اليوم رأيت عجبا …

اليوم رأيت عجبا …
صدقات الطرقات أقصرالسبل لكسر النفس وخفض الجناح وتحطيم الكبرياء !

احمد الحاج

كلفني أحد الاخوة الافاضل مشكورا بأن أتفقد أحوال – المجانين – والمشردين وانا في طريقي اليومي واعطاني مبلغا من المال متمنيا علي ،أن ” اشتري طعاما وماءا لهؤلاء لأنهم لايحسنون التصرف بأموالهم ” فقبلت عرضه عن طيب خاطر ، وقد توهمت تماما بأن العملية – بسيطة جدا – وستتم بأسرع من البرق ، ولاسيما بأن المبلغ قليل نسبيا وبما يكفي لإطعام وسقي عشرة مشردين ومجانين من ضحايا الأرصفة …!!
واذا بالعملية برمتها أعقد مما كنت اتصوره .واذا بي اكتشف بأن أعداد المشردين والمجانين والمهابيل في شوارع وأزقة وأرصفة بغداد القديمة فوق الوصف ،فبدأت بأولهم وكان وما زال يفترش أحد أرصفة الباب المعظم من جهة وزارة الدفاع القديمة وقلت له ” شلونك ..شيعجبك تاكل أخوية ؟” فأجاب بحدة ” اي شيء …!” .
قلت حسنا انتظرني خمس دقائق وسآتيك بالطعام والماء !”.
قال ” خمس دقائق ؟!!! “.
قلت ” عمي مو خمس دقائق ..بس أشتري اللفة وأرجعلك فورا ” .
فتمتم بكلمات لم أفهمها ولم أرغب بإطالة الحوار غير المجدي معه لأنه يشبه حوار الطرشان ، وذهبت الى المطعم القريب واشتريت له سندويش همبركر مع قنينة مياه معدنية وعدت الي حيث ينام الشاب الثلاثيني المجنون ، وقلت ” تفضل اخوية ” فأشار الي وكأنه سلطان زمانه بالسبابة وبطريقة الآمر الناهي بأن أضعها على الارض ومن دون أن ينطق حرفا واحدا !!” .
الحقيقة ان حركته الاستفزازية تلك حركت بداخلي أشياء كثيرة حتى هممت بأن اتركه واغادر بعد أن حثتني نفسي الأمارة بالسوء بالمغادرة ليصطف معها الوسواس الخناس قائلا لي “هاي شنو يابه ..فوك ما جايبله اكل ومقدره ومحترمه ..يتأمر براسك ويتكبر عليك !!” الا أن نفسي اللوامة سرعان ما تداركت الأمر وإستدعت الى ذاكرتي الحديث النبوي الشريف ” ما نقَصت صَدقةٌ مِن مالٍ ، وما زادَ اللَّهُ رجلًا بعفوٍ إلَّا عزًّا ، وما تواضعَ أحدٌ للَّهِ إلَّا رفعَهُ اللَّهُ” ، والحديث الشريف ” رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ ، أَوْ يُفِيقَ ” .
فقلت لنفسي مؤدبا” اذا كان الله تعالى قد تجاوز عن هذا الشاب المسكين الذي ذهب عقله ، والعقل مناط التكليف وقد أسقط عنه كل التكاليف من جراء ذلك، أتريده أن يتعامل معك كما يتعامل الأصحاء..اتريد أن تتصرف معه كما تتصرف مع العقلاء ..ما بالكم كيف تحكمون، كيف تفكرون ، كيف تتصرفون ؟
وضعت الطعام صاغرا وبكل تواضع وإحترام في المكان الذي اشار اليه بسبابته آمرا وناهيا وهو مدد على فراشه واضعا احدى يديه تحت حنكه والاخرى قد بسطها على فخذه ، وكأنه سلطان المكان وأنا خادمه المطيع ، وقلت …شكرا بالنيابة عنه !
هذه الحادثة ذكرتني بحادثة سابقة مر بها أحد المشايخ الافاضل في رحلة الحج قبل أعوام خلت ، فبعد أن تطوع الشيخ مشكورا ومن تلقاء نفسه لخدمة حجاج بيت الله الحرام في يوم عرفة وأخذ يقدم الطعام الى الحجاج ولاسيما كبار السن منهم ، يبدو أن إحداهن وكانت بعمر جدته قد إنزعجت لأمر ما فأفرغت صحن الشوربة كاملا وأمام أنظار الجميع على جبته ووجهه فما كان منه الا أن شكرها وأخذ يمسح – الشوربة – من وجهه وجبته بكل أدب واحترام وهو يردد قوله تعالى ” فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ” …فأي مدرسة تربوية عظيمة تلك ، كيف لا وهي مدرسة محمد رسول الله ﷺ” …
هنا قررت ان اغيرالخطة مع شخص آخر اربعيني يفترش بدوره الرصيف في نفس الرقعة الجغرافية – الباب المعظم – ولكن من جهة الكراج وكان يغط في نوم عميق فوضعت الطعام والماء امامه بهدوء كي لا اوقظه وكلي ثقة بانه وحين يصحو سيجد طعامه وشرابه بجانبه – الا ان الرجل قفز من مكانه مرعوبا ظنا منه بأن أحدا ما يريد ان يعتدي عليه ، ربما لكثرة ما تعرض له من إعتداءات سابقة وظاهرة التنمر ظاهرة عراقية بشعة جدا تطول جل المساكين والمشردين والمجانين، فطمأنته وهدأت من روعه ومضيت في حال سبيلي ولا أدري ماذا أقول !
شخص خمسيني مشرد ثالث يفترش الرصيف في منطقة الخلاني وتحديدا قبالة أمانة بغداد – وهذا لوحده قصة ورواية – فما ان اقتربت منه حتى وجدت خمسة الاف دينار موضوعة بالقرب منه لعل أحد المحسنين قد وضعها هناك ومضى …فقلت له ” عمي تره اكو خمسة الاف دينار يمك لتروح اطير بالهواء ” واذا بالرجل يتحسس المكان ولكن من دون أن يبصرها ، فحملتها ووضعتها بيده ، واذا بالرجل كفيف البصر، فدسست الطعام في يده ووضعت الماء الى جانبه حتى يتلمسه حين يشعر بالظمأ ..ثم أشار اليَّ بأن آتيه بشيء ما من متاعه واذا بي أكتشف بأن الرجل مقعد ايضا وليس بوسعه التحرك وكرسيه المتحرك موضوع تحت البطانيات …!!
حاولت أن أعاود الكرة مع مشرد رابع ينام على الرصيف بالقرب من الضمان الاجتماعي الا انني لم اشأ خوض تجربة ليلية جديدة متأخرة من هذا النوع ، اليوم على الأقل ولنؤجلها الى نهار يوم مقبل أفضل ولاسيما أن الرجل لايبدو عليه بأنه مجنون لأن عربته الصغيرة التي يعمل عليها كادحا كانت مركونة الى جانبه بما أوحى الي بأنه يعمل عليها طيلة النهار ومن ثم يقضي ليله كله نائما على الرصيف بدلا من أن يدفع ما يحصل عليه من فتات النهار اليومي كبدل ايجار عن غرفة صغيرة يسكنها منفردا !
أربع حالات إنسانية فحسب وفي تجربة عرضية هي الاولى من نوعها بالنسبة لي قد تعاملت معها في يوم واحد شعرت في ختامها بأن كل ما أحمله بداخلي من أنفة وكبرياء وغطرسة، كذلك كل ما كتبته وأكتبه وسأكتبه مستقبلا قد تمرغ أسوة بأنفي بالتراب …الا أن ذلك كله لم يمنعني من سؤال ذاتي ” أي بلد هذا ، أي مجتمع ، أي طبقية ، أي تنمر ، أي سياسة ، أي وحشية ، وأي ضياع ؟..المشردون ممن يفترشون الارصفة في عاصمة كانت قبلة العالم والبشرية بأسرها في يوم ما ، فيهم الكبار والصغار والشباب والنساء وفي كل مكان والمجانين كذلك ..لقد مررت في تلكم التجربة المريرة بشابة بلهاء لاتخلو من حسن وجمال تجلس وحيدة بملابس متسخة على أحد الأرصفة وكانت تحدث نفسها وتسب شخصا ما ، قد يكون متخيلا من نسج خيالها ، قد يكون شبحا من صنع هلاوسها ، وقد يكون شخصا حقيقيا ، الحقيقة لا ادري ماكان يدور في خلدها وقتئذ ، هذه المسكينة تحديدا لم اقترب منها اليوم خشية أن تسمعني كلاما جارحا يصعب علي َّتحمله بعد كم من العصف الذهني والضغط النفسي قد تعرضت له خلال سويعات من تلكم الرحلة ، وخشية أن يظن بي بعض المارة الظنون، ورحم الله رجلا جب الغيبة عن نفسه ..ومن وضع نفسه موضع الظن فلايلومنَّ الا نفسه مع اقراري بأن ذلك ليس عذرا ولا مسوغا للاعراض عنها والاحجام عن مساعدتها …وسأطل عليها لاحقا بإذنه تعالى ولكن بعد أن استوعب واهضم ما مررت به اليوم !
يا امانة العاصمة ..يا محافظة بغداد ..يامنظمات المجتمع المدني ..يادور المسنين …ياجمعيات حقوق الانسان ..يا دور ايواء المشردين ..يا وزارة العمل ..اين انتم من كل هؤلاء المظلومين والمستضعفين في الارض ؟
وتأسيسا على كل ما تقدم ومن هذه الصفحة ادعو كل الخيرين الى تفقد المشردين والمجانين وضحايا الارصفة بأنفسهم ” زودوهم بالطعام والشراب والاغطية والفرش والملابس حسبة لله تعالى لاترجون منهم جزاءا ولا شكورا …فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم كما قال الحبيب الطبيب صلى الله عليه وسلم .

ولله در الشاعر فريد الدليمي القائل :
مرة لاگاني اليتم شايل رغيف
واگف يوزع حزن بالمنطقة
أشر على الماكو يم ذاك الرصيف
وگال أقدملك اخوتي بكل ثقة

أودعناكم أغاتي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close