات فارغة وكلمات مكتوبة بلا غاية أو مأرب.

وفي زمن توفر أدوات الكتابة السهلة , أصبحنا نحسب حشو الصفحات كتابة أو تأليف الكتب بأنواعها , بلوغ المراتب العلوية في الكتابة , وصارت تجارة الكتاب شائعة , فالمطابع تطبع , والناشر يقبض الثمن , أما قيمة المكتوب وتأثيره ودوره في الحياة فلا معنى له ولا نظر.

فالكم شائع والنوع ضائع واختلط الغث بالسمين , وتوجه الناس إلى الكتابة والنشر لتصريف الطاقات المكبوتة , والإخفاقات والإنكسارات المتراكمة , وبهذا الإنحراف التعبيري تتوهم الأجيال بأنها تقدم شيئا , وتنجز مالم تستطع إنجازه في ميادين أخرى.

والعلة يكمن جوهرها بضياع قيمة العلم ودوره في حياتنا , فلو أن عقول الشباب قد توجهت للعلم والمشاريع الإبداعية المنبثقة عنه , لتغيرت أوضاع الرؤى والتصورات , ولآدركنا أن علينا أن نحترم الكلمة , ونكتب بجدية وإجتهاد , وقدرة على التعبير الواضح اللازم للتفاعل المنير مع العصر.

فكم كتبنا ونشرنا , وكأننا نكتب على وجه الماء , ونطعم الريح كلمات كأنها الهباء المنثور.

وتلك محنة أمة توطنها المهجور , وماعادت ترى بعيون عصرها , وتبحث في نفايات العصور.

فهل من كلمة صافية , وهل سنكتب بموجب إرادة الإختصار؟!!

د-صادق السامرائي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close