ما سر نزوع الانسان الى الثقافة ؟

ما سر نزوع الانسان الى الثقافة ؟ * د. رضا العطار

ان الهم الأكبر للنفس البشرية هو ارتقاؤها وتطورها من حسن الى احسن ومحاولتها الصعود ولو كان في ذلك فناؤها — فالأنسان حيوان شريف بالطبع، طموح الى العلياء، دائب السعي في الرقي. وليس تطوره في الماضي هو الدليل الوحيد على ذلك، اذ هو في عقله وجنونه كما في احلامه وخواطره، دائم النزوع الى الصعود مهما كلف الامر.

فنظرية التطور هي نظرية النشوء (والارتقاء) وذلك لان التاريخ الطبيعي في الماضي كان خير شاهدا على ان الاحياء كانت في تطورها ترتقي من حال الى حال. وهذه النزعة لا يمكن الا ان تكون مستمرة في نفسه نازعة به نحو المستقبل كما نزعت بأسلافه في الماضي الى الارتقاء>

وقديما بحث الناس عن السعادة ولكننا الآن نكاد نتفق على ان السعادة هي الشعور بالرقي، سواء أكان هذا الرقي بزيادة الصحة او المال او الجاه او العلم. فما دمنا نزداد رقيا فنحن سعداء، وذلك لان الرقي هو في صميم طبائعنا كما هو في صميم تاريخ الكائنات الحية في تطورها، واذا بدأنا نشعر باننا قد وقفنا عن الارتقاء فذلك هو بدء الشعور بالشقاء. ويمكننا ان نتحسس هذه النزعة حين نغفو غفوة قصيرة نستسلم خلالها لخواطر لذيذة كأن نعتقد اننا صرنا وزراء او علماء او ملوكا. ونشعر بالسعادة تغمرنا لهذه الخواطر التي تشبع في نفوسنا شهوة الرقي كما نفهمه من الظروف التي تحيطنا. فالمقامر يشعر انه قد ربح مبلغا جسيما يجعله في مركز من السيادة يطمح اليه والنائب في البرلمان تخطر له خواطر لذيذة عن الوزارة التي سيترشح لها. والشحاذ تملأ ذهنه خواطر حلوة عن قسمة الحظ التي سيلقاها فيغتني بها. ففي هذه الخواطر نجد طموحا ورقيا.

وهناك من يجن، فيشعر انه ملك وان الملوكية من حقه فيأمر وينهي بلهجة الملوك. فهو في جنونه يطمح الى الارتقاء من حاله الوضيعة الى حال قد تخيلها حتى صارت مرضا في ذهنه – ثم اعتبر هذا الرجل المنتحر كيف يرضى بقتل نفسه لانه لا يرى ان الظروف المحيطة به تتفق ورغبته في الارتقاء. فلو ان نفس الانسان كانت بطبيعتها منحطة نازلة وليست راقية صاعدة لما رضي انسان ان ينتحر، انه ينتحر لانه خاب امله في ذلك الرقي الذي يجلب اليه المال والجاه او العرض او الصحة او المقام المحمود.

فحب الحياة هو الرقي وفي صميم نفوسنا يكمن هذا الطموح الى الارتقاء. ونحن عندما نحب المرأة الجميلة الذكية، ونشتهي ان نتزوجها انما نفعل ذلك بفعل هذه النزعة التي تحملنا على ان نقرن ذاتنا بذات الجمال والذكاء او كلاهما فنرتفع في ذريتنا بأرتفاعهما. وقد نخطئ في فهم معنى الرقي عندما نقع في عشق المرأة الثرية، نبغي الزواج منها لثرائها ليس الاّ.

فالنفسيولوجية الحديثة تقول ان في الانسان نزوع الى الارتقاء ومن هنا جاء فضلها على الاخلاق لانها تجعل الرغبة في الخير اساسا لهذا العلم، انها تفرضها على الانسان، تريده ان يكون راقيا تتوافر له السعادة حتى يكون دائبا في الارتقاء سواء أكان ذلك في الفرد ام في الجماعة. ولكن هذا النزوع نفسه هو علة همومه وجنونه بل احيانا انتحاره.

* (مقتبس من كتاب مختارات، للعلامة سلامه موسى)

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close