قبابنا ومنائرنا منارات..مساجدنا دين وحياة !

قبابنا ومنائرنا منارات..مساجدنا دين وحياة !

قال تعالى : ” إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ” .

احمد الحاج

يعلم القاصي والداني بأن إعمار المساجد نوعان، أولهما مادي ويكون ذلك ببنائها وتأثيثها وفرشها وخدمتها وتجهيزها وتأهيلها وصباغتها وتنظيفها وترميمها وسد النقص الحاصل فيها وإصلاح العاطل من أجهزتها وصيانة معداتها وحمايتها وما الى ذلك ، أما الإعمار الثاني المعنوي فهذا يتضمن رفع الأذان فيها للصلوات الخمس، وكثرة الخطى اليها،والمحافظة على صلاة الجمعة، والمواظبة على صلاة الجماعة والعيدين وسنة الاعتكاف فيها ونحوه ، بخلاف ذلك كله وفي حال التقصير المتعمد في أحد الإعمارين -المادي أو المعنوي -أو كليهما معا فسنقع ساعتها في إشكالية”وسعى في خرابها” ولات حين مندم ، وفي هذه قال الباري عز وجل “وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَا”.
بالأمس رأيت عجبا في بغداد ، نعم لقد رأيت عجبا عجابا وبما يصدق عليه حرفيا ما نظمه أمير الشعراء أحمد شوقي،في قصيدته النونية عن نكبة دمشق أيام زمان والتي قال فيها :
تغير المَسجِدُ المَحزون وَاختَلفت..عَلى المَنابِر أحرارٌ وَعِبدانُ
فَلا الأذانُ أَذانٌ في مَنارَتِهِ ….إذِا تعالى وَلا الآذانُ آذانُ
فعندما بث أحد المشايخ المصريين قبل مدة قليلة وعقب آذان العشاء من خلال صفحته على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”مقطعا فيديويا صوره بهاتفه النقال وهو يستعرض خلو مسجده من المصلين وتجمعهم بدلا من ذلك في المقاهي لمتابعة مباراة كرة القدم بين منتخبي مصر، وكوت ديفوار ، في بطولة كأس الأمم الأفريقية،حتى صار المقطع ترندا أعقبه ايقاف الامام عن العمل لمدة 3 اشهر أو لحين انتهاء التحقيق ولآقرب الأجلين بزعم تصرفه بشكل غير لائق واستخدامه لمواقع التواصل على غير المألوف ” مع ان مواقع التواصل هذه تبث من غير المألوفات ما تقشعر له الابدان وتشيب لهوله الولدان وتنتفخ من جرائه الاوداج وتحمر الوجوه خجلا ، وبالاخص تطبيق التيك توك يليه اليوتيوب ومن ثم الفيس ” ..اقول عندما بث الرجل مقطعه المصور- بصرف النظر عن اتفاقك مع ما قام به ، او اعتراضك على ردة فعله ، أو حتى شخصه – فقد قامت الدنيا ولم تقعد ، الا ان ما شاهدته بالأمس في قلب العاصمة بغداد يتخطى ما شاهده وبثه الشيخ وبمراحل ، ولم اشأ ان أصور التفاصيل تجنبا للاحراج اولا ، ولعدم اثارة اللغط في شارع مثقل بالهموم والمشاكل والتناقضات والمفارقات ثانيا ولآ اريد وليس من طبعي ولا من أخلاقي، أن”أكمل الغرقان …غطه ! “وما فينا يكفينا وزيادة .
الخلاصة أني مررت في شارع الرشيد عرضا لبعض شأني ، وقبيل صلاة العصر ذهبت الى الجامع القريب التراثي ففوجئت به مغلقا ولم يتبق على موعد الاذان سوى خمس دقائق فقلت لعل الباب الثاني داخل الفرع مفتوح ،الا أن ظني قد خاب لأنه كان موصدا …عدت مجددا من حيث أتيت لأقف أمام الباب الكبير لعل أحدهم يفتح الجامع ..ولم يفتح أحد ..عدت ادراجي الى الباب الفرعي لأستفهم من مجموعة من الكادحين وأغلبهم من الشباب كانوا يتوكأون على الجدار الخارجي للجامع بينما كان بعضهم يجلس على دكته الخارجية داخل الفرع وسألتهم :
العفو هذا الجامع يفتح العصر ..لو لا ؟!
فأشار بعضهم الى شخص يجلس بمعيتهم وفهمت منهم بأنه الخادم أو المؤذن أو من ينوب عنهما ، هنا اشار اليَّ الرجل أن أدخل من الباب الصغير الفرعي،ولما هممت بذلك وجدت الباب موصدا بسقاطة خارجية وعندما أبديت إستغرابي المصحوب بالامتعاض من اشارته اليَّ للدخول مع أن الباب مغلق قال ” افتح السقاطة ..وادخل ” وقد فعلت .
ذهبت بعدها وأنا الرجل المستطرق وعابر السبيل ولست من مصلي هذا الجامع ، الى الحمامات وكانت في حال يرثى له بكل ما تعني الكلمة من معنى ، العجيب أن أحدا لم يدخل الى أمكنة الوضوء ولا الحمامات في تلك الأثناء سواي بإستثناء شخص دخل الى الحمام ومن ثم خرج من دون أن يتوضأ بما يؤشر الى أنه من غير المصلين وقد اتخذ من المسجد طريقا وغرضا مصداقا للحديث النبوي الشريف ” مِنْ أشراطِ الساعةِ أنْ يَمُرَّ الرجلُ في المسجدِ ، لا يصلي فيه ركعتينِ ، وأنْ لَّا يُسَلِّمَ الرجلُ إلَّا على مَنْ يعرفُ” ، وبعد أن رفع الرجل إياه الأذان من السماعات الخارجية ، دخلت الى الحرم الأول فوجدته خاليا من المصلين تماما ..قلت لعلهم يصلون في الحرم الثاني الداخلي وصعقت عندما لم أجد احدا ، وبعد انتظاري إقامة الصلاة عبثا لم تقم فصليت وحيدا فريدا ..لقد صليت فرضا داخل مسجد بعد رفع الاذان لوووووووحدي …ياقوم ! متى؟ في صلاة العصر !..أين ؟ في واحد من مساجد بغداد التراثية العريقة والكبيرة وبعد رفع الاذان عصرا !!
حدث ذلك وليس هناك حظر للتجوال ..ولا مباراة لكرة القدم يشارك فيها المنتخب العراقي ببطولة كأس آسيا …ولا مباراة في تصفيات كأس العالم …ولايوجد اغلاق للمساجد بسبب كورونا ..وليست هناك تظاهرات ولا اعتصامات ولا وقفات احتجاجية سلمية لا بالقرب من الجامع ، ولا في اي مكان من حوله أو قبله أو بعده ،ولاعن يمينه أو يساره والامور كلها عال العال ، والأمن والأمان مستتبان تماما والحمد لله رب العالمين ….أيعقل هذا يا قوم ؟!
كان على المؤذن وعلى أقل تقدير أن يصلي معي جماعة ، الا انه لم يفعل وقد ألفيته وبعد خروجي من الجامع يواصل مزاحه ودردشته مع الكادحين ولا ادري ان كان قد صلى العصر أم لم يصلها حاضرا ….عن شباب يسندون ظهورهم الى جدار مسجد ، ويجلسون على دكاته وهم لا يصلون في الجامع بعد رفع الاذان لن أتحدث …!
وارجو أن لايتوهمنَّ أحد يقرأ هذه السطورقط بأن البغادة لايقيمون الصلاة ولايحافظون عليها ولا يعتنون بمساجدهم ولا برعايتها أو نظافتها ..حاشا وكلا ..فمساجدنا عامرة بمصليها اسوة بمساجد العراق ، الا أن بعض المساجد ولاسيما في المناطق التجارية المعروفة يحدث فيها ما ذكرته آنفا من إهمال وقلة نظافة وغياب صيانة وإغلاق في بعض أوقات الصلاة بالتزامن مع إقفال التجار محالهم وهذه غالبا ما تكون بعد صلاة العصر لأن مثل هذه المناطق تكاد تخلو من الباعة والمارة والمتبضعين والتجار على حد سواء فضلا عن المصلين بعد هذا التوقيت كما ان هذه المناطق عامة هي مناطق غير سكنية وهذا أمر معروف للجميع ..الا أن مرد انزعاجي وغرابتي يتأتى على خلفية ما حصل والعصر لم ينقض بعد ليشهد الجامع هذا الخواء العجيب الذي شهدته وشاهدته وعشته !
والحق يقال ولابد أن أخبركم عن هذه الحقيقة بعد أن تسللت الى ذهني لحظة صدمتي من الصلاة وحيدا فريدا في جامع كبير بعد رفع الأذان وأقول ” هذا الجامع في الثمانينات وحتى منتصف التسعينات كان من أشد الجوامع زحاما بالمصلين ليس في فرض العصر فحسب ..لالالا ..وانما في المغرب والعشاء كذلك ، وقد كنت من المواظبين على الصلاة فيه ولاسيما صلاة المغرب أو العشاء بحكم مكان عملي القريب آنذاك من الجامع نسبيا، وكنت أجد صعوبة في الحصول على مكان أصلي فيه بأحد الصفوف الأربعة الأولى لكثرة المصلين وكانت التلاوة العطرة بأصوات رخيمة وشجية تكاد لاتتوقف من السماعات الخارجية إما بين العصر والمغرب ..وإما بين المغرب والعشاء !
خرجت من الحرم بعد أن صليت ، ولا أذكر على خلفية هول الصدمة مالذي قرأته أثناء الصلاة حيث كنت شارد الذهن بعد أن ازدحمت التساؤلات الحائرة في رأسي، واذا بالباب الثاني الفرعي الذي دخلت منه قد رد مجددا وان لم يغلق أثناء صلاتي داخل الحرم …!!
والسؤال المثير للجدل هاهنا اذا كان هذا هو حال الجامع في صلاة العصر، والدنيا ربيع ، والجو بديع ، قفلي على كل المواضيع ، ترى ماهو حاله اثناء صلاة الفجر والعشاء ، وبالعامية ” شلووووون ؟” وبالفصحى ” كيف ؟ ” .
فضربت كفا بكف ورددت ما قاله الشاعر قديما :
وما أسفي على الدنيا ولكن ..على ابل حداها غير حاد
وتأسيسا على ذلك لابد من إستثمار النعمة في زمن العتمة وأقترح على كل من يبني مسجدا جديدا من الآن فصاعدا أن يلحق به ضمن مخطط البناء، ملعبا حديثا مسيجا لخماسي كرة القدم والطائرة والسلة وكرة اليد في نفس الملعب كما هو معمول به حاليا في بعض الأندية الشعبية، ليضاف الى المسجد مكتبة عامرة مخصصة للقراءة والمطالعة مزودة بأمهات الكتب الفقهية والعلوم القرآنية وعلوم الحديث النبوي والنحو والصرف والبلاغة والمنطق وأصول الفقه والتأريخ والأدب وما شاكل من كتب وعلوم نافعة لها بوابة خارجية تفتح في غير أوقات الصلاة وعلى مدار اليوم حتى صلاة العشاء لتستقبل طلبة الدراسات العليا والأولية اضافة الى المؤلفين والباحثين والكتاب والمفكرين ، ليضاف الى المسجد “ركن مخصص لتغسيل وتجهيز وتكفين الموتى مجانا له باب خارجي خاص للدخول والخروج حيث يتم التغسيل والتكفين ومن ثم الصلاة على الجنازة داخل المسجد قبل الذهاب بالنعش الى المقبرة ، لأن أسعار تغسيل الموتى وصلت الى 250 الف دينار ضمن ما يحلو لي تسميته بـ” تجارة الموت” التي تبدأ بـ 50 الفا لتسلم الجثة من الطب العدلي مرورا بـ 250 الف للتكفين وصولا الى المقبرة التي تتطلب ما لايقل عن 500 – 700 الف دينار لزوم حفر القبر وتجهيزه وتجصيصه ” عن تكاليف مجالس العزاء بعد ذلك لن أتحدث لأنه حديث ذو شجون ولأن الحديث عنها سيأخذنا الى مساحة لسنا بصدد التعرض لها ولا الحديث عنها حاليا ، كما أقترح إضافة عيادة استشارية صغيرة ولكن متكاملة يتناوب عليها الأطباء الإختصاص بالتتابع تطوعا على وفق جدول اسبوعي مزودة بالتجهيزات الطبية الضرورية لتمارس نشاطها بين صلاتي المغرب والعشاء يوميا ماخلا يوم الجمعة لتبدأ العيادة في هذا اليوم نشاطها بعد الانتهاء من صلاة الجمعة وحتى صلاة العصر كل ذلك لوجه الله تعالى ثوابا ليرتادها فقراء المرضى والأيتام والأرامل والعاطلون وذو الاحتياجات الخاصة ومن على شاكلتهم ، وأقترح ايضا إضافة مطبخ صغير خارجي يتولى إعداد وجبات الفطور والسحور للصائمين مجانا طيلة شهر رمضان المبارك ، إضافة الى وجبات مخصصة للفقراء والكادحين صباحا أو ظهرا ” غداء أو فطور” في سائر الأيام بواقع ثلاثة أيام في الاسبوع ، وبذلك يكون المسجد قد أطعم الجياع ، وأفطر الصائمين ، وداوى المرضى الفقراء،واستوعب الشباب ، فمن لم يأت منهم الى المكتبة لبناء العقل السليم ، ذهب الى الملعب لبناء الجسم السليم، أو جاء بأحد أبويه الى العيادة الاستشارية ليحظى بالفحوصات الأولية وبالاستشارات الطبية والرعاية الضرورية ، ومن ثم يدخل الاثنان الى المسجد لبناء القلب السليم ..فنضمن بذلك جسما سليما ، وعقلا سليما ، وقلبا سليما يخرج كله من المسجد لتشع أنواره كما كانت على الخلق أجمعين ، كل ذلك يتزامن مع تنظيم دورات تعليم وتحفيظ القرآن الكريم وتعليم أصول الحفظ وقواعد التجويد والتلاوة ..كيف لا وقبابنا ومنائرنا منارات ..كيف لا ومساجدنا دين وحياة ولايفوتني التذكير هاهنا بأن بناء الساجد يتوجب يأتي متماهيا ومتوازيا مع بناء المساجد .اودعناكم اغاتي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close