كنت والحوت في ايسلندة يوما !

كنت والحوت في ايسلندة يوما ! د. رضا العطار

عندما كنت متوقفا في ايسلنده عام 1974 منتظرا بدأ الحملة الاستطلاعية المتوجهة الى القطب الشمالي، موطن جماعات الاسكيمو، علمت عبر الصحافة المحلية ان لأيسلنده صيت عريض في صيد الحيتان، ولهذا الغرض اقامت الحكومة الايسلندية في العاصمة ريكافيك مركزا لتسويق كل ما يتعلق بالحوت من زيت ولحم وعظام بعد ان يظفر الانسان بقتله او عندما يجده وقد جنح على الشاطئ منتحرا.

.

ان الحجم الهائل للحوت، ذو الدم الحار، قد تكيف للحياة في اعماق المحيط المتجمد الشمالي الذي تتبدد فيه الحرارة بسرعة فائقة، ولهذا زودته الطبيعة بطبقة شحمية كثيفة تحت الجلد يصل سمكها لدى الحيتان الكبيرة قرابة نصف متر، وان وجودها ضروري بغية الحفاظ على دفء جسمها. علما ان وظيفة الشحوم ـ التي يكاد وزنها يعادل وزن الحوت نفسه ـ لا تقتصر على حفظ حرارة الجسم فحسب، انما هي اكثر من مجرد عازل، كما وانه الموقع الرئيسي لتخزين الطاقة وهي حقيقة لازمة للحيوان الذي يستطيع بها ان يصوم نصف ايام السنة.

ان عملية سلخ الحوت تعتبر من المشاهد المكروهة، بيد انها تعد عند الايسلنديين من الامور المألوفة، عالميا لا تقل شهرتها عن شهرة مصارعة الثيران في اسبانيا، والفارق بينهما ان الاولى رياضة تقليدية وطنية تمارس على سبيل المتعة و التسلية ـ بينما الثانية، هي ممارسة دموية صرفة، إلا ان المواطنين يعتبرونها مصدرا لكسب المال و الترويج التجاري والسياحي.

في اليوم الثالث من اقامتي في ايسلندة لاحظت في استعلامات الفندق الذي اقيم فيه اعلان يشير الى ان وزارة السياحة ستهيئ في العاشرة من صباح غد جولة استطلاعية الى محطة تسويق التجارة البحرية، وعندما سألت الموظف المسؤول مستوضحا، قال : هناك تتم عملية سلخ الحوت ! . فشعرت بالتقزز، لكن شهوة حب المعرفة طغت عندي ، هكذا اُدرج اسمي ضمن المشاركبن في الجولة.

وفي صباح اليوم التالي والوقت المحدد نقلتني المركبة الخاصة مع غيري من السياح من الفندق، متجهة نحو شاطئ البحر قاطعة مساحات طويلة في اراضي صخرية وعرة، وبعد ساعات من الرحلة الشاقة وصلت المركبة الى ساحل البحر.

كان المكان عبارة عن مسطح واسع يشرف على الماء، وقد ظن اغلب السياح اننا دخلنا محطة قطار. فقد شاهدنا على جانبي المسطح ماكنات قطار من الحجم الصغير، كما كان يستقر في وسط المحطة بما يشبه عربة قطار رمادية اللون، مسرفة في الطول بيد اننا لم نتوقع ان يفاجئنا الدليل السياحي بالقول :

ان ما ترونه امامكم الان، هو الحوت بعينه، فذهل الجميع مدهوشين بحجمه الهائل وطوله الذي يناظر طول طائرة بوينغ 737 .

كان الحوت من نوع ازرق، يصنًف ضمن الحيتان الكبيرة، بل اكبرها حجما، إذ يبلغ طوله 33 مترا. وارتفاعه اكثر من مترين، ووزنه زهاء 180 طنا، اما حجم صغاره عند الولادة فسيكون حوالي 5 امتار، وبوزن طن واحد.

بدات عملية السلخ، بعد ان صعد الى ظهر الحوت عاملان عبر درج، وبفضل حذائهما المجهز بما يشبه المسامير بطول 10سنتم، بهدف تثبيت ارجلهم على جسم الحوت اللزج، تحول دون خطر الانزلاق، ثم قاما بعمل حز عميق بسكاكين طويلة حادة، تشبه منجل الحصاد، بدوا في الرأس وانتهوا في الذنب، حتى تحول ظهر الحيوان الى شرائط متوازية دامية، كان عرض الشريط حوالي 20 ستم

بعد ذلك قام العاملان بأدخال سلك حديدي ضخم في طرف كل شريط من جهة الرأس.

وبعد نزول العاملان قاما بتشغيل الماكنتين، وبدأت الدواليب المرتبطة بأسلاك الحديد تدور، وبدأ الشريط ينسلخ من جلد الحوت ببطء شديد، محدثا صوتا مفزعا، اشبه ما يكون بالصريخ المدوي، تزعج السمع وتخدش الضمير، حتى اصبحت اشعر وكأنني اقترف ذنبا. لقد كان المشهد بشعا. وتذكرت انني وهذا المخلوق ننتميان الى صنف واحد، يشاركني في كثير من صفاتي الانسانية لكن بدرجته الحيوانية. فللحيتان مشاعر الالفة و الحنان والشفقة وهي عاطفية جدا، تحب صغارها، وتميل لبني جنسها، فالحوت مخلوق اجتماعي ومسالم ويتمتع بقدر غير قليل من الذكاء.

يقوم الانسان منذ اقدم العصور بملاحقة الحيتان في محيطها الأمن، لان الثروات التي تأتيه عن طريق قتله للحيتان قد اغرته. وهكذا وقع عملاق العمالقة فريسة لأسلحة البشر، وبما ان الانسان لن يتغير ابدا، فلن تكن هذه الانواع من المخلوقات في منئ من شره، الا عندما تختفي من الوجود، فمنذ سبعينيات القرن العشرين. يُقتل سنويا اكثر من ثلاثين الف حوت.

يستفاد الانسان من الحوت بكل اجزائه، فلحمه يؤكل لدى بعض الأمم، حتى ان من يعتقد ان تناول طبق من شرائح لحم الحوت Kujira سيجلب السعادة لبقية ايام السنة.

أماعظامه فتستعمل في بناء سقوف المنازل واقواس الابواب وعمل آلات الصيد، وفي الديكور، اما عظم الفك فيستعمل كمصد لسفن الصيادين من اخطار البحر.

اما شحمه فيدخل في صناعات كثيرة، منها صناعة الصابون، وقسم منها يتحول الى دهن المارغرين، يستعمل في الطبخ.

والغريب في الامر ان يعتقد بعض المصابين بالعجزالجنسيى، انهم اذا اكلوا الجزء التناسلي لذكر الحوت بعد سحقه و تجفيفه، سوف تنشطهم جنسيا، هكذا يزعمون! .

لقد أضاء زيت الحوت دنيانا لحقبة زمنية طويلة، قبل ان يكتشف الانسان نور الكهرباء. ولو شئت ان تعرف عظمة الطاقة الكائنة في زيت حوت كبير، تخبرك الحقيقة بان كمية الزيت هذه تكفي لأضاءة مصباح للأشارات البحرية لمدة عشرة سنوات دون انقطاع.

كما اساء الانسان للحوت عبر استهتاره في تمثيله لجثته لأغراض سياحية مادية بحتة.

ففي ستينيات القرن التاسع عشر جنح حوتُ ازرق يصل طوله الى 33 مترا، على شواطئ جوسنبرغ في السويد. وقد استفاد الصيادون من سعة تجويف فمه (عرض فتحته 3 امتار وعمق تجويفه 5 )، اي ان المساحة الكلية كانت 15 مترا مكعبا، كافية لعمل

( مقهى )، بعد ان رفعوا فك الحوت العلوي باعمدة طويلة، فاصبح الفضاء الداخلي اشبه بالكهف. عالجوا جدرانه الداخلية بمواد خاصة، وُضعوا فيه عدد من الكراسي وحولوه الى نافذة سياحية، فتراكض اليه اللاهثون وراء الجديد، متحملين كلفة قدح القهوة الباهظة، يشربونها داخل فم الحوت.

أقول: ألم يكن هذا امتهان لحرمة الحيوان، يقتله الانسان بذريعة حاجته الى الطعام، لكنه يعبث بجثته بهدف التسلية و كسب المال، ! اين هذا من اخلاق الرفق بالحيوان ؟

يقول تشارلز داروين بهذا الخصوص:

حياة الانسان حرب الجميع على الجميع، معركة لا هوادة فيها على الجنس والغذاء. يقاتل الاشقاء اشقاؤهم حتى الموت. وعندما ننظر الى الطبيعة من خلال عدساتنا الضيقة، فإننا نرى الحيوانات تجاهد للبقاء في مواجهة القوى الساحقة للصراع التطوري. وقد لوحظ ان الغالبية العظمى من تفاعلات الحيوان سلمية وليست شقاقية.

كان الهدف الرئيسي لليابان في صيد الحيتان هو الحصول على الطعام والترويج لصناعتها، ولذلك اقامت جنازات للحيتان التي قُتلت وعلى مدى قرون. كان على الصيادين ان يكافؤا الحيتان على التضحية بحياتها ويعتنوا بارواحها. ولا يزال بعض الصيادين الذين عملوا في مهنة صيد الحيتان في عرض البحر يطلبون الغفران لقيامهم بقتل الحيتان.

فاليابانيون كانوا يعتقدون ان ارواح الحيتان يمكن ان تنقلب الى الاشباح الجائعة. . . لهذا تعامل ارواح الحيتان عندهم، بنفس الاحترام الذي تتلقاه الارواح البشرية.

فتمنح بعد موتها اسماء يتم تسجيلها على الالواح التذكارية و حفظها في سجل الوفيات. واصبحت مواقع هذه النصب التذكارية اماكن تجمع الحركات الهادفة لحماية صيد الحيتان في اليابان.

*مقتبس من كتاب الحوت التاريخ الطبيعي والثقافي لمؤلفه د. جو رومان، ترجمة ايزميرندا حميدان، ط 1 ، 2913 هيئة ابو ظبي للسياحة والثقافة و(الكلمة).

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close