تطبيق حاكم الدولة (عفا الله عما سلف) على المجرمين انتهاك لشرع الله تعالى

الدكتور فاضل حسن شريف
عفا الله عما سلف وردت مرة واحدة كما قال الله سبحانه “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ” (المائدة 95) وتفسيرها ان قتل الصيد قبل تحريمه فيعفو الله عن مرتكبيه لعدم معرفتهم بالتشريع. والصيد كان حاصل في زمن الجاهلية وفي حينها لم ينزل شئ عن قتل الصيد خلال الإحرام. اما بعد نزول الاية المباركة فعليه أن يذبح مثل ذلك الصيد من بهيمة الأنعام وهي الإبل أو البقر أو الغنم، بعد أن يقدر ثمنها بحضور شخصين من العدول، وأن يهديه لفقراء الحرم، أو أن يشتري بقيمة مثله طعامًا يهديه لفقراء الحرم لكل مسكين أو يصوم و يحدد ذلك الشرع، جزاءا لفعلته، واي شئ حصل من هذا الفعل قبل التحريم فإن الله تعالى قد عفا عنهم، ومن علم بنزول الحكم المحرم فإن الله سينتقم منه والله عزيز ذو انتقام.
وفي تفسير الاية (المائدة 95): حدثنا هناد قال: حدثنا ابن أبي زائدة قال: أخبرنا ابن جريج قال : قلت لعطاء : ما “عفا الله عما سلف” ؟ قال : عما كان في الجاهلية . قال قلت: “ومن عاد فينتقم الله منه ” ؟ قال: من عاد في الإسلام ، فينتقم الله منه.  جاء في تفسير الميزان للطباطبائي: عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه، إلى آخر الآية: الآية بصدرها وذيلها تتعرض لجهات مسألة قتل الصيد، أما ما وقع منه قبل نزول الحكم فقد عفا الله عنه، وأما بعد جعل الحكم فمن قتله فعليه جزاء. أقول الاية واضحة تطبق في الصيد في الأشهر الحرم، أما تطبيق القصاص فلا علاقة لها بآية عفا الله عما سلف.
جاء في تفسير الكاشف محمد جواد مغنية “فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ” (البقرة 194) ان هذه الآية نزلت في القصاص ، والمعاملة بالمثل في موارد خاصة ، كالحرب وقطع الأعضاء ، أي من قاتلكم فقاتلوه ، ومن قطع يد غيره تقطع يده ، وما الى ذلك. والخلاصة ان جزاء المعتدي قد يكون بالمثل ، وقد يكون بغيره ، وفي سائر الأحوال ينبغي أن يكون الجزاء انتصارا للحق. أقول فعلى الحاكم العادل ان يطبق القصاص لحماية شعبه.
جاء عن الكاتب ضياء المحسن: ان عفا الله عما سلف هو جزء من الآية 95 في سورة المائدة، وظاهر النص يتحدث عن العفو عمن ارتكب جرما بحق الناس، ثم عفا عنه الرسول الأكرم بأمر من الجليل الرحيم، لكن الآية لم تقف عند هذا الحد، فالباري عز وجل حاشاه أن يكون فعله وقوله مجزوء كما يفعل بني آدم، إذ يكمل النص بقوله سبحانه وتعالى: “ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو إنتقام”. وهنا إكتملت الصورة من خلال التهديد بعدم العودة مرة ثانية في إرتكاب نفس الجرم الذي تم ارتكابه في المرة السابقة. أقول فعليه الإنتقام من كل من سولت له نفسه أن يتلاعب بمصير البلد.
يقول الدكتور عبد الحميد العباسي عن عفا الله عما سلف ان الآية تخص المغفلين أما الناس اليوم مُبَلغون وليسوا غافلين, مبلغون بواسطة الانظمة والقوانين والدساتير بما يجوز وما لا يجوز لهم فعله, فهم ليسوا عن الأحكام والحدود غافلين. لذا فالعفو عن اخطائهم وعدوانهم, يصبحُ غيرَ واردٍ. فالحكومة ليس لها ان تعفوا عمن اضرَّ بمواطنيها, بل العكس, الحكومة (المدعي العام) ملزمة بمقاضات المعتدي وانصاف المظلوم. اقول ان الدكتور العباسي وضع النقاط على الحروف فان الاية من ناحية العفو فتطبق على من كان في الجاهلية ولم يعلم بنزول الحكم، ولكن بعد تشريع القوانين الاسلامية فالخطأ يقابل بالانتقام من المخطئ لا ان يعفى عنه.
 قال الله تعالى “لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ * قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ * وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ” (الأنفال 37-39) فالواضح ان الله تعالى منح الإنسان العقل ليميز الخبيث من الطيب، فاعمال الجاهلية سنت الأولين قد ولت فالعدو لا يقرب ويراقب على اساس انه ترك أعماله السابقة  وأي حركة منه تستحق عقابه فعلى الحاكم معاقبته بنفس جرمه الذي نوى عليه لان بقائه يولد فتنة.
إن الله عز وجل يبين ان الحكم يصبح نافذ من حين نزول الآية وليس على ما مضى عقاب، فمن ذلك أنه عز وجل قال بعد التشديد على حرمة الربا “فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ”  (البقرة 275) ومن ذلك قوله سبحانه بعد تبليغه حرمة الصيد في حال الإحرام : “عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام” (المائدة 95) . كما أن الكافر إذا أسلم فإنه لا يأمر بتلافي ما قد سلف منه من عصيان الأوامر الإسلامية، و كما ورد عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وآله: (إن الإسلام يجب ما قبله) أي بقطعه، فكأن الكافر يحيا حياة جديدة بعد إسلامه . ومن ذلك قوله تعالى: “قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف” (التوبة 7) و “عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ” (التوبة 43) . وهذا هو الموافق للمنطق، لكي يطلع الناس على واجباتهم ويكونوا آمنين ومطمئنين ضمن حدود القانون.
ان الامام الحسين عليه السلام اتبع مبدأ جده في التعامل مع الأعداء فهو في البداية وعظهم بالحسنى “ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” (النحل 125) و ” وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا” (البقرة 83) وكان رحيما ولم يكن غليظ القلب “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ” (ال عمران 159) وإذا لم يردعهم العفو فاعزم والتوكل على الله. ولكن بعد مقدمات التعامل الحسن وعند استمرار الاعداء بغيهم فإن الله تعالى طلب من رسوله التعامل بقسوة وشدة مع هؤلاء الأعداء “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ” (التوبة 73) ولا يمكن تطبيق الآية فيهم “عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ” (المائدة 95)  ولا يلدغ المؤمن مرتين. وهكذا تعامل الحسين عليه السلام مع اعدائه فاما النصر او الشهادة.
 وبعد وضوح كل ما ذكرناه فليس على المؤمن ان يفسر “عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ” (المائدة 95) كما يحلو له بان يعفو عن المسلم بعد نزول هذه الاية عن حرمة الصيد او يطبقها على غير حرمة الصيد. فالذي يجرم ويفسد ويطغي ويقتل ويجرح، ويسرق او ينقلب على العقود والمواثيق، ويعمل انقلاب على الدولة، ويحاول اغتيال وغير ذلك من الافعال التي يطبق عليها العقاب ويقوم المظلوم بالعفو عن الظالم استنادا الى عفا الله عما سلف بمفهوم هذه الآية فان الله سيعاقبه لانه فسر الآية بغير علم.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close