كيف تطورت الأحياء طبقا لنظرية داروين ؟

كيف تطورت الأحياء طبقا لنظرية داروين ؟ (*) بقلم د. رضا العطار

ان قوانين الحياة التي تخص الاحياء جميعها واحدة، تتميز من حيث الاغتذاء والتنفس والوراثة والتزاوج والنمو. دعنا نلاحظ ذلك في الحيوان والنبات مثلا. فكلاهما نشأ من الجسم البسيط المتجانس الى الجسم المركب المتغاير. وانهما يشتركان في كثير من الصفات، لأن الحياة في كليهما واحدة، بل هما احيانا يتداخلان فيعيش النبات عيشة حيوانية، يفترس بقية الاحياء من نبات وحيوان، ثم انه يتحرك ويستجيب للمؤثرات العصبية بالحركة وافراز السوائل. وكذلك الحيوان، فإنه احيانا يعيش عيشة نباتية بحيث يستعين على الحياة بمادة الكلوروفيل الخضراء الموجودة في النبات، واحيانا اخرى يؤثر السكون على الحركة كما هو الشأن في حيوان الأسفنج.

ان هذا الاشتراك يدلنا على ان النبات والحيوان قد نبعا من اصل واحد وان الفرق بين اشجار النخليل والاسود او بين العلف والفار، من حيث قوانين الحياة لا يختلف في النهاية عن الفرق بين الكلب والضبع او بين الذرة والقمح الا اختلافا في الدرجة فقط.

ولننظر الان في بعض ما يظهر من مظاهر الاختلاف لنرى هل فيها اختلافات جوهرية تفصل النبات عن الحيوان فصلا تاما وتميزه منه بحيث يستدعي الاعتقاد بان حياة الحيوان هي غير حياة النبات او ان هذه المظاهر سطحية فقط، فرضها اختلاف البيئة ؟

ولنبتدئ بالتغذية، فالمعروف ان النبات يتغذى من الجماد ! اما الحيوان فيتغذى على جسم حي، ان كان نباتا او حيوانا، وليس هذا فرقا كبيرا، لأن العناصر التي يتغذى بها النبات هي نفس العناصر التي يتغذى عليها الحيوان. فعند تحليل الغذاء الى عناصره الاولية من نيتروجين وكربون وغيرهما نجد ان غذاء النبات هو نفسه غذاء الحيوان. والفرق ان النبات يحيل الجماد الى نبات مثله بينما الحيوان يحيل الجسم الحي من نبات وحيوان الى ما يشبه نسيجه كذلك، اي انه غير قادر على ان يحول جسم الجماد الى مثله، مثلما يصنعه النبات.

لكن الحيوان يتمكن من الاغتذاء على الجماد اذا توفرت فيه مادة الكلوروفيل كما هي الحالة عليه في الاسفنج. ونوع آخر من الديدان ونوع ثالث من القشريات، حيث نجد فيها هذه المادة موجودة. كما ان هناك نوعا ثالثا من النبات ليس فيه مادة الكلوروفيل، وهي تغتذي على الاحياء كما هو الشأن في البكتريا التي تحدث الامراض. واخيرا ان بعض النباتات تغتذي على الحيوان بأن تطبق زهيراتها على الحشرات فتقتلها وتمتصها.

الحيوان والنبات يتنفسان بطريقة واحدة لا فرق بينهما، لكن النبات الاخضر يمتص الهواء في ضوء الشمس، يأخذ منه ثاني اكسيد الكاربون لصنع الغذاء، و يطرد كمية من الاوكسجين اكبر مما يطرده من كمية ثاني اوكسيد الكاربون الذي اغتذى به.

فإذا جاء الليل وقفت عملية اغتذاء النبات من الهواء لأنعدام الضوء وتبقى عملية التنفس كما تجري عند الانسان. ومن هنا ضرر ابقاء النبات داخل غرف النوم لانه يزاحم النائمين اذ هو يتنفس مثلهم.

ويسيطر على تناسل الاحياء، قانون مندل للوراثة، ففي الوقت الذي نكون نحن البشر ارقى المخلوقات، إلاّ اننا في تناسلنا نخضع لنفس طريقة نبات القطن و خضار الفجل. فقانون مندل في الوراثة ينطبق على الخيول والكلاب والحمام والزهور، يجب على المربين ان يأخذوا ذلك بعين الاعتبار عند اختيارهم الصفات المرغوبة.

ثم اننا نجد النبات قد سار سيرة الحيوان في تطوره. فقد بدأ كلاهما وليس في احدهما ما يميز الجنس فلم يكن هناك ذكر وانثى، ثم ظهر بعد ذلك زهر النبات يحتوي على ملاقحه كالنخل والتوت، يختلف فيه الذكر عن الانثى. فالوظائف الفسيولوجية كانت قديما في الحيوان، اما في النبات فأنها كانت معممة اكثر، منتشرة في جميع انحاء الجسم. لكن في الحيوان ظهر التخصص. فأختص عضو بالغذاء وآخر بالتنفس وثالث بالتلاقح ورابع بالأحساس وهلم جرا.

واذا اتسم النبات بعدم الحركة لكن قوته العصبية لا تزال في درجة القوة العصبية لديدان الارض بل قد تكون احط منها، فالقوة العصبية عندها مع ذلك لا تختلف عن تلك التي في الحيوان إلاّ من حيث الدرجة، فمنشأ العقل في الانسان هي الغريزة. وفي النبات ما يشبه الغريزة. فإننا اذا لمسنا دودة الارض تقلصت، مثلما تنكمش ورقة شجرة

( المستحية ) اذا لامسها الانسان.

وهناك اختلاف ظاهر بين شكل الحيوان وشكل النبات. فالاول مُلملم منطوي والثاني منبسط منتشر وهذا الفرق في الهيئة يوهمنا بأنه فرق كبير ولكن في الحقيقة ان طريقة الغذاء هي التي اوجدته. فالنبات يتغذى بأوراقه وهذه الاوراق لايمكنها امداد الشجرة بالغذاء من الهواء الا اذا تعرضت للشمس والهواء، لهذا السبب تنبسط اوراقها وتنتشر بمقدار ما يسمح لها مكانها. اما الحيوان فانه يتغذى بباطنه وغذاؤه مركزأ اكثر من غذاء الشجرة فهو لا يحتاج الا الى مقدار صغير بالنسبة الى ما يحتاجه النبات، ثم قد يكون في كثرة تعرضه للهواء ما يؤذيه لانه يفقده حرارته.

والخلاصة ان النبات والحيوان لا يختلف احدهما عن الاخر الا من حيث الظواهر ولكنهما تشملهما حياة واحدة وقوانين واحدة في الغذاء والتنفس والنمو والتناسل والوراثة والتطور.

الحلقة التالية في الاسبوع القادم !

* مقتبس من كتاب نظرية التطور واصل الانسان لسلامة موسى.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close