بطل الكريكت يسقط في اختبار السياسة

بطل الكريكت يسقط في اختبار السياسة

حميد الكفائي

لم يكن بطل الكريكت العالمي، عمران خان، الذي أقاله البرلمان الباكستاني قبل أسبوع من رئاسة الوزراء، أول شخص يدخل عالم السياسة من مجال بعيد عنها.

لقد سبقه إليها بطل الكريكت البريطاني، ألكس دوغلاس هيوم، الذي أصبح رئيسا للوزراء في الستينيات، وبطل سباق اليخوت، الموسيقي البريطاني، أدوارد هيث، الذي أصبح رئيسا للوزراء في السبعينيات، وبطل الرغبي، أيمن دي فاليرا، الذي أصبح رئيسا للوزراء ثم رئيسا لجمهورية أيرلندا، والملاكم عيدي أمين الذي أصبح رئيسا لأوغندا.

وتعتبر بريطانيا أكثر بلد في العالم يدخل فيه الرياضيون السياسة، تليها الولايات المتحدة وأيرلندا وأستراليا وكندا ونيوزلندا، وكل هذه البلدان تنتمي إلى الثقافة الإنجليزية. وربما تأثر عمران خان بالثقافة البريطانية، إذ عاش ودرس ولعب الكريكت فيها لسنين طويلة.

وفي مجال الفن، أصبح الممثل السينمائي رونالد ريغان، رئيسا للولايات المتحدة، والممثل الكوميدي، فولادومير زيلنيسكي، رئيسا لأوكرانيا، والممثل جوزيف أسترادا، رئيسا للفلبين، والروائي التشيكي فاكلاف هافل، رئيسا لتشيكيا، بل وحتى الملياردير الترفيهي، دونالد ترامب، دخل السياسة وأصبح رئيسا دون سابق خبرة في أي مجال قريب منها.

وفي عالمنا العربي، شارك رياضيون في حكومات عديدة، ولكن في المجال الذي خبروه وهو الرياضة، إلا من تخصص في مجال آخر. بطلة ألعاب القوى المغربية، نوال المتوكل، أصبحت وزيرة للرياضة. لاعب كرة القدم العراقي، عدنان درجال، أصبح وزيرا للشباب والرياضة. بطل كرة السلة المغربي، صلاح الدين مزوار، أصبح وزيرا للصناعة ثم المالية ثم الخارجية. لاعب الكرة المصري، مصطفى كامل منصور، أصبح وزيرا في الخمسينيات.

في الجزائر، أصبح لاعب كرة القدم، أحمد بن بيلا، أول رئيس للوزراء ثم أول رئيس لجمهورية الجزائر، لكنه لم يبقَ في منصبه الأخير سوى أقل من سنتين، إذ انقلب عليه نائبه ووزير دفاعه، هواري بو مدين عام 1965 وأدخله السجن لما يقارب العقدين.
حاول مبدعون عرب، بارزون في مجالات بعيدة عن السياسة، دخول عالم السياسة، لكنهم لم يفلحوا، مثل الدبلوماسي والقانوني المصري، محمد البرادعي، الذي أصبح نائبا للرئيس لشهر واحد فقط ثم قدم استقالته، والأكاديمي والناقد المصري، جابر عصفور، الذي أصبح وزيرا للثقافة لعشرة أيام فقط ثم قدم استقالته.

أما عالم الكيمياء المصري الحائز على جائزة نوبل للعلوم، أحمد زويل، فلم يصل إلى أي منصب، رغم محاولته دخول معترك السياسة، بعد استقالة الرئيس حسني مبارك عام 2011، حاله حال المطرب والأكاديمي العراقي، الدكتور فاضل عواد، الذي رشح في انتخابات عام 2018، متوهما بأن شعبيته الواسعة سوف تدفع محبيه للتصويت له، لكنه لم يفُز، رغم أن طموحه المعلن أن يكون فلاحا، إن صدَّقنا أغنيته الشهيرة (يا ريت أصيرن فلاح وأزرع ثمر ألوان)!

ما يغفله المبدعون والمتميزون في الرياضة والأدب والفن والكوميديا، الحالمون بمناصب سياسية رفيعة، أن النجاح الذي رافقهم في مجالات تخصصهم الأولى، ليس ضمانا لنجاح في عالم السياسة المتشابك والمعقد، الذي يتطلب مهاراتٍ عديدةً، أولاها المعرفة التفصيلية بالإدارة والاقتصاد والعلاقات الدولية، إضافة إلى قدر كبير من الثقافة واللباقة والمعرفة في شؤون المجتمع ومشاكله ومزاجه. ولا ننسى أيضا الكاريزما، التي قد تتوفر لشخص في مجال معين، لكنها لن ترافقه إلى المجالات الأخرى.

وإن كان الرئيس رونالد ريغان قد نجح نجاحا باهرا في قيادة الولايات المتحدة واحتفظ بشعبيته حتى النهاية، بل إنه مكَّن نائبه، جورج هربرت بوش (41) من أن يخلفه في المنصب، فإن الرئيس الفلبيني جوزيف أسترادا، فشل في إدارة البلاد وأقيل من منصبه، والرئيس التشيكي، فاكلاف هافل، المثقف الكبير والروائي الناجح، خلَّف وراءه مشاكل كثيرة، إذ قاد بلده وفق خياله الروائي، متجاهلا أو متناسيا مشاكله الحقيقية. أما الملاكم عيدي أمين، فقد ظل ملاكما يوجه الضربات الموجعة لخصومه طوال فترة رئاسته، وقاد بلده إلى كارثة إنسانية راح ضحيتها أكثر من مليون شخص.

آخر الفاشلين في عالم السياسة هو عمران خان، الذي كان بطلا عالميا في رياضة الكريكت في ثمانينيات القرن الماضي، إذ توج بطولته بفوزه بكأس العالم عام 1992. وقد قادته شهرته، كبطل رياضي، لأن يسعى للحصول على منصب سياسي في بلده، فلم يحصل إلا على منصب “سفير للسياحة” في حكومة معين قريشي عام 1993، وهو منصب لم يدُم فيه سوى ثلاثة أشهر.

وفي عام 1996، أسس خان حزب “تحريك الإنصاف الباكستاني” كي يتنافس في الانتخابات، لكنه أيد الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال برفيز مشرف في عام 1999، والذي أطاح بالحكومة المنتخبة برئاسة نواز شريف. وقد استغرب كثيرون أن يؤيد هذا الرياضي (الديمقراطي)، الذي عاش في بريطانيا ردحا من الزمن، انقلابا عسكريا في بلاده، ضد رئيس وزراء منتخب، كان قد دعاه، حسب قوله، للانضمام إلى حزب الرابطة الإسلامية، لكنه رفض العرض. ويقول خان إن قائد الانقلاب، الجنرال برفيز مشرف، دعاه لتشكيل الحكومة، لكنه رفض الدعوة، وهذا لا يتسق مع موقفه المعلن المؤيد لمشرف.

شارك خان في انتخابات عام 2002، ولم يحصل سوى على مقعد واحد، إذ شن عليه خصومه حملة تسقيطية منظمة، واتهموه بمناصرة إسرائيل لمجرد أنه متزوج من الصحفية والكاتبة البريطانية، جميما غولدسميث، ابنة الملياردير البريطاني ذي الأصل اليهودي، جيمز غولدسميث، علما أنها اعتنقت الإسلام، وتخصصت فيه، وحصلت على شهادة الماجستير في دراسات الشرق الاوسط من جامعة لندن. وقد صدرت مذكرة قبض على جميما عام 1999 بتهمة تهريب القراميد الإسلامية إلى الخارج فاضطرت إلى البقاء في لندن حتى زال حكم الجنرال مشرف، فعادت إلى لاهور وبرّأتها المحاكم.

رفض خان المشاركة في الانتخابات اللاحقة، وطلق زوجته التي أنجبت له ولدين، سليمان وقاسم، وظل يمارس خطابه الشعبوي المعادي للغرب، علما أنه خريج جامعة أوكسفورد البريطانية. لكن هذا الخطاب يستهوي كثيرين في باكستان، خصوصا وأن خان تبنى محاربة الفساد، المتفشي في عموم البلاد، فنال بذلك شعبية واسعة، ما دفع الجيش لتأييده.

وفي انتخابات عام 2018، فاز حزب “تحريك الإنصاف” بـ 116 مقعدا، من مجموع عدد مقاعد البرلمان البالغة 342 مقعدا (منها 272 تخضع للتنافس الانتخابي، و60 مخصصة للنساء، و10 للأقليات الدينية)، فكان حزبه الفائز الأكبر، مكتسحا الدوائر الانتخابية الخمس، ليصبح الأول في تأريخ البلاد الذي يفوز في كل الدوائر، متجاوزا حتى حزب الشعب بقيادة ذو الفقار علي بوتو، الذي فاز في ثلاث دوائر فقط.

أصبح خان رئيسا للوزراء، والشاغل الأول للمنصب من خارج العوائل السياسية المتنفذة. لكن حكومته كانت ائتلافية، إذ لم يفُز حزبه بغالبية المقاعد.

توهم خان بأن بإمكانه أن يحقق النجومية في السياسة كما حققها في الكريكت، فظل يتحدث بالطموحات متناسيا الواقع، ورفع الدعم الحكومي للسلع الضرورية واستفاد من تجميد الديون بسبب جائحة كورونا، ولم يكترث لعلاقات باكستان الدولية، إذ كان يطلق الاتهامات والتصريحات على هواه ودون قيود. حاول أن يغير من تحالفات باكستان الدولية، من الولايات المتحدة والعالم الغربي، إلى روسيا والصين، مستعينا بشعبيته في البلد، ولكن، في السياسة، لابد من اتباع سياسة واقعية، ومراعاة التوازنات والمصالح الداخلية والخارجية. المؤسسة العسكرية الباكستانية مثلا، أمريكية التسلح والتوجه، ولا يمكن تجاهلها وتغيير وجهة البلد بالسهولة التي توهمها.

باكستان متحالفة مع الولايات المتحدة منذ نشأتها عام 1947، بينما جارتها الهند، وغريمتها الأولى (وحضنها الذي خرجت منه لأسباب دينية)، ظلت منفتحة على دول العالم الأخرى، لكن تسلحها بقي روسيَّا، أي أنها زبون مهم ودائم لروسيا، بينما كان تسلح باكستان أمريكيا منذ البداية، ومن هنا لا يمكنها التحالف مع روسيا والتخلي عن أمريكا بسهولة، كما لا يمكن روسيا أن تتخلى عن الهند لصالح باكستان ذات الإمكانيات المادية المتواضعة، ولا يمكنها الجمع بينهما.

بقي عمران خان حالما بدولة غير التي يحكمها، متجاهلا واقع بلده وتأريخه السياسي وعلاقاته الدولية ومصالحه الاستراتيجية، فظل يمارس خطابا شعبويا سطحيا، ونصَّب نفسه مدافعا عن الإسلام في العالم، مغازلا ومنافسا بذلك الحركات الدينية، إذ طالب في تغريدة له في تويتر، مدير فيسبوك، مارك زوكربيرغ، بحظر الخطاب المعادي للإسلام!

لكن هذا الخطاب لم يقنع أحدا، فالذي يطلقه سياسي علماني، وأن الفيسبوك لا يحتاج إلى نصيحته، إذ لديه ضوابط تحظر خطاب الكراهية. وفي النهاية، قاد هذا الخطاب إلى إزعاج الجيش، المتحكم التقليدي بالدولة، والقوى السياسية والاقتصادية وشرائح مجتمعية أخرى، إضافة إلى الدول الحليفة لباكستان كالولايات المتحدة.

اختتم خان أخطاءه بزيارة روسيا في اليوم الذي دخل فيه جيشها إلى أوكرانيا، محاولا تطوير علاقات باكستان معها، بينما كانت الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة تبحث في كيفية الرد على روسيا، فأغضب بذلك الجيش وشرائح معينة من الشعب التي حاربت روسيا أثناء غزوها أفغانستان المجاورة.

تكاتفت القوى السياسية في البرلمان على سحب الثقة من حكومته، لكنه واجهها بتأجيل التصويت على سحب الثقة مراتٍ عدة، ما اضطر القوى المعارضة إلى اللجوء إلى المحكمة العليا، التي أصدرت قرارا باتا بضرورة إجراء التصويت. وكما كان متوقعا، فقد أسفر التصويت عن سحب الثقة من حكومته، وتكليف شاهباز شريف، شقيق رئيس الوزراء الأسبق نواز شريف، بتشكيل الحكومة، والتي ستكون حكومة ائتلافية مع عدة أحزاب، أهمها حزب الشعب، بقيادة بِلاوال بوتو زارداري، نجل رئيسة الوزراء المغدورة، بينظير بوتو، والرئيس السابق آصف زارداري.

عاد خان إلى خطابه الشعبوي المعهود بعد إقالته، واتهم الولايات المتحدة بالضلوع في مؤامرة للإطاحة به، وادعى بأن مسؤولا أمريكيا أوصل له خبرا مفاده “لن نتعاون مع باكستان مازال عمران خان في السلطة”. لكن وزارة الخارجية الأمريكية نفت هذا الادعاء، قائلة إنها لا تتدخل في الشؤون الداخلية لباكستان.

لم يبرهن عمران خان على قدرة في إدارة الدولة، رغم تمكنه بقدراته الشخصية من الوصول إلى أعلى المناصب، ولم يتمكن من القضاء على الفساد، بينما كبَّل الخزينة بديون كبيرة. لا شك أن حكومة شاهباز شريف ستواجه مصاعب جمة، ولابد لها أن تعود إلى البنك وصندوق النقد الدوليين كي تتغلب عليها. وهذا يعني ترشيد الإنفاق وتقليص الخدمات، الأمر الذي يقود إلى إثارة السخط الشعبي منها، ما قد يؤدي إلى التصويت لعمران خان مجددا في الانتخابات المقبلة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close