النقد الفني ــ نظرياته وأنواعه

بغداد- نيرة النعيمي
النقد الفني ــ نظرياته وأنواعه

كثير من الناس من ينظر الى أى موضوع نقدي كأنه مسألة رياضية لا يعرف لها قاعدة للحل، ويجدون أنفسهم أمام مادة جافة لا يستطيعون هضمها وفهم ماذا يقول الناقد وما يرمي ويريد الوصول اليه عن طريق نقده هذاــ واعتقد ــ ان السبب الرئيسي في هذه الحالة هى عدم تدريس العلوم الفلسفية في مدارسنا. وسبب آخر هو عدم دراية وإلمام معظم القراء ــ غير الدارسين للاداب والفنون ــ بنظريات النقد الرئيسية، وأنواع ومعايير النقد عموماً. وهذا يعيق التذوق الفني عند عامة الناس الذين يعمل النقاد جاهدين لرفع درجة التذوق الفني لديهم.
ومن هذا المنطلق رأيت من الواجب القاء بعض الضوء لتعريف موجز لنظريات النقد الفني الرئيسية، وأنواع النقد ومعاييرها ليكون حافزاً للاستزادة والتوسع لمعرفة آراء المفكرين وانتقاد لا تتسع له المساحة المتاحة لتناوله هنا ــ اذن ما هى هذه النظريات النقدية التي يرتكز عليها المحللون والنقاد في تحليلاتهم وانتقاداتهم للفن؟ وما هى أنواع النقد الفني ومعاييرها النقدية؟
ونبدأ بالإجابة على السؤال الاول، ونقول إن النظريات النقدية الرئيسية للأبداع الفني أربع نظريات وهي:
1/ نظرية المحاكاة.
2/ النظرية الشكلية.
3/ النظرية الانفعالية.
4/ نظرية الجمال الفني.
وبطبيعة الحال فإن لكل نظرية من هذه النظريات أعلاه انصارها واتباعها ومعارضوها من النقاد والفنانين على مدى تاريخ الابداع الفني الغربي وحتى العصر الحديث. ومن أجل محاولة تعريف كل نظرية علي حدة سألجأ للبحث في منشأها وتطورها بنبذة قصيرة قدر الامكان عن كل نظرية.
أولاً: نظرية المحاكاة: تنقسم نظرية المحاكاة الى ثلاثة اقسام هى:
أ/ المحاكاة البسيطة ب/ محاكاة الجوهر ج/ محاكاة المثل الأعلى.
أ/ المحاكاة البسيطة: وهى اقدم نظرية في الفن على الاطلاق، وقد عرضها الفيلسوف اليوناني افلاطون في مناقشته النهجية لطبيعة الفن في الفكر الغربي، وهى تقول: إن الفن الجميل هو ترديد حرفي للطبيعة وموضوعاتها التجريبية وحوادثها، بحيث يكشف عن تشابه دقيق للموضوع أو النموذج الفني خارج العمل الفني، وبعبارة اخرى قولك عن رواية او دراما أو فيلم سينمائي انه مطابق للحياة، أو قولك ان هذه الصورة مماثلة بتفاصيلها الدقيقة لتلك الشجرة التي نراها في الحديقة، كما لو أنك وجهت مرآة على تلك الموضوعات، وقد وجدت نظرية المحاكاة البسيطة انتشاراً واسعاً من أصوات التجربة المعتادة في عصرنا الحالي بين الفنانين والنقاد وعامة الناس الذين لم يختبروا اعتقاداتهم عن الفن.. ولكن كثيراً من المفكرين اعابوا هذه النظرية بقولهم انه لا يمكن ان يكون العمل الفني مجرد نسخ لحوادث التجربة المألوفة، ويحضرني هنا بيت المتنبي القائل: وقد يتقارب الوصفان جداً وموصوفاً هما متباعدان
ب/ محاكاة الجوهر: نشأت نظرية محاكاة الجوهر وتطورت من خلال نظرية عرضها الفيلسوف اليوناني أرسطو في التراجيديا، وفي تحليله الطريقة التي نحاكي بها الحياة، وتناولها بعض المفكرين من بعده ــ وهى إجمالاً تنطلق من انتقاد النظرية الافلاطونية (المحاكاة البسيطة) التي رفضها تلميذه ارسطو على انها لا تلبي مطالب المضمون في العمل الفني. وهكذا فإن (محاكاة الجوهر) تظهر بوضوح عيوب (المحاكاة البسيطة)، إذ تبين أن العمل الفني الخلاق يفوق مجرد (النسخ) وأن الفنان لا يحاكي بلا تمييز، وعليه أن ينتقي من حوادث التجربة المألوفة ويضفي عليها دلالة حتى يمكننا القول ان هذا العمل الفني ينفذ إلى جوهر كذا او يعبر عن مضمون كذا.. وعليه فإن الجوهر هو ما يشترك فيه جميع أفراد فئة معينة.
ج/ محاكاة المثل الاعلى: وهى نظرية تنزع الى القول ان العمل الفني يجب ان يكون اخلاقياً وتذهب هذه النظريةــ كما في نظرية ( الجوهر) الى ان الفنان لا يحاكي بلا تمييز بل يكتفي بمحاكاة موضوعات بعينها فقط. ويرى مفكروها أن اعظم مزايا الفن هى محاكاة الطبيعة، ولكن من الضروري تمييز جوانب الطبيعة التي هى أليق بالمحاكاة ــ أى بالموضوع اللائق الذي يعد مهذباً من الناحية الاخلاقية وما يستحق المدح والاستحسان ــ وبهذا المفهوم يعني ذلك ان نظرية المثل الاعلى تضع معياراً لقيمة الفن وهو المعيار الاخلاقي، ويرى انصار هذه النظرية أن الموضوعات ذات المستوى المنحط لا بد ان يكون العمل الفني فيها أدنى وأقل مرتبة من تلك الموضوعات ذات المستوى الاخلاقي بالضرورة، مهما ابدى الفنان عبقرية في موضوعات منحطة وضيعة.
والخلاصة يمكننا القول إن نظرية المحاكاة بأقسامها الثلاثة ولو سلمنا جدلاً بالصلة الوثيقة بين الفن والحياة، لحكمنا عليها من خلال مشابهتها للواقع (المحاكاة البسيطة) أو شمولها (محاكاة الجوهر) أو اخلاقيتها (محاكاة المثل الاعلى) تذكرنا دوماً ان الفن يستفيد من التجربة الانسانية، وتحاول تصورها وايضاحها، وأن للعمل الفني حياة خاصة، وعند تذوق العمل جمالياً تكون عنايتنا بالعمل ذاته، واذا اعطينا أهميته الباطنه حقها، لا يسوقنا الى الحكم عليه على اساس وحدته الكامنة وحيويته وفعاليته، كما يتضح لنا من هذا التوتر بين الحياة والفن انه عصب نظريات المحاكاة جميعاً، إلا ان هناك آراء متخصصة، فبعض النقاد يقولون: إن هذه الاشكال الثلاثة لنظرية المحاكاة لا تستطيع أن تقدم لنا أساساً سليماً للنقد الفني، ذلك ان وجود اعمال فنية لا حصر لها خارج عن نطاق هذه النظريات الثلاثة للمحاكاة ومع ذلك فإن هذه النظرية تخدمنا وتقدم لنا بعض الحقائق عن بعض الاعمال الفنية، لكنها لا تقدم لنا الحقيقة الكاملة عن كل الأعمال الفنية.
ثانياً ــ النظرية الشكلية: تعرف هذه النظرية بأنها من اعقد النظريات النقدية اطلاقاً، وهى على نقيض نظرية المحاكاة تماماً وتعتبر النظرية الشكلية من احدث النظريات النقدية، كما ان مجال استخدامها النقدي يكاد ينحصر في الفنون في السمعية (الموسيقى) والبصرية (التصوير والنحت)، هذا وقد دار جدل كثير ولا زال بين النقاد حول فعالية هذه النظرية في النقد، ايجاباً وسلباً، فبينما يرى البعض أن النظرية الشكلية لم تستطع ايجاد المبررات لمعايير القيمة التي ينفذ بها الناقد إلى حكم القيمة للعمل الفني، وعليه فهم يرون أن النظرية لا تصلح كنظرية نقدية. ومن جهة اخرى يرى البعض أنه يجب على الناقد استبعاد الموضوع وكذلك كل القيم المرتبطة به والتركيز على التشكيل الجمالي المكون للون والضوء في الشكل أو كما يزعم أنصارها.
ثالثاً: النظرية الانفعالية: وتعبر بصفة عامة عن وجهة نظر الحركة الروماتيكية في النقد الفني، وتتشعب ثلاثة آراء الاول ــ التعبير عن الشخصية: حيث يعبر العمل الفني تعبيراً عن شخصية الفنان، ويرى ان النزعة الفردية القوية للفنان هى احد المعتقدات الاساسية للفن والرومانتيكي، فللفنان أن يعرض انفعالاته وافكاره بحرية دون أى كبت ــ ثانياً ــ التعبير عن الانفعال وتوصيله: ويرى ان الفن يتجاوز الجمال البحت، لأنه يضم ماهو مخيف، او حزين، قبيح أو مرح، ولكل حججه طالما ان الفنان يمكن ان يعالج أى موضوع. ثالثاً: التجربة الجمالية: ويرى ان الانفعال اساسي للتذوق الجمالي لأن الجمال هو بعينه ما نسعى اليه حين ننظر الاشياء جمالياً.
ونخلص من هذا بالقول الى أننا نرى انه لا بد ان تكون صحة النظرية الانفعالية بشروط مهمة فهى قد لا تصدق على كل فن وكل تجربة جماليةــ لذا لا بد ان تفسر عملية الخلق الفني التي يصبح بها الموضوع معبراً عن… وايضاً كيف يكون معبراً لـ… كما هى مطالبة بتزويدنا بنظام يمكن تطبيقه عملياً للحكم على قيمة الاعمال الفنية وغيرها من الموضوعات الجمالية.
ورغماً عن ذلك فإن النظرية الانفعالية، تثبت بما لا يدع مجالاً للشك انها أرسخ النظريات الفنية وأجلها وأكثرها فائدة، وهى في عمومها قريبة من اولئك المدعين الذين يصنفون الاعمال الفنية واولئك الذين يستمتعون بها، وعلى كل قد لا تكون النظرية الوحيدة الصحيحة في الفن والتجربة الجمالية، ومع ذلك فحتى اولئك الذين يعارضون ولا يقبلون النظرية يتعين عليهم أن يواجهوا حججها، وأن يتعلموا من استبصاراتها الواضحة.
رابعاً: نظرية الجمال الفني: أما هذه النظرية فلا تلتزم اتجاهاً واحد في بحثها للعمل الفني، وإنما تضم كل اوجه العملـ ـ الموضوع ــ والشكل، والتعبير وما الى ذلك، مما يجعلها مفتقدة الى تحديد المعالم، ويرى انصارها من الخطأ تأكيد أى بعد واحد من ابعاد الفن، الذي يتألف من كثير من العناصر المتباينة وله قيم مختلفة ومتعددة، وعلى نظرية الفن ان تكون من الاتساع بحيث تحيط بهذه جميعاً.
اذاً فإن نظرية (الجمال الفني متسعة وشاملة) او كما ذهب اليه د. جيروم.
وختاماً لنظريات النقد الفني ننتقل الى الشق الثاني من السؤال الذي اوردناه في المقدمة.
أنواع النقد ومعاييره
٭ يمكن تعريف النقد الفني بأنه محاولة تفسير او توضيح العمل الفني للاهتداء الى ايجاد مبررات تؤيد حكم القيمة، فقد يفسر لك الناقد معاني كلمات في لغة تجهلها، أو يفسر الاشارات التاريخية في رواية، وربما يفسر معاني الرموز، وقد يتتبع البناء الشكلي ويكشف عن دلالاته التعبيرية. وقد يصف من خلالها تذوقه العمل الفني التأثير الذي يحدثه العمل في المدرك، ومن أهم اغراض النقد إيضاح مبنى العمل وإيفائه، وقد درج النقاد على اسم الوظيفة التفسيرية للنقدــ أى النقد التفسيري، مقابلة للنقد التقديري ــ إلا أن الوظيفتين مرتبطتان ارتباطاً وثيقاً ببعضها، مع أن احدى الوظيفتين تفسر، والاخرى تحكم، وزد على ذلك ان النقد التقديري يفترض مقدماً النقد التفسيري، وهذا يعني أن السؤال: ما قيمته؟ يفترض مقدماً السؤال: ما هو؟ على أن العلاقة بين النقد التقديري والنقد التفسيري ليست على هذه البساطة التي نتصورها في اذهاننا، بل المسألة أبعد من ذلك كثيراً، لأن مجرد التمييز بين هاتين الوظيفتين النقديتين قد يؤدي الى تشويه لما يحدث فعلاً في مجال النقد، ذلك ان الوظيفتين تؤديان عملها وتمتزجان وتؤثران كل في الاخرى.. لذا نلاحظ ان كثيراً من النقاد لا يقدمون تقريراً واضحاً صريحاً للعمل، إذ أنهم غير مضطرين لذلك، طالما أننا يمكن أن نصل الى تقدير العمل من خلال التفسير والايضاح الذي يندمج فيه التقدير ويمتزج معه.
إن العمل الفني زاخر ومشحون بالقيم، بحيث عندما نتحدث عنه تتداخل المسائل الواقعية والتقومية، وذلك جلي في كل قطعة من الكتابة النقدية تقريباً.. ومع ذلك فإن الناقد يجب عليه أن يأخذ الحيطة والحذر، ويجب أن يميز الخيط الرفيع بين الوظيفتين ــ التفسيرية، والتقديرية ــ إذ انهما برغم تلازمهما لهما اغراض مختلفة كل الاختلاف. وإلا وقع في خلط تلك الاختلافات عند تجاهله التمييز مطلقاً.
وبما أننا من الممكن ان نقوم بالتقدير والتفسير على انحاء واتجاهات كثيرة متباينة، نقدم هنا بعضاً من أنواع النقد الرئيسية، الذي يستخدم كل منه مناهج متميزة التي تنبهنا الى جوانب متباينة من القيمة، فبعضها يؤكد اصول العمل وبعضها الآخر يهتم اساساً بتأثير العمل في الشخص الذي يدركه، واخرى تركز اهتمامها كله في البناء الباطن للعمل.
غير أننا نستطيع التعلم من كل نوع من النقد بشرط ان يستخدم معايير للتقدير يمكن استخدامها عملياً، وان يبقى على العمل الفني في تفسيره له ضوءاً واضحاً.. وأنواع النقد خمسة وهى:
1/ النقد بواسطة القواعد 2/ النقد السياقي 3/ النقد الانطباعي 4/ النقد القصدي 5/ النقد الباطن.
1/ النقد بواسطة القواعد: لتقدير العمل الفني لا بد من معيار للقيمة، وأن الاكتفاء بوصف المشاعر الشخصية تظل تخص فقط ذلك الشخص، فلا بد له فحص خصائص العمل ذاته، وإلا فإنه لا يستطيع الدفاع عن تقديره إلا اذا اثبت كيفية أداء هذه الخصائص الى جعل العمل جيداً. اذن فلا بد ان يكون لديه معيار يعرف به الجودة الفنية ويقيسها حتى يتبين الثمين من الغث.
هذا المعيار قد يكون (مشابهة الواقع او (النبل والاخلاق) او (القوة الانفعالية) وبدون هذه المعايير لا يستطيع ان يدعم حكمه ويدافع عنه، وبدونها أيضاً لا يستطيع المتلقي ان يفهم السبب في اصداره هذا الحكم.
تظهر المعايير بصفة عامة في نوعية العمل الجيد، فهى تقيس القيمة وليس في العمل المحدد فحسب بل في اعمال مشابهة له، فنحن نستطيع مسرحية (تراجيديا) أو (كوميديا) لأن صفات معينة تتوافر فيها شكلية كانت ام تصويرية يتميز بها ذلك النوع الادبي، وكذا عندما نشاهد تخليداً لذكرى حادث تاريخي لغرض اجتماعي، فلا بد ان يكون ذلك العمل مرتبطاً بالتراث الاجتماعي، وأن يكون سهل التذوق لكل افراد المجتمع. وكذا في الفنون السمعية توجد معايير (للصونات) أو (الفوجة)).
ويتوقف في كل عمل بعينه على طريقة تطبيق الناقد هذه المعايير، فاذا طبقت بطريقة خاطئة أو غير سليمة او جاهله يطل النقد التقديري ويضل النقد التفسيري طريقه.
وينبغي ان تكون المعايير ملائمة من الوجهة الجمالية، وقبل ان يتمكن الناقد من الحكم يجب اولاً ان يكون لديه إحساس بما يحاول العمل ان يحققه في القارئ او المستمع او المشاهد، ودون هذا الفهم للناقد بغاية العمل ويحترمها، فانه قد يسيء تفسير الوسائل والحكم عليها

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close