شاحنات تمسخ الدولة

شاحنات تمسخ الدولة

د. رابعة العبيدي

تدهس شوارع بغداد.. يومياً.. العشرات من شاحنات الحمل.. مهولة الحجم.. نهاراً جهاراً، خلاف القانون المتبع منذ ظهرت هذه الوحوش الضرورية لإدامة الحياة…

يقضي القانون أن تنتظر عند مشارف المدن، ريثما تهدأ الحركة ويخف الزحام، تقديراً في الليل، لتذهب نحو وجهتها، وهي غالباً أسواق الجملة الرئيسة.. جميلة والشورجة، وعلاوي المخضر ومحلات الأجهزة المعمرة في الكرادة.

لا غنى عن إختراق تلك الشاحنات لبغداد.. من الطول الى الطول ومن العرض الى العرض.. وما بينهما قطرياً؛ كي يدوم نسغ الحياة.. أكلاً وشرباً وكسوة وإستخداماً للأجهزة، التي لا يعقل أن تنقل على ظهور الحمالين من موانئ البصرة ونقاط الحدود، الى محلات بيع المفرد، وبالمقابل من الجنون بمكان أن تذهب ربات البيوت الى طريبيل كي تشتري كيلو طحين أو مبردة!

إذن ثمة قانون ينتظم المصاعب، مثل خرزات المسبحة… ويسهلها،… كان هذا النظام موجوداً.. سائداً ومعمولاً به، ريثما جاءت الميليشات بعجالة الربح الذي يبيع النفط خاماً، بـ 25$ ولو صبر حتى يكرره الى مشتقاته؛ لحصل على 125$ لكن… حسبنا الله ونعم الوكيل.

وحسبنا الله، تلك “مالتهم” لأنهم يساوموننا بإسم الدين ودمروا عيشنا وإغتصبوا أموالنا وشتتوا مواطنينا وأطلقوا يد الأميين الفاسدين.. السراق.. يسومون البلاد مر الجهل.. عنوة ويستحوذون على ثرواته مستخسرين بالموظفين رواتبهم؛ فلا حاجة بالدوائر الى العمل ما دام النفط يباع ويدخل ريعه في أرصدتهم الشخصية.

وهؤلاء يفرضون أنفسهم قسراً ممثلين لرب السماء على الأرض.. منتهجين سبيل دين يدعو الى الحوار؛ بغية كسب الناس الى الإسلام، فإن لم “ينكسبوا” فجاهدوهم وهجروهم وإقتلوهم وإستدفعوهم الجزية وإسبوا بناتهم.. الحلوات شرطاً.. الأقل جمالاً غير مشمولة بالجهاد.

من هذه المنظومة نخرج بخرق مدني لقانون مشرَّع منذ وجدت الدولة العراقية يوم 23 آب 1921 يحظر حركة الشاحنات الكبيرة داخل المدن، من 12 ليلاً الى 5 صباحاً، لأنها “تلعن سنسفيل السير أوقات الذروة” وحدد لها مسارات كي لا تتخسف الشوارع المعبدة تحت عجلاتها الضخمة.

وبهذا فهي لا تعكر إنسيابية المرور، ولا تؤثر على سير الحياة برهافة ورخاء و… كل شيء دمرته الميليشات؛ لأن التجارة ومنع الزراعة وإيقاف المعامل، تم بقرار من الميليشيات، نَسخَ الدولة.. بل مسخها؛ لصالح تجارة السيد المعمم كي لا تبور.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close