تيكون أولام (“شفاء العالم”):

يعرض هذا المقال العلاقة بين الاحتفال اليهودي بعيد الشجرة اليهودي (طو بشفاط) وأنشطة مؤسسة الأطلس الكبير المعنية بغرس الأشجار في المغرب. لم يتم نشر هذا المقال بعد.

تيكون أولام (“شفاء العالم”):
توظيف المناسبات الثقافية للحفاظ على الكوكب

بقلم : إقبال بوزيان، منسقة الأنشطة الثقافية في الميدان
مراكش
تختلف الشرائع والمعتقدات، ولكل دين احتفالاته الخاصة بالعام الجديد، فتتعدد المناسبات التي نخلد فيها الترتيب الإلهي للأيام والشهور. عادة ما تشير هذه الاحتفالات إلى نهاية أو بدايات دورات جديدة من الازدهار والشكر على بركات الله. وفي هذا السياق، تحتفل الثقافة اليهودية بعيد كامل مخصص للأشجار، حيث تم اختيار الأشجار نظرًا لأهميتها في حياة البشر وتوازن النظام البيئي الإيكولوجي برمته.

وفقًا للتلمود البابلي ، فإن عيد طو بشفاط بمثابة رأس السنة الجديدة للأشجار. كما هو واضح من أصل الكلمة، وتترجم طو بشفاط حرفيًا إلى “الخامس عشر من شفاط”. يشير هذا التاريخ إلى بداية الموسم الزراعي بشأن العشور الزراعية المنصوص عليها في الكتاب المقدس. ويميز بين ثمار العام الماضي وثمار العام الجديد.

عيد الشجرة طو بشفاط متجذر بعمق في المفهوم العبري لمفهوم تيكون أولام (شفاء العالم)، والذي يشير إلى التزام البشر بالتصرف وفقًا للطرق والمناهج التي تفيد المجتمع وتساعد على تجاوز التحديات العالمية من خلال تكريم أحد إبداعات الخالق: الشجرة. إضافة إلى ذلك، يأتي هذا العيد ليحتفي بدورة العطاء، ورعاية الأشجار خلال أطوار نموها. كما أن الطرق التي يتم الاحتفال بها بهذا العيد تعتبر مساهمة مباشرة في المعركة الأبدية ضد التغييرات المناخية.

على الرغم من كونه عيدًا دينيًا، فإن الاحتفال بعيد طو بشفاط له أهمية كبيرة ليس فقط للشعب اليهودي، ولكن للعالم ككل نظرًا للتأثير الإيجابي الذي يولده على البيئة. ومن أهم الممارسات والأعراف المتداولة خلال هذا العيد، نجد زراعة الأشجار. وهكذا، يمكن للشعب اليهودي وغير اليهودي الاحتفال بهذا التقليد في أوقات مختلفة من العام إما في إسرائيل، كما يشير التلمود، أو في باقي بقاع العالم.

ومع أن المجتمعات العلمانية والعالمية تفضل أن تشير إليه على أنه يوم الشجرة الإسرائيلي، فإن ممارسة زراعة الأشجار في شهر يناير شائعة جدًا في منطقة البحر الأبيض المتوسط نظرًا لتوفر المناخ المناسب لذلك. وهكذا، اختارت مؤسسة الأطلس الكبير يوم الاثنين الثالث من شهر يناير من هذا العام ، الذي يصادف 17 يناير، يومها السنوي لزيادة الوعي حول قضايا البيئة وإطلاق نشاط غرس الأشجار في وقت واحد في المدارس والتعاونيات والقرى في جميع أنحاء المغرب.

ويحتفي برنامج ذاكرة، الذي أطلقته الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية للحفاظ على الموروث الثقافي والأديان تحت إشراف مؤسسة الأطلس الكبير في المغرب، بنفس القيم والمبادئ التي يخلدها عيد طو بشفاط، ويدعمه ويعتبره مناسبة لتعزيز الروابط الثقافية في المغرب نظرًا لقدرته على مجابهة الصراع والخلافات بين الجماعات. إنها مناسبة تقدم لمختلف فئات المجتمع في البلد فرصة للتعاون في سبيل القيام بأفضل عمل يضمن الحفاظ على الكوكب الذي يأوينا: غرس المزيد من الأشجار.

تعتبر غرس الأشجار وحماية البيئة والحفاظ على الطبيعة من المكونات الأساسية سواء لأنظمة المعتقدات اليهودية أو الإسلامية. ومسؤولية هذه الأديان المشتركة هي إلهام المؤمنين بها لحفظ نعم الخالق وشكر بركاته من خلال العناية الجيدة بما خلقه.

لكل من الإسلام واليهودية دلالات ورموز قائمة على الشجرة، حيث تعكس أهمية الأشجار في معتقدات وثقافة هذه الأديان. ويروي كلا الكتابين المقدسين عن تاريخ البشر والأشجار. فتذكر بعض فقراتهما الأنواع الخاصة بمهد الأديان، وتصف أجزاء أخرى الثمار التي تحملها، وتخبرنا قصصًا عن معجزة الأشجار والأنبياء. وتستمر هذه الحكايات في بناء أجيال نامية من الناس، تقدس إبداعات الخالق وتزرع الأرض إقرارً منها بفضله عليهم.

وخلال فترة الحداد شيفا التي تقام لتكريم حياة الأحباء الذين ماتوا، فإن التقاليد الشائعة للشعب اليهودي تدعوا إلى زراعة الأشجار في المقبرة التي يرقد فيها المتوفى أو في المعابد اليهودية أو المنازل أو الحدائق العامة لأنها هكذا تصير أماكن أقل إثارة للمشاعر المؤلمة عند زيارتها. وبالتالي ترمز إلى حياة تعيش بشكل جيد. هكذا، كان من الأرجح زرع الأشجار المثمرة لا لأنها توفر الظل ولها قيمة جمالية فحسب، بل ولأنها رمز للعطاء المستمر والإيثار.

تصبح تلك الشجرة ذاكرة مرئية تجسد دورة الحياة والموت، تلك الرحلة التي نعيشها في الولادة والموت في مجتمعاتنا. ويمكن تأويل عمليات زرع الأشجار لإحياء ذكرى المتوفى وتفسيرها بطرق عديدة. على سبيل المثال، يمكن أن تشير زراعة أنواع معينة من الأشجار، مثل الخروب، إلى القيمة الرمزية لهذه الشجرة في اليهودية وأرض إسرائيل.

الأشجار التي توحد بين الناس
ورد نخيل التمر، والتين، والزيتون، والرمان، في الكتب الإبراهيمية الثلاثة. ومن ناحية أخرى، فإن الخروب، أو خبز الرجل الفقير كما يصطلح عليه، ظهر فقط في التلمود والمشناه باسمه العبري “حاروف”.

شهدت العصور القديمة في الشرق الأوسط وفرة وانتشار أشجار الخروب البرية التي تقاوم المناخ القاسي وتطعم الرحالة والأنبياء. وفقًا للتعاليم التلمودية، تستغرق شجرة الخروب الواحدة ما يصل إلى 70 عامًا لتنضج وتنتج ثمارًا. وما دام الأمر يتعلق بعيد طو بشفاط، فإن أشجار الخروب معفاة من العشور بسبب إنتاجها المحدود، فهي تعطي محصولًا واحد في السنة. ولكن لماذا تخصص هذه المعاملة الخاصة للخروب وليس الأشجار المماثلة التي لها محصول سنوي مثل أشجار الزيتون ونخيل التمر؟

في العديد من الحكايات التلمودية، تجد شجرة الخروب مكانها كرمز للأعمال الخيرية والمتانة والمرونة. على سبيل المثال، في قصة الحاخام شمعون بار يوشاي، نبتت شجرة أمام الكهف الذي كان يختبئ فيه من مرسوم الإمبراطور الروماني. وكان الحاخام وابنه يتغذيان على الشجرة لمدة اثني عشر عامًا دون الحاجة إلى الاعتناء بها حتى يتمكنوا من جني ثمارها. وهناك قصة أخرى ملهمة هي قصة الحكيم هوني هاماجويل، حيث شاهد رجلاً يزرع شجرة خروب وتساءل عن سبب قيامه بزراعة شجرة تستغرق ما يصل إلى سبعين عامًا لتثمر.

تحوي هذه القصص في طياتها معاني ضمنية حول العمل الخيري المتمثل في غرس شجرة تعود بالفائدة على الأجيال القادمة. فليس بالضرورة أن يأكل المرء من شجرة زرعها طالما أنها ستكون موجودة لإطعام الأجيال القادمة. ولكن، إن عملية الإحسان المتمثلة في ترك الأشجار للقادم من الناس عمل نبيل ومستدام، وهو ما غذى رغبة هذا الحكيم في العمل الشاق لزرع شجرة الخروب لأن شخصًا ما فعل الشيء نفسه من قبله.

الخروب شجرة تلهمك الصبر وتحثك على العمل الجاد والعطاء غير المشروط أو الذي ترجى فوائده على الشخص نفسه. إنها طريقة الإنسان للاستثمار في مستقبل ليس لديهم أي ضمانات للعيش فيه. إلى جانب الأهمية الدينية لزراعة الأرض، أو غرس الخروب، أو أي أشجار أخرى، فهو مظهر من مظاهر إيمان الإنسان القوي بالأعمال الصالحة بغض النظر عن المدة التي يستغرقها ذلك حتى تؤتي ثمارها.

وللمرء أن يتخيل بسهولة التشابه الكبير بين حياة البشر والأشجار. إن الشخص الصالح الذي يسعى إلى خير الآخرين لا يختلف كثيرًا عن الشجرة التي تنبت وتعتني بنفسها وتغذي بسخاء الكائنات الحية التي تمر بها. تمامًا مثل أشجار الخروب، قد نولد في ظروف قاسية، ونعيش حياة مليئة بالتحديات، لكن يمكننا أن ننجح ونزدهر.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close