ملاحظات على التصريح الأخير لرئيس مجلس القضاء الأعلى

د.كاظم المقدادي

بعد صمت طويل، غريب ومريب، شرع السيد فايق زيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى مؤخراً يُغرد بالتصريحات.. لي على تصريحه الأخير العديد من الملاحظات: تطرق رئيس مجلس القضاء الأعلى، خلال مشاركته في لقاء متلفز يوم السبت المصادف 2/4/2022 إلى أجواء الاحتجاجات الشعبية في العراق، وما رافقها من ظروف.. ولعل أبرز ما في التصريح هو خروجه بوجهة نظر نسفت كلياً فرضية “الطرف الثالث” في قتل شبيبة العراق من متظاهري تشرين، حيث قال: ” أن مسالة تحميل ما حصل في تشرين للطرف الثالث يعد هروبا نحو الامام، حيث لا وجود لطرف ثالث. هناك طرفان واضحان، هما المتظاهرون والجهات الامنية، بكافة صنوفها، حيث حصلت تجاوزات متبادلة”.. إنها وجهة نظر متأخرة جداً جداً، يبدو ان سيادته أراد بها، شاء أم أبى، تبرئة القتلة من المليشيات المسلحة الموالية لغير العراق، ومن بلطجية أحزاب السلطة الفاسدة وعصاباتها، التي شهد القاصي والداني دورها الإجرامي السافر والمستهتر ضد المتظاهرين والمحتجين السلميين.. نذكر سيادة القاضي بأن ثمة مئات الفيديوهات واَلاف الصور الحية الموثقة للأحداث ، موجودة، واَلاف شهود أعيان، موجودين أيضاً..من السهل عليه جداً ان يطلع عليها، إن لم يطلع لحد الآن.. وأود في هذا السياق تذكير القاضي زيدان، الذي يبدو أنه نسي أو تناسى، أنه متهم بصفته رئيس مجلس القضاء الأعلى بالتورط في جرائم القتل العمد والقمع الدموي، التي إقترفتها حكومة السفاح عادل عبد المهدي بحق المتظاهرين السلميين، وهو (القاضي) منحه شخصياً صلاحية إعتقال المتظاهرين بدون أمر قضائي، ووفق المادة ( 4) إرهاب..وهذا موثق أيضاً، ولم تنفيه سلطته القضائية ولا هو شخصياً.. وتلكم (منح الصلاحية) جريمة لا تغتفر ترتقي الى مصاف جرائم الإبادة الجماعية، وعقوبتها، في البلدان المتحضرة، قاسية جداً- ليس فقط تنحيته كرئيس لمجلس القضاء الأعلى، وكقاضي وحقوقي، وإنما محاسبته قضائياً لينال القصاص العادل! وقبل ذلك تغاضى زيدان، مع بقية المسؤولين في مجلس القضاء الأعلى، ورئاسة الأدعاء العام، والمحكمة الأتحادية العليا، ورئاسة مجلس النواب، وغيرهم، من الذين كانون يتفرجون على الجرائم اليومية التي تقترفها الأجهزة القمعية بحق الشبيبة العراقية، أو ممن تجاهلوا وتستروا وظللوا وكذبوا وتواطئوا وغلسوا على جرائم القتل والقمع الدموي بالرصاص الحي والقنابل السامة القاتلة، وغيرها، ضد المتظاهرين السلميين، التي راح ضحيتها أكثر من ألف شهيد وأكثر من 30 ألف جريح، منهم أكثر من 7 الآف معوق جسدياً، ومختطف ومُعذب ومُغيب، من خيرة شباب وشابات العراق الذين طالبوا بحقوقهم المشروعة..

وفي هذا المضمار،قال القاضي زيدان أن “القضاء شكل لجان تحقيقية في كل محافظة شهدت تظاهرات، وتم إصدار عدد كبير من مذكرات القبض بحق المعتدين على المتظاهرين، سواءً من الأجهزة الأمنية أو الاطراف الاخرى. وصدرت أحكام في بعضها، وتم إيداع الجناة في السجون”.. ولعل الاهم هو تاكيده بأن “القضاء يتعامل بمهنية عالية مع الدعاوى التي رفعت من قبل أهالي ضحايا الاحتجاجات، وان المحاكم أصدرت قرارات، لكن تنفيذها من مهام الأجهزة الأمنية”.. ولفت إلى أن “هنالك أهمالا من قبل الاجهزة الامنية في تنفيذ بعض المذكرات خشية من الوضع السياسي الحساس او لانشغالهم بأمور أخرى”… وأضاف : “بقية القضايا ما تزال في طور التحقيق لخصوصية هذه القضايا والمتهمين فيها، باعتبار أن قانون أصول المحاكات الجزائية العسكري، يؤكد على أنه لا يحق تنفيذ مذكرة بحق ضابط عسكري الا بموافقة القائد العام للقوات المسلحة، وأما إذا كانت المذكرة صادرة بحق ضابط شرطة فلا يمكن تنفيذها إلا بموافقة وزير الداخلية” .. بشأن “تعامل القضاء بمهنية عالية ” مع الدعاوى، نورد للسيد رئيس مجلس القضاء الأعلى مثالين معروفين للعراقيين: أولاً-القضاء العراقي “المستقل” و”المحايد” جدا، لم يتجرأ ويحاسب نوري المالكي- رئيس مجلس الوزراء الأسبق- على جرائمه النكراء بحق الشعب والوطن، وهو المسؤول الأول عن سقوط ثلث الأراضي العراقية بيد عصابات داعش، وعن مجزرة سبايكر، وعن جرائم القمع الدموي والقتل العمد للمتظاهرين السلميين، وتغييب العشرات منهم، وإهدار أكثر من ألف مليار دولار من أموال الشعب، وتأسيس ” الدولة العميقة”،والمليشيات الولائية، وتأجيج الحرب الطائفية، وغيرها الكثير الكثير.. لكنه (القضاء) تجرأ و”أدان” القاضي رحيم العكيلي لكونه كشف فساد المالكي وعصابته.. ثانياً-أدان القضاء 4 شباب يافعين بالإعدام شنقاً حتى الموت، متهماً إياهم بقتل ضابط شرطة أثناء التظاهرات.. المحاكمة تمت خلال وقت قصير جداً مقارنة بالقضايا الأخرى، التي لم يبت بها لحد الآن لـ ” خصوصية الجرائم والمتهمين فيها”- على حد قول زيدان، وقد مر عليها أكثر من عامين، ولم يتم تحريكها قضائياً .. لماذا ؟ وماذا تسمي هذا التعامل يا رئيس مجلس القضاء الاعلى ؟!! بصراحة يا سيد زيدان أنت وأستاذك مدحت المحمود قد أسأتم بمهنيتكما المتقلبة وتعاملكما غير المشروع، أيما إساءة للقضاء العراقي المستقل والنزيه والعادل ، وتتحملان المسؤولية الأكبر عن فقدان ثقة العراقيين بقضائكما.. واستطرادا، بشأن الدعاوى القضائية “الحساسة”، التي أشرت لها يا سيد زيدان، فان العراقيين يتهمونك بأنك وحاشيتك في مجلس القضاء الأعلى تسترتم وتتسترون، وطمطمتم وتطمطمون، على المجرمين من الأحزاب المتنفذة الفاسدة، وبذلك حولتم القضاء العراقي المحايد والنزيه والعادل حقاً وفعلآ الى قضاء فاقداً للثقة، ومتهما بعدم النزاهة، ومرتشي، وخاضع، وخانع.. وبذلك قتلتم ما تبقى من العدل والنزاهة والجرأة لدى القضاة، بل وإستهنتم بحياة المهنيين الشرفاء والنزيهين والجريئين منهم، الذين سعوا الى معاقبة

المجرمين وحيتان الفساد ,، وإعلاء شأن العدالة..

وانتما ( مدحت المحمود وفايق زيدان) من حعل تنفيذ القانون وقرارات القضاء تخضع لـ “حساسية” الوضع السياسي، بينما كان إعلام مجلس القضاء يزعم كذباً وبهتاناً: ” ان القضاء العراقي لا يتعرض لضغوطات سياسية”، لحين كذبه هادي العامري- رئيس منظمة ” بدر” وزعيم تحالف “الفتح”، عندما أعلنً، في لقاء له في أحد برامج قناة ” العراقية”: “مارسنا ككتل وأحزاب سياسية الضغوط على القضاء، وهددناه، وخضع القضاء للتهديد “- الفيديو موجود على اليوتوب والفيسبوك .. وأنت نفسك يا سيد زيدان إعترفت بصفتك رئيس مجلس القضاء الأعلى:” ان الضغط السياسي على القضاة موجود” (6/2/2020 ). ومن ثم أكد المتحدث الرسمي بإسم المجلس القاضي عبد الستار بيرقدار: ” وجود ضغوط يتعرض لها القضاة لتبرئة سياسيين فاسدين”(3/3/2020). ونسأل رئيس مجلس القضاء الأعلى: لماذا منع إعلام مجلس القضاء نشر أسماء المجرمين المدانين قضائياً بجرائم ضد المتظاهرين؟..هل يوجد نص قانوني يمنع ذلك ؟ أم أن عدم كشف أسماء المدانين أمر مقصود، لكونهم من “الجهات إياها، وكي لا يكونوا عبرة لغيرهم” ولماذا حاصر القضاء العراقي ” المستقل” و “الحيادي” و” النزيه” وما يزال يحاصر الإعلاميين والصحفيين الذين سعوا الى كشف حيتان الفساد، والبحث عن الحقيقة ؟ لمصلحة من كمم مجلس القضاء أفواه وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي، وصادر حرية التعبير، أو قيدها، وضيق على إستخدام شبكات الأنترنيت ؟ .. أليس ذلك مخالف للمادة 38 من الدستور العراقي، التي تنص على حرية الصحافة والتعبير؟ وبشأن إهمال الأجهزة الأمنية لواجباتها،الذي أشار له السيد زيدان، نسأله أيضاً: هل خاطب مجلس القضاء الأعلى الجهات المسؤولة عن الأجهزة الأمنية التي لم تنفذ قرارات المحاكم ، وأهملت تنفيذ مذكرات الإعتقال،التي أشرت لها ؟ إذا كان الجواب: نعم، فلماذا لم تنوروا الرأي العام بإجاباتهم وتبرئوا ذمتكم من المسؤولية ؟!! وهل خاطب مجلس القضاء الأعلى ورئاسة الإدعاء العام كل من القائد العام للقوات المسلحة ووزير الداخلية بشأن المتهمين المحالين وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية العسكري، وبررا لكم أسباب التأخير ؟ وفي هذه الحالة، من هي الجهة القضائية التي يفترض ان تقوم بمتابعة ومحاسبة من لم ينفذ مذكرة إلقاء القبض من العسكريين والشرطة ؟ ما جوابكم للعراقيين الذين يقولون أن مجلس القضاء الأعلى بقيادتكم متورط بطمطمة وأخفاء هذه القضايا ودفنها في مدفنة الملفات العالقة ؟ وأود ان أذكر السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى بما أعلنه في كلمته بمناسبة الذكرى

الثالثة لـ “استقلال القضاء” أو “يوم القضاء العراقي” : ” اننا حريصون على حماية حقوق الدولة والمواطن، ومكافحة جرائم الفساد، والارهاب، بوتيرة متصاعدة”. ودعا الى ” تعزيز ثقة المواطن بالقضاء والقانون عبر احترام مبادىء الدستور التي تؤكد على استقلاله”.. وأسأله:عن أي ثقة للمواطن تسعى الى تعزيزها بقضائكم، وقد فقد مجلس القضاء الأعلى منذ عدة سنوات الثقة والمصداقية ؟.. إليكم مثال اَخر يدلل على ذلك: رداً على ما تناقلته وسائل الأعلام بشأن شروع اوساط قضائية عراقية يتقديم عدد من المعتقلين من شباب انتفاضة تشرين (منهم: هشام قاسم محمد ( مهاوي ) و حيدر محمد عياض و احمد عباس خيون وعلي سالم راجي وحسن بلاسم عطية) الى محاكمات جنائية، بدلالة المادة 197 ،التي تصل عقوبتها الى الاعدام او السجن المؤبد، بتهمة ” التخريب والحاق الضرر بالممتلكات العامة”.. نفى مجلس القضاء الأعلى صحة الانباء التي افادت بخصوص إصدار حكم إعدام بحق احد المتظاهرين، او في النية صدور هكذا احكام مستقبلًا. وقال في بيان له في 14/3/2021“سبق وان أوضحنا أن حق التظاهر السلمي مكفول بموجب الدستور ولا يجوز قانونا محاسبة شخص يستخدم حق مكفول دستوريًا وقانونيًا”.. شخصياً أعلنت في وقته عدم ثقتي بهذا النفي. وتأكدت صحة شكوكي، فقد أصدر القضاء في 10/3/2022 حكماً بالإعدام على 4 شباب من واسط بتهمة قتلهم لضابط أثناء التظاهرات.. وهذا ما يكذب ” تأكيدات” المجلس بأنه لن يصدر حكم إعدام وليس في النية صدور مثل هذا الحكم مستقبلا بحق المتظاهرين والمحتجين، لأنه ” لا يجوز قانونا محاسبة شخص يستخدم حق مكفول دستوريًا وقانونيًا ” !! وعدا هذا، صدر قبل أيام قلائل قرار من محكمة التمييز نقض قرار الإعدام الذي صدر قبل عام بحق الرائد طارق الجابري وفق أحكام المادة 406 ق.ع – تهمة القتل العمد وقمع التظاهرات في مدينة الكوت خلال العام 2019 .. واختم بمفارقة، لا بل بمهزلة، وهي عدم وجود في العراق لنص دستوري وقوانين وتشريعات، اضافة الى عدم وجود مؤسسة رسمية شرعية محترمة ومقدرة ومطاعة، تُحاسب عمليا كل من السلطة التنفيذية والسلطة القضائية والإدعاء العام ومجلس النواب، وكبار المسؤولين الفاسدين المتنفذين في الدولة، عند تقاعسهم في واجباتهم ومهماتهم وإلتزاماتهم، ناهيكم عن خيانتهم للشعب والوطن .. وامثال هؤلاء يصولون ويجولون في عراق اليوم ويعيثون فيه فسادا دون حسيب او رقيب ! والمهزلة الاخرى ذات العلاقة هي ان جميع مؤسسات الدولة والاحزاب المتنفذة وكبار المسؤولين، يعيدون ويكررون بدون خجل ولا وجل: “الشعب مصدر السلطات”، و” جميع مؤسسات الدولة وموظفيها هم في خدمة الشعب”.. بينما في الحقيقة والواقع هؤلاء في واد والشعب في واد اخرى .. السائد في عراق اليوم هو سلطة اللادولة، والمليشيات المسلحة، والعصابات الاجرامية،

والانتهاك السافر والمستهتر للدستور وللقوانين ولحقوق الانسان.. وقد أصبحت مؤسسات الدولة وغالبية كبار مسؤوليها خدم أذلاء لأحزاب السلطة الفاسدة وقادتها الجهلة والمتخلفين والمستهترين الأوباش.. وتحول المسؤول الى معول هدم وتخريب، والى أداة لتهديد السلم المجتمعي، ولتنفيذ وتشجيع وتمرير جرائم القتل العمد والقمع الدموي والشحن الطائفي المقيت، الى جانب نهب ثروات الشعب وإفقاره وإذلاله.. والسلطة القضائية تتفرج ولا تحرك ساكناً.. لكن ذلك لن يدوم طويلاً ! وغداً لناظره لقريب !

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close