ذكرياتي مع الصديق محمد القبنجي، الفنان المؤمن

       ! د. رضا العطار

  خلال السبعينيات من القرن الماضي دُعيت من قبل زميل مهنة الى حفلة غنائية عائلية اقامها في داره ببغداد بمناسة ولادة ابنه الأرشد بعد ان طال انتظاره، كان الهدف من دعوته مشاركته افراحه وتقديم التهاني له ولأفراد اسرته، حسب عرفنا الاجتماعي.

وقد اقتصر الحضورعلى جمع الاقرباء واصدقائه المحبين. ولم يمر وقت طويل حتى اطل علينا الفنان الكبير محمد القبنجي والفرقة الموسيقية بصحبته ، فغمر الضيوف عاصفة من الغبطة و السرور.

 

وبينما كان الحاضرون يسردون عذب الحدبث والنكت، عمً السكون والهدوء التام القاعة  استهل الاستاذ بالغناء، الذي جذب انتباه الحضور اليه بشكل كلي، فإنساب اليهم اللحن الجميل رخيما طريبا صافيا. كنا خلال هذه اللحظات نستمري روعة الغناء وننعم بسحر النغم الى ان انتهى المطرب من اداء الفصل الاول للغناء.

 

وقبل ان يبدأ الفصل الثاني والاخير للغناء، ناشد احد المتسامرين المطرب القبنجي بإن يسمعنا مقام الحكيمي ! فقال له الاستاذ مازحا ( بس بعد ما اخلص ماعون الباقلة)، علما ان الباقلة الخضرة كانت المزة المفضلة لدي القبنجي. وهكذا عندما حان الوقت انطلق المطرب يصدح بالمقام الحكيمي بصوته المعهود.

 فتعالت اصوات الاستحسان مع التصفيق الحاد. وسادت مشاعر البهجة والسرور جموع الحاضرين، يناشدون الاستاذ باعادة غناء بعض مقاطعه.  

 

 وقبل ان انهي حديثي هذا يجدر بي ولأمانة التاريخ ان اذكر الى القارئ الكريم جانبا مبهما من شخصية هذا الفنان الفذ، انه حقا جانب وضاء، يستثير العجب، اطلعت عليه من خلال الحوار معه اثناء ساعة شرب الشاي بعد العشاء. حيث قلت :

 

 لقد اطربتنا انستنا يا ابا قاسم، ونحن لك من الشاكرين، اننا سعداء جدا لوجودك بين ظهرانينا، تتحفنا بألوان من فنك الجميل،  انك يا استاذ قد دخلت دنيا الفن في الوطن العربي الكبير من اوسع ابوابه ورفعت بهذا الفن الفريد، المقام العراقي الى اعلى درجاته، جعلته يزدهرعلى يديك بعد ان استقبلته متراودا منحدرا اليك من الحضارة العباسية العتيدة، ألم يكن مقام المنصوري، الذي كان يُغنى زمن الخليفة المنصور، هو نقطة البداية ؟ فهنيئا لك وللعرب جمعاء بهذا الخلود الشامخ.

 

  فظهرت على اثر ذلك ملامح القبول والأستحسان على محيا القبنجي لكنه فاجئني بالقول عندما صرح  قائلا: ( اشكرك دكتورعلى كلماتك هذه ولكنني لست مكتفئا بهذا الخلود الفني وحده، انما اطمح الى خلود ارفع من ذلك، الخلود الأيماني، قلت كيف ؟ قال: لقد فكرت طويلا عن كيفبة تحقيق هذا الهدف، وتوصلت اخيرا الى اقامة جامع اسلامي في منطقة الحارثية ببغداد يحمل اسمي.

 

لقد سرني هذا الخبر كثيرا وشعرت في حينه بان شأن الرجل قد ارتفع في عيني الى مقام محمود الى مقام الانسان المؤمن، يستحق التمجيد. وانه الدليل على ان قلبه يطفح بالعقيدة الدينية الراسخة. واضفت قائلا : لقد احسنت صنعا يا استاذ، فعملك الجليل هذا هو من اعمال البر والاحسان، والله لا يضيع اجر المحسنين، وسيرحمك في آخرتك ويجازيك، يدعوك الى رحابه ويجعلك من عباده الصالحين.

 

وعندما تم البناء المذكور، اقيمت حفلة احتفال كبرى في موقع الجامع، كان عدد المجتمعين كبيرا يمثل مختلف اطياف المجتمع العراقي الواعي، كنت احد المدعويين فيها وقد جرى الاحتفال تحت اشراف وزير الأوقاف يومذاك.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close