نظرية التطور لداروين، متى ظهر الأنسان في الوجود

نظرية التطور لداروين، متى ظهر الأنسان في الوجود (*)

د. رضا العطار

في اوائل القرن العشرين، وبينما كانت احدى السفن التجارية تمخر مياه المحيط الاطلسي في طريقها الى الولايات المتحدة، فوجئ البحار بأن سطح البحر مغطى بعشرات الالوف من السمك الميت من نوع واحد، فأخبر ربانها ولاة الأمر في واشنطن، فأرسلت الحكومة الامريكية سفينة استكشاف كي يحقق رجالها المتخصصون هذه المسئلة. وذهبت السفينة ووجدت ان السمك المذكور لا يزال طافيا، على الرغم بما اكلته سائر الاسماك الأخرى، واخذوا يبحثون عن علة موت هذا السمك، فوجدوا ان

( تيار خليج المكسيك ) الدافئ قد انحرف عن مساره ودخل في منطقة ساخنة، فرفع درجة حرارتها.

لقد كان هذا السمك معتادا ان يعيش في برودة نسبية، فلما تغيرت ظروف البيئة لم يقوى على مقاومة الحرارة فمات جميع افراده إلاّ ما شذّ. وقد انقذت البعثة العلمية هذه الشواذ واستولدتها في احواض خاصة حتى تكاثرت من جديد لئلا يندثر نسله.

فما حدث أخيرا كان يحدث في ملايين السنين الماضية. فإن مناخ العالم كان يتغير بأستمرار. فالأقاليم الحارة تعود باردة فتموت فيها الأحياء التي لا تقوى على تحمّل البرد. والعكس بالعكس.

فنحن نعرف ان اشجار النخيل لا تنمو الاّ في البلاد الحارة. ومع ذلك وجدت متحجراتها حول القطب الشمالي، مما يدل على ان المناخ هناك كان حارا قبل ملايين السنين. فقد اصاب العالم القديم من موجات عصور جليدية كانت خمسة ، كان البرد ينتشر فيها شديدا في مناطق عدة ومعتدلا في اخرى.فكانت الاحياء التي لا تستطيع مقاومته تهلك وتتلاشى. وهكذا انقرضت انواع كثيرة من النبات والحيوان لا عهد لنا بها الأن.

واهم ما يهمنا من هذه العصور الجليدية اثنان، ذاك الذي اباد الزواحف الكبرى بعد ان كانت تملأ العالم، وبعد ان بلغ حجم بعضها اضعاف حجم الفيل. ثم يهمنا ايضا العصر الجليدي الاخير الذي انتهى بظهور الانسان الحديث. وهذا العصر لا تزال بقاياه ظاهرة في جو اوربا الباردة، ولا تزال قمم جبال الألب، وهي اعجاز الجبال القديمة، مغطاة بالثلج طيلة ايام السنة.

فهذه العصور الجليدية كانت بمثابة الامتحان الشاق لا يتحمّله الاّ ذو الحيوية القوية والعقل الذكي والقانع بالطعام القليل. فقد قضى احد هذه العصور على الزواحف الصغيرة التي لا تزال تعيش بيننا الى الان عيشة سرية في ظلام الليل لانها قنعت بطعام محدود في وقت انتشر فيه البرد فقل نمو النبات ولم يعد فيها ما يكفي غذاء الى الزواحف الكبرى فأنقرضت.

فلم تكن وسائل تنازع البقاء قائمة على العقل او القوة الجسدية لان الدماغ كان في ذلك الوقت صغيرا جدا فكان ادراك الديناصور وهو احد هذه الزواحف الكبرى لا يزيد عن ادراك طفل لم يكتمل عاما من عمره. ولم يكن التنازع متوقفا على القوة الجسدية لان اقوى هذه الزواحف كان اضخمها جسما واكثرها طعاما. فلما قل الطعام نتيجة للبرد القارص مات معظمها.

فالعصر الجليدي جعل الحياة على الاحياء نتيجة البرد القارص متعذرة التحمل. ناهيك عن شحة الغذاء، لهذا خرج الانسان سيدا للكائنات من هذا العصر لانه اكبرها عقلا. ولكن لم يكن الدماغ وحده العامل الوحيد في سيادة الانسان لأننا لو فرضنا ان للثور دماغا مثل دماغ الانسان لرأينا انه لا يستطيع ان يعمل شيئا وانما الذي ساعد الانسان على التفوق كانت ثلاثة عوامل:

1 – اننا كنا نعيش قبل العصر الجليدي على الارض و نفترش غصون الاشجار ونعترشها فقويت فينا حاسة النظر، والنظر اكثر الحواس تذكية للعقل لانه لو كانت معيشتنا تستدعي قوة الشم او السمع دون النظر لما ساعد هذا على حدة ذكائنا، لأن النظر يجمع صور متعددة امام العقل فيفسح له مجال التصوّر بخلاف الشم والسمع فأنهما يضيقانه اذا قورن عملهما بعمل النظر.

2 – لأننا كنا نتسلق الاشجار لذا نشأت لنا ايد قوية صرنا نستطيع ان نمسك بها الأغصان او نصنع بأيدينا سلاحا من حجر. والحضارة تحتاج مهما كانت منحطة الى آلات كي يتسنى للأنسان ان يدافع عن نفسه.

3 – نحن لنا لسان ينطق ولولا هذا اللسان لما انتفعنا بأيدينا وعقلنا الا قليلا لأننا كنا حينئذ نشبه جماعة من الخرس يعيشون معا. فالذي ساعد الانسان على التفوق اربعة اشياء عقله ونظره ويده ولسانه وليس شك في اننا في الزمن السحيق عندما كنا نعيش في الغابة. فان ابن عمنا الليمور لا يزال يعيش على الاشجار لحد الان ولكن الانسان لم يقصر معيشته على الاشجار انما انحدر منها قبل ملايين السنين. وقد سبق ظهور الانسان ـ عدة انواع من المخلوقات ـ كانت دوننا لكنها انقرضت.

وقد وجد علماء الانثروبولوجيا حديثا في جزيرة جاوة في الهند الصينية وكذلك في روديسيا في افريقيا الجنوبية جماجم اطفال من الانواع المنقرضة. وقد اختلفوا في الرأي: وبدوا يتسائلون: هل هي جماجم قرود ام جماجم بني البشر ؟

قد يعد دليلا على انها حلقة الاتصال بين الأثنين. وكذلك لم يظهر انسان واحد بل ظهر خمسة انواع من البشر، نحن احدها. يختلف شكل جمجمة كل نوع عن النوع الآخر: فهناك جمجمة انسان بكين، الذي انقرض قبل نصف مليون سنة و جمجمة انسان النياندرتالي الذي امتاز بقبح صورته، و جمجمة انسان هايدلبرغ في المانيا. و انسان كرومانيون الذي امتزج بنا.

لا زالت الدراسات الأنثروبولوجية تكشف لنا عن انواع مندثرة من المخلوقات طي المتحجرات المدفونة باطن طبقات عميقة من الارض، يصعب الجزم في انها كانت مخلوقات بشرية. لكن العلماء يجزمون بان هذه الانواع كانت تعيش الى ما قبل مليونين سنة، حينها بدأت تتطور تدريجيا حتى تمكنت من ان تمشي على ساقيها منتصبة اول مرة بعد ما كانت تجري على اطرافها الاربعة. وهذه الحقائق الملموسة تشير الى ان ظهور الانسان بدأ فعلا في هذه الحقبة التاريخية من تطور الأحياء على وجه الأرض.

لكن مع الأسف لم تسعفنا هذه الدراسة لمعرفة المكان الذي نشأ فيه البشر في اول عهده وانما يرجّح انه نشأ في مكان بارد، والذي يدعو الى هذا الترجيح ان اقدر الأحياء على مقاومة برد العصر الجليدي هي بالطبع تلك التي كانت تعيش في مكان بارد سابقا، اي قبل مجئ هذا العصر لانها كانت قد تهيأت لشدائده بعض التهيؤ.

الحلقة التالية في الاسبوع القادم !

* مقتبس من كتاب نظرية التطور واصل الانسان لسلامة موسى.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close