حراك للسيطرة على الآلاف من عقارات الدولة منحت بأثمانٍ بخسة

بعد أكثر من تسع سنوات من تشريع مجلس النواب العراقي لقانون بيع وإيجار أموال الدولة رقم 21 لسنة 2013 المعدل، الذي أتاح للمتنفذين في الطبقة السياسية والأحزاب بالاستيلاء على عقارات الدولة لسنوات عديدة بشكل شابه الفساد، أصدرت المحكمة الاتحادية في 20 فبراير/شباط 2022، حكما يقضي ببطلان المادة 25 من القانون بعدما أصبحت مصدراً للاستحواذ على العقارات المملوكة للدولة بدون وجه حق، على حد قول المحكمة.

وقالت المحكمة في بيان، إنها «قررت بموجب قرارها بالعدد (213/اتحادية/2021) في 9/2/2022، الحكم بعدم دستورية وإلغاء المادة (25/ ثالثا) في أصل القانون والتي أصبحت بعد التعديل تحمل الرقم (24/ثالثا) من قانون بيع وإيجار أموال الدولة رقم 21 لسنة 2013 المعدل».

وتنص تلك المادة على، لــ»البلدية المختصة بعد موافقة وزير البلديات والأشغال العامة ولأمانة بغداد بيع الأراضي المخصصة للإسكان ببدل حقيقي وحسب الأسعار السائدة لمثيلاتها والمجاورة تقدره لجنة التقدير المنصوص عليها في هذا القانون وبدون مزايدة علنية إلى العراقيين الذين لا يملكون هم أو أزواجهم أو أولادهم القاصرين دارا أو شقة أو أرضا سكنية على وجه الاستقلال ولم يكونوا قد حصلوا على وحدة سكنية أو قطعة أرض سكنية من الدولة أو الجمعيات التعاونية للإسكان».

قاعدة بيانات

أحزاب سياسية وجهات أخرى وضعت يدها على شقق سكنية ودور وبنايات تجارية وأراض زراعية وأخرى صناعية كذلك قصور رئاسية تابعة للدولة منذ سقوط النظام السابق عام 2003، عبر إيجارها بأموال زهيدة أو شراء بعضها بمبالغ بخسة لا تصل إلى 10‌% من سعر العقار الحقيقي، ومن دون عرضها في مزايدة علنية أو إشهارها من قبل الدولة للبيع، وهو ما يعتبره عضو اللجنة المالية السابق وعضو البرلمان الحالي، جمال كوجر، واحدا من «أبزر ملفات الفساد في البلاد».

وفي الوقت الذي يعتقد فيه كوجر، أن قرار المحكمة الاتحادية سيسهم في مكافحة الفساد بملف العقارات وإنقاذ آلاف العقارات من سطوة الأحزاب وبعض الفصائل المسلحة، يؤكد لـ (المدى)، أن «عدم امتلاك دائرة عقارات الدولة التابعة لوزارة المالية قاعدة بيانات متكاملة عن تلك العقارات التي استحوذت عليها الأحزاب والجماعات المسلحة بثمن بخس، ونقل ملكيتها بصفقات سياسية من ممتلكات عامة إلى ممتلكات شخصية».

وأضاف أن مادة «القرار الملغاة من قانون أموال الدولة، بموجب قرار المحكمة، منحت الجهات المتنفذة والأحزاب والهيئات الاقتصادية من الاستحواذ على آلاف العقارات منها ما يقارب 6 آلاف عقار في العاصمة بغداد وحدها»، مبيناً أن «معدلات الفساد وصلت في البلاد إلى مستويات عالية مع تحول بعض الفاسدين إلى مافيات كبيرة تصعب على الحكومة السيطرة عليهم».

وفي الثالث من تشرين الثاني 2020، قرر وزير المالية وفق وثيقة رسمية، تخويل مدير عام دائرة عقارات الدولة، صلاحيات بيع أموال الدولة المنقولة وغير المنقولة بدون النشر في الصحف أو إعلان عن مزايدة علنية وبالقيمة التقديرية وصلاحية المصادقة على قرار التقدير.

وبحسب هذه الوثيقة منح وزير المالية علي عبد الأمير علاوي، مدير دائرة عقارات الدولة التي تنظم عمل العقارات التابعة للدولة والمسجلة باسم وزارة المالية من ناحية البيع والإيجار، صلاحية التصرف المطلق بما يقارب 600 ألف عقار حكومي في بغداد والمحافظات الأخرى، عبارة عن أبنية وأراض حكومية ذات قيمة مالية كبيرة.

وقدرت هيئة النزاهة، مطلع كانون الأول 2021، عدد العقارات التي تحت سلطة شخصيات وأحزاب مختلفة بشكل غير قانوني، في بغداد والمحافظات عدا إقليم كردستان، بـ (31378) عقاراً، جاءت محافظة نينوى في صدارة القائمة، إذ بلغ فيها عدد العقارات المتجاوز عليها (8585) عقاراً، تلتها البصرة بـ(6194)، ثم كركوك (3653) عقاراً.

ونوهت الهيئة إلى إجراءاتها في استرداد تلك العقارات، في بيان رسمي، قائلة إن «الهيئة عملت وبتوجيه مباشر من قبل رئاسة الهيئة ممثلة بالقاضي علاء جواد الساعدي بإيلاء موضوع عقارات الدولة الأهمية التي يستحقها، وتم إعداد برنامجٍ تضمن (رقم العقار وعنوانه، المحافظة، عائدية العقار، جنس العقار، المساحة، الجهة المتجاوزة، القيمة التقديرية، الإجراءات المتخذة بحق الجهة المتجاوزة)، وتم إعمام هذا البرنامج على مديريات ومكاتب تحقيق الهيئة في بغداد والمحافظات؛ لاعتماده لديهم وملء حقوله وإعادة إرساله إلى دائرة التحقيقات».

شبهات فساد

وشكل ملف تلك العقارات عقدة قانونية دارت حولها شبهات فساد وتلاعب وتزوير سندات ملكيتها الرسمية وكذلك أثمانها وطريقة بيعها من قبل أحزاب سياسية وشخصيات متنفذة، حسبما يقول الناشط في مكافحة الفساد سعيد موسى.

ويقول موسى لـ (المدى)، إن «ضعف الإجراءات الحكومية كان سببا وراء عدم تطبيق القانون واتخاذ الخطوات الرادعة بحق المتجاوزين»، مؤكدا أن «حل هذه الإشكالات في ملف العقارات يقع على عاتق وزارتي العدل والمالية».

ويؤكد موسى ما ذهب إليه عضو مجلس النواب الحالي جمال كوجر بشأن «عدم امتلاك دائرة عقارات الدولة قاعدة بيانات واضحة عن تلك العقارات والجهات التي استولت عليها».

وعن طبيعة عائدية تلك العقارات يوضح موسى، أن «بعض العقارات التي تم الاستحواذ عليها يعود إلى وزارة المالية وأخرى تعود لوزارة الإسكان والبلديات وكذلك البعض منها يعود للمحافظات وأمانة بغداد»، كاشفا عن «وجود أراض زراعية في أطراف بغداد استولت عليها جهات متنفذة ومن ثم قامت بتجريفها وتحويلها إلى أحياء سكنية بدون وجه قانوني».

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here