الحلول الوسطية والحلول المرضية

الحلول الوسطية والحلول المرضية
بقلم ( كامل سلمان )
معظم المشاكل بين الأطراف المتنازعة سواء أكانت على مستوى الأفراد أو المجتمعات أو الدول تنتهي بحلول وسطية بوساطة أفراد أو جماعات أو دول أو أحيانا عن طريق الحوار المباشر بين المتنازعين ، أما إذا كان أحد طرفي النزاع يمتلك القوة التي تفوق الطرف الأخر فلا يرضى بالحلول الوسطية وغالبا ما يسعى الى فرض شروط مجحفة تتناسب مع قوته ، وأحيانا يسعى الطرف القوي الى حلول مرضية للطرف الأضعف بناءا على مصالحه او نظرته لجعل الطرف الضعيف تابع له أو سعيا منه لعدم استنزاف طاقته القوية والحفاظ عليها لمواجهات أخرى .
في الحالة العراقية لاحظنا ان الأطراف التي جاءت الى السلطة بعد عام ٢٠٠٣ م كانت كلها قوية لذلك لجأت هذه الأطراف منذ اليوم الأول الى تفاهمات ما يسمى تقسيم الكعكة ، أما اليوم وبعد مرور تقريبا عقدين من الزمن فقد لاح للأفق ظهور الطرف القوي وظهور الطرف الضعيف عند أقوياء الأمس ، فهنا تغيرت المعادلات وأصبح القوي لا يرضى بتقسيم الكعكة.
القوى الشيعية أصبحت مختلفة القوة ، ورغم أنها تمتلك نفس المعتقد الا ان المبادىء تختلف وأختلاف المبادئ أدى الى أختلاف الرؤى وأختلاف الأهداف وهذه الحالة نجدها ايضا عند القوى السنية والكوردية ، لذلك نحن الأن أمام حالة عراقية جديدة ، سيسعى فيها الأقوياء تثبيت مكانتهم وسيسعى الضعفاء إعادة المبادرة وهذا ما سيخلق صراع من نوع آخر ينتهي إما الى صراعات دموية وحرب أهلية أو ولادة عراق جديد يختلف عن عراق ٢٠٠٣ م وسيكون للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية كلمة الفصل . بمعنى أخر أصبحت للقوى الإقليمية دور ثانوي بعد ان كان دورها اساسي .
ما نفهمه من تصريحات قادة التيار الصدري إنهم ماضون نحو عراق جديد يراعي مصالح التحالف الدولي ويبني لإنفسهم أفق لقيادة ميدانية قوية وطويلة الأمد وإنهم عازمون فعلا على رسم سياسة دولية وإقليمية براغماتية ليس فيها شعارات ثورية وحروب ، وهذا ما سيكسبهم شعبية أكبر في المرحلة القادمة ، وهذه الاستراتيجية تلتقي مع مبادىء الكورد والسنة ومع العلمانيين ، أما الطرف الخاسر فلن يركن للسكوت على الأقل في هذه المرحلة ومن المحتمل قبولهم بالحلول المرضية فيما بعد خاصة وان مركز ثقلهم وهو قيادات حزب الدعوة التي تميل للمصلحة أكثر من ميلهم للمبادئ.
من خلال ما ذكرنا أعلاه يبدو ان إنتفاضة تشرين قد أعطت ثمارها وإن التيار الصدري قد استثمرها خير أستثمار ، وأي كانت السيناريوهات القادمة فالعراق لم يعد عراق ما بعد ٢٠٠٣ م ، وبالنهاية فالشعب العراقي قد قال كلمته وستكون كلمته أقوى في المرحلة القادمة .
ان الأطراف الخاسرة في أنتخابات أكتوبر هي ليست أطراف ضعيفة بمعنى الضعف فمازالت لها عمق جماهيري وقوة ميدانية وقوة السلاح وأعتقد ان فرضية انسحابها ضرب من الخيال ولكن قبولها بحلول الترضية سيكلفها الكثير على المدى البعيد ، اما أختيارها لخط المعارضة ربما سيكون الحل الأمثل للحفاظ على قاعدتها الجماهيرية وتستطيع من خلال ذلك إعادة نفسها إذا ماتمت مراجعة سير أعمالها وكشف العيوب ومعالجتها .
الحالة العراقية بقياسات المجتمع الدولي تكاد تكون منفردة في شكلها وطبيعتها لذلك من الصعب مقارنتها بأية حالة أخرى .
بالمختصر المفيد الكل أمام أختبار صعب والخطأ في أية خطوة ستكون مكلفة لمن يخطو تلك الخطوة طالما أصبح للشعب دور واضح لا يمكن تجاهله او القفز عليه ، فمن يقترب من الشعب وما يريده الشعب ستكون حظوظه كبيرة في المراحل المقبلة وقد أثبتت التجارب ذلك ولا نحتاج الى المزيد لمعرفة هذه الحقيقة .
كل منا يستطيع قراءة الوضع بما يراه ولكن في النهاية تكون القراءة الموضوعية هي الصحيحة ولا يمكن لأحد التكهن بما ستؤول اليه الأمور مائة في المئة لكن المعطيات تفسر النتائج وهذا ماتم تبيانه بأختصار .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close