كلمات”مطشر” الكبيرة .. و”سي حافي” والطارئين على..!!

متي كلو

 يروى والعهدة على الراوي، كان يا مكان في قديم العصر  والزمان ، قرية في الريف الجنوبي من العراق ، وفي كل مساء كان ديوان الشيخ يقصده وجهاء القرية، وكان الحاضرين  في هذا الديوان يتناولون مع الشيخ احاديث متنوعة ومشاكل القرية وحال الزراعة  والمطر وموسم الحصاد وتسويق المحاصيل الزراعية الى المدينة ، والعلاقة بين العشيرة والعشائر الاخرى، وفي احد الايام، مرض احد وجهاء القرية فطلب من ولده الشاب “مطشر” ان ينوب عنه في امسية ذلك اليوم والاعتذار من الشيخ لعدم حضوره بسبب وعكة صحية المت به ، وان يجلس في ديوان الشيخ بكل ادب واحترام، كثير الاستماع وعدم مقاطعة الاخرين مع  اختيار الظرف المناسب للكلام ولا يتفوه بجمل لا ترتقي بمقام الشيخ والحاضرين، وان يختار كلمات “كبيرة” في حالة مشاركته في ابداء الرائ في اي حديث.

ذهب “مطشر” الى ديوان الشيخ، بزيه العربي التقليدي ، وسلم على الحاضرين  معتذرا عن سبب غياب والده، واخذ مكانا في الديوان، كان الحديث يدور حول قلة الامطار في ذلك العام، واراد“مطشر” مشاركة  الحاضرين وانتقاء كلمة “كبيرة” تليق  في هذه الجلسة، فقال”جبل” وسكت، أداروا الجميع رؤوسهم نحوه مبتسمين، ثم جرى الحديث عن تسرب معلومات للقرية بوصول مدير الناحية الجديد الى الناحية بعد اسبوعين، فانتقى الشاب كلمة كبيرة اخرى وقال”اسد” فكذلك  أداروا الحاضرين رؤوسهم  مرة اخرى نحوه مبتسمين، وعندما  دار الحديث عن تعبيد الطريق الترابي  فانتقى كلمة كبيرة  ثالثة وبصوت عال”قطار” ابتسم الحاضرين له،  بعدهاانفضّ الجمع وتفرَّقوا وذهبوا كل واحد الى داره.

عاد  “مطشر”الى داره، لكي يخبر والده كيف شارك بالحديث بعد ان  انتقى كلمات كبيرة في ديوان الشيخ وكيف ادار  له الحاضرين  رؤوسهم مبتسمين له ، ولكن الوالد كان نائما.

نهض “مطشر” مبكرا منتظرا والده ان يستيقظ، انتظر اكثر من ساعة وهو متلهفا للقاء والده ليخبره عن اجتماع ديوان الشيخ وكيف انتقى  كلمات”كبيرة” تليق بالشيخ والحاضرين،بعد ان نهض والده قصده مطشرا فورا، وساله الوالد عن الديوان والحاضرين وكيف تكلم وهل انتقى كلمات كبيرة امام الشيخ، قال لوالده، نعم  يا ابي  كما اوصيتني، عندما كانت الاحاديث متنوعة فانقيت كلمات كبيرة، وهي الجبل والاسد والقطار،  وادار الجميع رؤوسهم نحوي مبتسمين وكان في ذهني ايضا كلمة الفيل ولكن مع الاسف  انفض الاجتماع ، نظر اليه والده  مبتسما  قائلا له” انقلع يا طايح الحظ”

ربما الان القارئ الكريم يستغرب من هذه  الحكاية وعنوان المقال، وما العلاقة بين “مطشر” والساحة الثقافية او الصحفية   في المغتربات، ولا ارغب بان ينتظر القارئ كثيرا ونحن في عصر السرعة ومتابعة اخبار روسيا وكرواتيا وزواج بوتين وخلطة العطار الصدرية وقصف الجارة المسلمة ايران لمركز  الموساد في اقليم كوردستان!!

ان الساحة الثقافية  او الصحفية  ليست حكرا لاحد، وكتبنا سابقا، بان هناك دكاكين للمحاضرات ودكاكين للشعر الزكزاكي  للطارئين !! واليوم دكان الكلمات  “الكبيرة “في المقابلات و المقالات ، حيث يستخدم احد الطارئين على الثقافة بصورة عامة والصحافة بصورة خاصة ،اسماء  شعراء وروائيين اجانب  عند اجراء “مقابلات”  لكي يوهم للقارئ بان هو من المتابعين لاعمال كبار الروائيين والقصصيين والشعراء وانه يملك كما هائلا من روايات وقصص  ودواوين  شعر لهؤلاء في مكتبته المنزلية ان وجدت!!  ونسى  ان القارئ”مفتح باللبن” ويقرا ما يسرقه هؤلاء من الشبكة العنكبوتية ويعلم جيدا  بان هؤلاء لا توجد في مكتبتهم رواية  او مجموعة قصص  او ديوان شعر واحد، ما عدا ” النسخ المجانية” ولا يتذكرون سوى  مجلات  المزمار ومجلتي وبساط الريح  ولكن  في هذه الساحة اصبحوا “مفكرين” و”منظرين”و”صحفيين” واصبحت سرقاتهم “اقوال ماثورة” واصبح “كوكل” عمهم وخالهم!!

الجميع متفق بان  المقابلات احدى قنوات الصحافة، وهي مدرسة وخبرة ودراسة ، وشعارها إستمع، أنصت واسال من خلال الاجابة ، واستخدام لغة سهلة  وكذلك مفردات متداولة ، بعيدا عن الجمل  المبهمة او “الكبيرة”، والاسماء التي لا  يعرفها حتى الشاعر او الروائي او القصصي، فمثلا يسال احدهم قصصي او روائي، هل تاثرت بلوسيوس ابوليوس!! يصمت القصصي او الروائي، ليرد عليه ومن هو”لوسيوس ابوليوس” فيوضح السائل، انه مسرحي وملحمي قديم، بعد ان صمت مرة اخرى، ابتسم القصصي او الروائي ثم غادر بعد ان تمتم ببعض الكلمات مبتسما، او يسال احدهم احد الشعراء، هل تاثرت بهسيود! وتعلو علامات التعجب الشاعر ويسال الاعلامي والصحفي ومن هو هسيود،يجيب”السي حافي” انه  شاعر عاش في عام 750 قبل الميلاد!!

من خلال هذه المقابلات  مع روائيين او شعراء ،يستطيع المتابع  ان يميز مهنية “الاعلامي”  ويستحق ان يلقب بالاعلامي   الناجح  واطلاق عليه  لقب “الصحفي ” وذلك من خلال طرح الاسئلة التي دونها الصحفي من خلال قراءة عدد من مؤلفات القصصي او الروائي او الشاعر، وامتلاك اكبر قدر من المعلومات عن الروائي  او القصصي او الشاعر و الحرص على سير الحوار لاستخراج اسئلة اخرى يعرضها من  خلال الاجابات  وهذه المقابلات  اما تكون مباشرة اي  وجه لوجه او من خلال التلفون عبر برنامج سكايب او الزوم او الانترنيت، حيث تجعل المتحدث اكثر عفوية وطبيعية وليس كما يدونها”السي حافي” كاسئلة الامتحانات  المعدة سلفا  وترسل الى المؤلف لكي يجيب عليها بعد ايام، وهذه المقابلات تعتبر من اردأ انواع المقابلات!! ونستطيع ان ندرج هؤلاء في”خانة” الطارئين على الساحة الثقافية وعلى المهنة النبيلة  في مدن الاغتراب  وتستطيع    ان تعرف من  هو الصحفي او السي حافي و من هالمال حمل جمال!!.

انتظرونا في دكاكين اخرى…

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close